"خيانة التيكي تاكا".. كيف أنقذ أطفال الشوارع المنتخب الإسباني من فخ الاستحواذ السلبي؟
15 يوليو 2026
ظهرت الملاعب الخرسانية في إسبانيا كنتيجة للتوسع العمراني العشوائي في الستينيات، وذلك لاستيعاب موجات الهجرة الداخلية والخارجية للطبقات العاملة، بعدما تخلى نظام فرانكو عن سياسة الاكتفاء الذاتي وفتح الاقتصاد للسوق الحر عبر خطة الاستقرار لعام 1959، وقاد هذه الخطة وزراء تكنوقراط ركزوا على ضبط السياحة والتطوير العقاري كأدوات لشرعية النظام السياسي، دون الاهتمام بالتخطيط الاجتماعي أو البيئي.
وبالتالي شهدت فترة الستينيات نزوحًا جماعيًا هائلًا من الريف الإسباني، خاصة من مناطق الجنوب مثل الأندلس وإكستريمادورا، نحو المدن الصناعية الكبرى مثل مدريد وبرشلونة وبلباو بحثًا عن فرص العمل، الأزمة هنا أن ذلك التطوير من أجل خدمة المواطنين، بل على العكس من ذلك، خاصة بعدما حظر نظام فرانكو الأحزاب السياسية ونقابات العمال، ولذلك، لم تجد السلطة أي وسيلة لتوفير سكن رخيص للعمال تجنبًا للاضطرابات السياسية إلا التوسع العمراني السريع.
قطف المنتخب الإسباني ثمار بيئته، حيث اعتمدت صناعة المواهب في إسبانيا على الساحات والأرصفة الخرسانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها
ومع ضيق الشقق السكنية واكتظاظ الأحياء بالقادمين من كل فج عميق، تحولت الساحات الضيقة على أطراف الأحياء إلى المكان الوحيد المتاح للترفيه عن الأطفال، والأسر الفقيرة، وقد أراد النظام لها ذلك أيضا، لأنها يسهل السيطرة عليها، مجرد مراقد ضيقة تمنع العمال من التجمهر.
لكن لأن الرياح تأتي أحيانا بما لا تشتهيه سفن فرانكو، كانت نفس هذه الأحياء الخرسانية الضيقة، وملاعبها البسيطة، سببا مباشرًا في تغلغل النفس اليساري والثوري، بعدما تحولت في أواخر الستينيات والسبعينيات إلى بؤرة للمقاومة، وأولى مظاهر المقاومة هي الاستمتاع، وأبرز مظاهر المقاومة غير السياسية هي كرة القدم، فكيف أنقذت تلك المساحات الاسمنتية كرة القدم في إسبانيا، وكيف تجلى تأثيرها في كأس العالم 2026؟
انتفاضة روكافوندا
في مقاله "Where Football Comes From in Spain: Catalan Streets, Basque Grit and the Culture That Built a World Champion"، يرى الكاتب مارك كينيانجوي أن المنتخب الإسباني قطف ثمار هذه البيئة بشكل مباشر، حيث اعتمدت صناعة المواهب في إسبانيا على الساحات والأرصفة الخرسانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها، وهو ما وفر للمنتخب الإسباني لاعبين ذوي قدرة على التحرك واللعب وسط أضيق المساحات، وهو ما يسبب حالة من النشوة لدى المشجعين.
حين سجل محمد صلاح هدفه الشهير أمام مانشستر سيتي عام 2022 بعد مراوغة برناردو سيلفا وايميرك لابورت، أكد محمد أبو تريكة أن صلاح مازحه بعد نهاية اللقاء قائلًا أن بيرناردو سيلفا لم يستطع التعامل مع الترقيصة لأنه لم يلعب خماسي من قبل، هذا هو الفيصل وأصل الحرفنة، اللعب في الشارع، في مساحة ضيقة، وعلى أرض صلبة يعرفها كل من سُلخت قدمه فور الوقوع عليها، حيث يحتاج اللاعب أن يكون قويا، وسريعا، وذكيا، وسريع البديهة لمجاراة من هم أكبر منه سنا.
وأحد أبرز تلك الأحياء المعبرة عن الحالة العامة في المنتخب الإسباني، هو حي روكافوندا، الذي خرج منه لامين يامال، وهو حي عمالي متواضع يقع في مدينة ماتارو بمقاطعة برشلونة التابعة لإقليم كتالونيا، تأسس الحي في ستينيات القرن العشرين لاستيعاب موجات الهجرة الداخلية، ثم تحول مع الوقت إلى حي متعدد الثقافات يضم نسبة عالية من المهاجرين، لا سيما من شمال إفريقيا، خاصة دول المغرب العربي، وأميركا اللاتينية.
