"دابق".. إلى العالمية!

لا ينتبه العالم إلى جرائم النظام السوري (أوزان كوزي/أ.ف.ب/Getty)

من المفارقات السخيفة في زمننا الحاضر هو أن أي فيديو يصدر عن النظام السوري أو يتسرب من جيشه وعناصر أمنه مظهرًا إحدى جرائمه القذرة ــ مثل الفيديو الأخير الذي يظهر فيه ضابط من ضباط النظام يقوم بتعذيب وإهانة رجل وزوجته ــ لا يلقى رواجًا واستنكارًا، إلا في الأوساط المحلية السورية، وفي أقصى تقدير في الأوساط العربية. بينما أي فيديو يبثه تنظيم الدولة الإسلامية، داعش، عن جرائمه، تتهافت عليه جميع وسائل الإعلام العربية والغربية، في حين أصبحت فيديوهات النظام بضاعة قديمة وكاسدة. والمؤسف أن أي حلّ دولي في سورية سيكون وفقًا لما تراه عيونهم – هذا إذا استثنينا الحديث عن مصالحهم – لا بعيون السوريين.

داعش الذي بدأ عراقيًا ثم تطوّر ليأخذ أبعاده العالمية

داعش الذي بدأ عراقيًا ثم تطوّر ليأخذ أبعاده العالمية، فالخوض في معاني وصفات التنظيم متعدد الطبقات والجوانب، فمن جهة لا يمكن نفي مركزيته العراقية عنه - على الأقل في بداياته - أولاً بسبب تشكّله وظهوره في العراق، ثم وجود اسمين عراقيين بارزين فيه، أحدهم أبو بكر البغدادي، وهو الاسم الإعلامي الأول في التنظيم، الذي أعلن نفسه خليفة، والثاني سمير الخلفاوي، الملقب بـ "حجي بكري"، الضابط السابق في المخابرات الجوية التابعة لنظام صدام حسين، وهو الشخص الذي كان قابعًا خلف الكواليس والباني لهرمية التنظيم والمخطط لانتشاره المفاجئ كما أظهرت الوثائق التي عُثر عليها في منزله بعد مقتله في سورية؛ وأيضًا فإن الاستيلاء على الموصل بالنسبة لداعش يبقى أكثر أهمية من محافظة الرقة، ثم لا تخفى الأولوية التي يعطيها التنظيم لتوسعه في المناطق السورية الشرقية القريبة من العراق.

هذا من جانب، لكن من جانب آخر فإن الأمور أكثر تعقيدًا من ذلك، إذ إن ثمة صفة غربية في داعش، من ناحية أعداد المنضوين تحت لوائه من الشباب الآتي من الدول الغربية، واستهداف أفراد ومصالح غربية ومحاربة الغزو الصليبي، أياً كان الصفة التي يحملها، وآلته الإعلامية التي تحمل صفات هوليوودية، من فيديوهات القتل والذبح ذي المونتاج عالي الدقة، وأخيرًا المجلة التي أصدرها باللغة الإنجليزية وعدد آخر من اللغات الأوروبية، والتي تحمل اسم "دابق".

"دابق" اسم البلدة الهادئة في الشمال السوري، التي شهدت قبل أربعمائة وتسعة وتسعين عامًا معركة بين المماليك بقيادة قانصوه الغوري والعثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول والتي فتحت الطريق للأخيرين كي يدخلوا الشام وباقي المناطق العربية ويؤسسوا إمبراطوريتهم. هي دابق ذاتها المدينة التي ستشهد، بحسب الملحمة الإسلامية، المعركة الفاصلة بين المسلمين والصليبيين، والتي بدأت علاماتها الأولى –بحسب الإيديولوجيا الداعشية – مع انضمام العديد من المقاتلين الغربيين إلى داعش وبدء الحلف الصليبي ضدّه. ولذلك تحمل هذه البلدة معنى رمزيًا وإيديولوجيًا كبيرًا بالنسبة للتنظيم وأنصاره.

خصّصت المجلة عددها الأول  الذي عنونته باسم "عودة الخليفة" للحديث عن الأمريكيين

ظهرت المجلة - التي تتميز بصورها الملونة ذات الجودة العالية، والتي تركّز معظمها على مقاتلي داعش المنتصرين وتسعى إلى إظهارهم فرحين ومنتشين بانتصاراتهم في مقابل صور المقاتلين الأمريكان الخائبين - بعد إعلان أبو بكر البغدادي نفسه خليفة في "الدولة" التي اخترقت الحدود بين سورية والعراق، وقد خصّصت المجلة عددها الأول، الذي عنونته باسم "عودة الخليفة"، للحديث عن إعلان الخلافة ومعاني هذا الإعلان. ويبدو لافتًا أن كل عدد جديد من المجلة يحمل عنوانًا مختلفًا، وهو عنوان الملف الذي سيعالجه هذا العدد.

وتحمل هذه العناوين صيغة نوستالجية ولا تخفي إيديولوجيتها التي تكرّس مفهوم العودة إلى الماضي، فيحمل العددين الثاني والثالث عنواني "الطوفان" و"الدعوة إلى الهجرة" على التوالي، فيستخدم التنظيم في عدده الثاني قصة النبي نوح ليمرر رسالته التي تدعو المسلمين إلى ركوب السفينة، وهي هنا "الدولة الإسلامية" المعلنة، ويضعهم أمام خيارين إما مواجهة الطوفان القادم أو النجاة والانتقال إلى الدولة. والموضوع الأخير هو الذي يهتم فيه في عدده الثالث، المذكور عنوانه آنفًا، ويركز على دعوة المسلمين للهجرة إلى الدولة والانضمام إلى الجهاد خلف قيادة الخليفة.

"الحملة الصليبية الفاشلة"، هو الاسم الذي حمله العدد الرابع من مجلة "دابق"، ويسخر فيه التنظيم من التحالف الدولي ضدّه بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ويؤكّد أنه مكتوب له الفشل لأن الله مع المسلمين. ويزداد تحدّيه في العدد اللاحق، الذي يحمل عنوانًا له الشعار المشهور للتنظيم "باقون ونتمدد"، ويعلن فيه تمدّده وتوسعه إثر قبوله بيعة تنظيمات جهادية منتشرة في سيناء المصرية وليبيا والجزائر واليمن وشبه الجزيرة العربية. ويعلن في هذا العدد أيضًا سك الدينار الذهبي والدرهم الفضي في الدولة.

وكامتداد للملف السابق، يتناول الملف السادس، "القاعدة في وزيرستان: شهادة من الداخل"، الشؤون الداخلية والنزاعات بين المجموعات الجهادية. ويُفتتح العدد السابع، "من النفاق إلى الردّة"، بإعلان الحرب على اليابان، وهو العدد الذي تباهى فيه داعش بإعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة.

وبعد تباهيه بإعدام الطيار لا يتوانى التنظيم في عدديه اللاحقين، "الشريعة وحدها ستحكم إفريقيا" و"هم يمكرون والله خير الماكرين"، من التفاخر ببرنامج تجنيد الأطفال وتبريره...

اقرأ أيضًا:
كيف تموّل داعش؟
ليس داعش وحده داعش
طلبة الرقة في مواجهة "داعش"