خيري شلبي.. في سكنى الحكاية (1- 2)

خيري شلبي.. في سكنى الحكاية (1- 2)

خيري شلبي

"ما أنا إلا حكواتي سريح، شرير ومجنون، ولو كنت عاقل ماكنتش هبقى خيري شلبي، أنا ابن الخيال الشعبي والسير والملاحم والفلكلور، مولع بالتفاصيل المحشودة في أبنية ذات شعب موصولة بالمسكوت عنه من الواقع الإنساني المؤلم والساحر في آن، فأنا ابن الفلكلور المصري الذي رسخ في وعي طفولتي المبكرة، إن لي أختًا تحت الأرض يجب أن أحنو عليها وأن أترك لها لقمة تقع من يدي، إن كل ما كتبته من قصص وروايات أنا في الواقع أغوص فيها علي صعيد الوقائع الحياتية، وأكاد أزعم بالفعل أن كل ما كتبته من رواية أو حتى أقصوصة من نصف صفحة كان تجربة فنية نابعة من تجربة حياتية".

خيري شلبي: كل ما كتبته من رواية أو حتى أقصوصة من نصف صفحة كان تجربة فنية نابعة من تجربة حياتية

كلمات رسم بها خيري شلبي (1938-2011) بورتريهًا عن نفسه بعبقريته المعهودة الممتزجة بريشة فنان مولع بالتفاصيل الدقيقة، ولغة شاعر عذب الكلمات صادق المعاني، وبها وضع لنا الخطوط العريضة التي يجب أن نلتزم بها عند الكتابة عنه، والتي ترتقي بدورها من مجرد خطوط يمكن أن تعبث بها الأقلام وتسيطر عليها الأهواء الشخصية والخلجات النفسية إلى حدود، مجرد أن يفكر الإنسان بمخالفتها حتى يحيد ويشرد عن فكرته، وخيري شلبي هنا وضع أيدينا على ملامح شخصيته الفريدة كأنه يقول لنا بلسان حال واحد من المهمشين البسطاء الذين كان يكتب عنهم: "إذا رأيتم ضرورة في الكتابة عني بعد مماتي، فهاتيك ملامح شخصيتي، تستطيعوا أن تضيفوا إلى جوار تلك الكلمات، هكذا كان خيري شلبي ابنًا بارًّا للسير والملاحم والفلكلور والخيال النشط بغير حدود".

اقرأ/ي أيضًا: جبران خليل جبران.. حادي الأرواح المتمردة

المطلوب منا الآن أن نقتحم هذا العالم ذا البرج الشاهق، ونخطو على سلمات مليئة بالتفاصيل والحكايات لا يزال أثر الحبر عالقًا بها ولم يجف بعد، نصعد ونقف في علو كي نخطط للكتابة عنه ليتكشف لنا ما هو مخفي في الأرض، والكتابة عن "خيري شلبي" لا يمكن التعامل معها إلا بتلك الطريقة، إذ إننا مطالبون بكتابة مختصرة عن ما يربو على السبعين عامًا وأقل منها بقليل أعمالًا ما بين القصة والرواية، وحتى نتخفف قليلًا من هذا العبء الثقيل ونستفيد من زبالة الضوء المتبقي، علينا أن نلتزم نصيحته عندما قال: "أسلم طريقة لاستدراجك للحكي عن نفسك، وعن أصلك وفصلك، هو أن أبدأ فأحكي مقتطفات من حياتي"، وهكذا أنار لنا خيري شلبي دهليزه بالكامل وتركنا في ساحة عالمه البسيط بين الأوباش والمهمشين والصعاليك، وبدون الجلوس بينهم على فرشتهم لن نتمكن من سبر أغوار تلك الشخصية التي رأت فيهم أنهم على بساطتهم أعظم من خطا على الأرض، ليصبحوا فيما بعد مادة خصبة لكتاباته.

مندرة البيت هي المبتدأ والخبر

المندرة التي كانت تتصدر بيت "خيري شلبي" كانت أشبه بصالون ثقافي يضم ذوي الرأي والمشورة من أهالي البلدة، ولا بأس ببعض أهل الله الذين كانوا يتوافدون عليها عسى أن تصيبهم نفحة من كوب شاي، والكل في تلك المندرة يدلي بدلوه في القضايا التي تطفح بها الساحة السياسية آنذاك، يدير هذا النقاش والد "خيري شلبي" بصفته صاحب المندرة ومما زاد أحقيته أيضًا تلك الخلفية القانونية والثقافية التي كان يتمتع بها، فقد كان شاعرًا فحلًا وسياسيًا فاشلًا كما وصفه ابنه، وكان من مؤسسي حزب الوفد، كل هذا أضفى على شخصيته نوعًا من الهيبة والثقل بين أفراد قريته، كما أضافت لابنه الصغير الذي كان يجلس إلى جوار الباب يتنصت لحديث السادة، تاركًا لأذنه الفرصة أن تتجول بين الكراسي وتنقل له كل ما يدور بالداخل، فإذا بتلك المعلومات تتراكم بداخله ويزيدها الكبر والتجربة نضجًا ووضوحًا.

