خيانة واحدة فقط

خيانة واحدة فقط

لوحة لـ غيرهارد ريختر/ ألمانيا

في زمنٍ لم يُخبرنا عنه أحد، ولم تصلنا من تفاصيله سوى ما نفذَ من أيدي الرقباء، وحرّاس الإرث، في ليالٍ متقطعة من ذاك الزمن، خُلقت هذه الأحداث.

صفحات كثيرة راحت ضحية هذا الخيال، خيالُ من اعتقد أنه رأى ما لم يره أحد، فغمسَ رأسَ قلمه بحبرٍ كان قد صنعه من دمِ ثورٍ ممزوج بلعاب غُراب والقليل من زيتِ الجوز، حبر أحمر ينضجُ ببطء الوقت حين تريده أن يمضي، وإن سالَ منه جزء على الصفحةِ التالية، سيُكملُ وحده تفاصيل ما سيجري.

لم نسمع عن شجرةٍ تشتكي من ثِقلِ الطيور التي تسكنُ أغصانها، ولم نلاحظ عذاب الرمل حينَ يحفرُ فيه الخُلد نفقًا، ولا الهواءُ اشتكى الحيزَ الذي اتخذه العنكبوتُ ليبنى من خيوطٍ شفّافة له ملجأً.

والبحر، لم تُغضبهُ كل تلك الكائنات التي تشرب من بطنه كل هذا الماء.

فقط، حينَ قررَ البشر أنهم يستحقّون العيش دونَ غيرهم، سمعنا أنينَ الأرض.

في تفاصيلِ الأسطورة التي وصلنا منها القليل، كنّا أقليّة حُكِمَ عليها العيش على السَّطر الذي يُكتب، خُلقت أسماؤنا من صوتِ ارتطام الأشياءِ بالأشياء من ارتفاعاتٍ متفاوتة، ومن عبثٍ متباين هبطَ من سماءٍ تلهو وتراقبنا.

في فِهرس النسخة الأصلية كان الترتيبُ مختلف عن الذي نعرفه، فالحياةُ فيه لم تبدأ بطفلين، بل بدأت ببالغٍ ضَجِرَ وحدتهُ فصارَ يبحثُ عن مُتَعٍ جديدة ليستكشفها، وحينَ التقى بجديد، كانَ مُختلفًا عنه، ولم يصلنا أيَّ شيء عن الوقت الذي استغرقاه لتقبّل الآخر.. المُختلِف.

- كيف ستكونُ الحياة لو لم يتقبّلَ أحدهما الآخر في ذلك المشهد.. يتساءل أحدهم –

واذا كانَ الذينَ بدأوا كل هذا، لم يعيشوا تجربةَ الحبو والحاجة لمن يهدهدَ عنهم آلامَ المغص في الليل، فلماذا أُضيفت لنا في الفصولِ اللاحقة؟

كيفَ يُطلبُ من اللاحقين أن يفعلوا ما لم يفعلهُ السابقون؟

كانت الفكرة الأولى أن تُكتَب الحكاية كاملة، وأن تتركَ الحبكة فيها إلى النهاية، وكانت أيضًا ستذكرُ شيئًا عن تبادلُ الأدوارِ بينَ البشر والشجر، وتفاصيلَ أخرى كثيرة.

ولربما كانت ستحتوي على دليلٍ شاملٍ لمنع كل الحروب التي حدثت، وستحدث.

لكنه فصلٌ واحدٌ فقط الذي كُتب على مهل، وما تلاه كان عبارةً عن لطخاتِ حبر تداخلت فيها الأسماء والكلمات، وصفحات أخرى مزّقها الملوك والرؤساء والثوارُ والأنبياء ومدّعو الألوهية، ليحاولوا إعادة كتابتهِ من جديد كيفما شاؤوا.

*

 

حين غادرَ القمر سماء تلك الليلة، كان الراوي يبكي في سجنه على كتابه الذي لم يكتمل خوفَ أن يقرأه العامّة، فيُحدثُ أمر. بكى وحيدًا على أشخاصٍ كانت حياتهم ستكونُ أفضلُ من الحقيقة، وبلادٌ لن تُحتل، وأسرى لن يقتلوا وسجونٌ لن تُبنى، وأطفالٌ كُثر لن يولدوا نتيجةَ خطأ تافهٍ في الحسابات.

خُطفَ الرواي، وصارَ علينا أن نحيا قصةً لم تكن لنا، ولا هامش فيها يشرح ما استعصى من أيام، تُركنا تحت السَّطر ومُنعنا من الصعودِ إليه كي لا نرى ما سيأتي.

لو تُركَت تصاريفُ الحياة للطبيعة وحدها لعرف العالم طعمَ السلمِ أكثر، ولكانت الأرض أكثر تقبلًا لوجودنا، لكنّنا، وبطبيعتنا، لا نتركُ نملةً تسيرُ كما تُريد، فنتدخل بكلِّ وقاحةٍ لنقطعَ عنها ما تركهُ من سبقها من علاماتٍ لتضيع، ونضحكُ فخورين بأننا قررنا عنها مصيرها إشباعًا لغريزةٍ بشعة...تملؤنا.

*

 

من تلكَ الزنزانة الصغيرة بدأت الحكاية، وتُركنا لسجّانين كُثر ليقرروا عنّا ما نُريد، وحينَ اتّفقنا أن نُنقذَ الراوي ليُكمل حكايتنا، وشى بنا الآخرين، وها نحنُ، يوميًّا، نُقاومُ كل أسباب الموت، مُنتظرينَ خيانةً جديدة توفرُ لنا إبرةً واحدة، لنبدأ بهدم هذه الحجارة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

خريف مرتبك

حلم أبيض