وجد خيري شلبي نفسه نفرًا من عمال التراحيل الذين يجوبون الحقول، ويعملون من طلوع الشمس إلى غروبها 

على حد وصفه فإن أوضح هاتيك الأيام هي أيام فترة التكوين، وأعلى ما فيها سحر النداهة عندما طلعت له من بين صفحات الكتب، حينها بدأ يتعرف على تلال الكتب ذات الورق الأصفر التي يفيض بها البيت، بداية من شباك المندرة المليء بكتب السير الشعبية، والتي كانت متاعًا لرواد المندرة من أصدقاء أبيه يتولى أحدهم القراءة بصوت عالٍ والكل يستمع إليه في شغف، كأن سحرًا جاذبًا يبث فيها الحماسة والبهجة والحيوية، مرورًا بالشباك الغائص في الحائط والذي يحوي كتب والده من الشوقيات ودواوين المتنبي وابن الفارض وبعض الكتب في السياسة والقانون، بالإضافة إلى المكتبة السامقة التي كانت لابن عمه الحاصل على شهادة العالمية، حيث كانت تشغل حجرة بأكملها ملأى بالدواليب ذات الأبواب الزجاجية.

اقرأ/ي أيضًا: توفيق الحكيم.. عصفور على خشبة المسرح (1- 2)

في عربات عمّال التراحيل والمهمشين

رغم المكانة التي تمتع بها والده، وعلى الرغم من جلسات المندرة التي كان يترأسها كما لو كان رئيسًا لحزب الوفد وليس عضوًا فيه، إلا أن ذلك لم يغنِ عنه شيئًا، ولم يرفع عنه غائلة الفقر عندما أدار الزمن وجهه عنه، ولقي الصبي الصغير هو الآخر عواقب هذا الانقلاب الذي عصف بوالده.

وجد خيري نفسه نفرًا من عمال التراحيل الذين يجوبون الحقول والوسايا، يعملون من طلوع الشمس إلى غروبها منطلقًا من تلك القاعدة التي قالها يومًا في ثنايا صفحات ثلاثية "الأمالي": "كل شيء في الدنيا قد يتضح أنه عيب إلا الشغل عداه العيب وسافر، اشتغل تذوب في حنكك مرارة الملح وتجد نفسك في نهر الحياة مرتويًا بالعزة والكرامة والمهابة".

فكان يعمل في إجازته ويدخر ما يعمل به كي يصرف منه على نفسه أثناء الدراسة، ولم يتوقف عطاء الزمن الذي كشر عن أنيابه لوالده وبسطه لابنه، فطبعت تلك التجربة الشاقة على قلبه الغض لمسة من جمال ممتزج بعرقه المنسكب بين حقول الوسايا، فانعكست على صفحات كتبه مثل "الأوباش" و"السنيورة" اللذَين تحدث فيهما عن عادات ومعاناة عمال التراحيل والظلم الذي يتعرضون له من قِبل كل من يعملون في الوسية بداية من "خولي الأنفار"، الذي لا تكف خيزرانته عن إلهاب ظهور العمال كبارهم وصغارهم إلى "الباشا" الجشع صاحب الوسية الذي لا يكف لسانه عن الأمر والنهي والزجر.

وعن تلك التجربة يعلق: "ما إن التحقت بعمال التراحيل حتى بدأت بطولة أبي تتراجع أمام بطولات خارقة لرجال أشد منه بأسًا ونساء يتركن عيالهن في القرية ويسرحن في الحقول، وهكذا سيطرت عليّ شخصيات عمال التراحيل".

خيري شلبي: كل شيء في الدنيا قد يتضح أنه عيب إلا الشغل عداه العيب وسافر

اقرأ/ي أيضًا: أسواق الكتب القديمة.. حياة في مكان آخر

العفريت الذي هبّ من القمقم

بكثرة التردد على المندرة والغرفة المتاخمة لها التي تعج بصنوف الكتب، وإدمان السير والملاحم التي تملأ صفحات الورق الأصفر المهترئ، مع الخبرة الممتزجة بمعاناة عمال التراحيل، تكونت في عقليته الصغيرة حكاوي وأفكار رآها تصلح أن تكتب قصص، وربما ظن ساعتها أنها قد تضاهي تلك التي يكتبها "المنفلوطي" و"يحيي حقي" و"توفيق الحكيم"، فطلعت عليه "النداهة" التي تستحثه على الكتابة كما لو كانت عفريتًا هبّ من قمقمه مصحوبًا بعاصفة من الدخان يطوع نفسه في خدمته، فسرعان ما استجاب الطفل لندائه، فانبثقت العشرات من العفاريت التي أتت هي الأخرى كي تكون رهن الإشارة، فكان في كل حكاية يحكيها ينتقل منها إلى غيرها مفعمًا بشعور من الشجاعة والإثارة.

وسرعان ما انتقلت تلك الرغبة الجامحة معه إلى "دمنهور" حين التحق بمدرسة إعداد المعلمين، فوجد عفريت القمقم يلح عليه أن يخطو تلك الخطوة، ويحاكي الكتاب الكبار الذين يقرأ عنهم، واستجاب لإلحاحه هذه المرة فكتب كتابه الأول، وأخذ ينشره بين الطلاب والأساتذة حتى صار موضع اهتمامهم جميعًا.

اقرأ/ي أيضًا:

الطنطورية باكية في ذكرى ميلاد السيدة

القارئ في اللانهاية