ويُعد هذا الحي اليوم من مفاخر كرة القدم الإسبانية، رغم أن نحو نصف سكانه يعيشون تحت خط الفقر، وذلك بفضل الطبيعة الديموغرافية والاجتماعية التي جعلت منه أرضًا خصبة للمواهب التي غير المقيدة بقيود الاكاديميات، وقد استفاد المنتخب الإسباني كثيرًا من هذا التناغم، واستطاع توجيه المنظومة نحو تلك الأحياء، مما اكسب الجيل الجديد قدرة لا مثيل لها على المسح البصري والاحتفاظ بالكرة في أضيق المساحات، والارتجال، الذي هو رديف المهارة، بدلًا من الاستسلام للرقابة الدفاعية، وتمرير الكرة بشكل سلبي.
بئر الخيانة
لطالما عرفت إسبانيا بطريقة اللعب "تيكي تاكا"، ورغم أن بيب جوارديولا نفسه لا يحب هذا اللفظ، لأنه يُسفه من طريقة اللعب، ويفضل عليه لقب "الكرة الشاملة"، إلا أن اللفظ الأول انتشر كالنار في الهشيم، بعدما فاز المنتخب الإسباني بكأس العالم 2010 باعتماده على طريقة لعب تعتمد على التمرير القصير، والاستحواذ، والتحرك ككتلة واحدة، إلا أن بدأ العالم في التفكير في طريقة ناجعة لإيقاف هذا الأسلوب، وظهر ترند الضغط العكسي العنيف تحت قيادة مدربين مثل يورجن كلوب.
وبالتالي تحول الاستحواذ الاسباني منذ عام 2014 إلى استحواذ سلبي عقيم وبلا هدف حقيقي، ما جعل المنتخب الإسباني عرضة للإقصاء أمام التكتلات الدفاعية، وفرض على الجميع ضرورة الوصول إلى حل وسط، بالتخلي الجزئي عن عقيدة التمرير القصير واللجوء لأسلوب مباشر يعتمد على اللعب العمودي السريع، وهو ما تجلى في المونديال الحالي، بفضل خريجي كرة الشوارع والأحياء الفقيرة المعدمة.
بحسب ما ذكره الصحفي البريطاني كريس ويلسون، فإن مدرب المنتخب الإسباني لويس دي لا فوينتي لم يخن إرث لاروخا التكتيكي لاعتماده على اللعب المباشر بعض فترات المباراة، وفي بعض الحالات التكتيكية مطلقا، بل على العكس من ذلك، لقد أعاد إحياء أسلوب اللعب الطريقة بشكل مختلف، وقدم حلًا تكتيكيًا يعتمد براغماتيا بعض الشيء، يعزل لاعبي الأطراف، ويجبر لاعبي الخصم على مواجهة موقف واحد ضد واحد مع حريفة الفريق ولاعبو الشوارع مثل لامين يامال ونيكو ويليامز.
كما أكد مايكل كوكس، الكاتب والمحلل الرياضي، أن اللاعب بمجرد امتلاكه للكرة في الثلث الأخير يواجه ثلاثة خيارات أساسية، التمرير، أو التسديد، أو المراوغة، وطبقا للمعطيات، فلجوء إسبانيا لخيار المراوغات كان بمثابة آلية جديدة وغريزة حتمية للبقاء وفك طلاسم الدفاع المتوسط والمنخفض، ولا أحد قادر على اللعب بهذه السلاسة، إلا القادمين من أحياء الطبقة العاملة والمهمشة، الفقراء الذين تجبرهم الظروف على أن يصبحوا حريفة.
الجيد حقا، أن هذا التحول قد انعكس بشكل مباشر على بيئة المنتخب الإسباني، إذ لعب دورًا حاسمًا في توحيد أمة تعاني تاريخيًا من انقسامات إقليمية حادة بين مناطق مثل كتالونيا والباسك وقشتالة، ليصبح المنتخب ملاذًا يوحد الجماهير خلف لاعبين من أصول مهاجرة يمثلون وجه إسبانيا الحديثة في القرن الحادي والعشرين.
هذا الاندماج لم يكسر التنميط الثقافي فحسب، بل جعل تألق يامال وويليامز بالقميص الإسباني بمثابة رد عملي يناهض خطابات اليمين المتطرف، محولًا الأحياء المهمشة إلى رمز وطني ومبعوث افتخار للجميع، ولكن هنا السؤال: لماذا أصبح لاعبو الشارع هم أجدر من يحمل الراية ويقود التغيير؟ وكيف يصنع النجم من الشارع؟
صناعة النجم
بحسب ما ذكره الباحث جان كوتيه في دراسة بعنوان From play to practice: “A developmental framework for the acquisition of expertise in team sport"، فإن سبب ضعف المواهب والجمود الفني لدى بعض اللاعبين يأتي من تقييد الذهن بأسلوب واحد، والإفراط في التدريب لدى الأكاديميات، موضحًا أن انخراط الطفل في اللعب بشكل غير منظم، يستطيع فيه اتخاذ القرار والتصرف بسحب ما يرى هو شخصيًا، لا المدرب، يساهم في بناء مهارات عديدة منها القدرة على اتخاذ القرار بعفوية واستقلالية، والارتجال، والمخاطرة، ثم تحمل مسؤولية تلك المخاطرة حتى لو أدت إلى الخسارة، كل ذلك سيسهم في بناء شخصيته داخل الملعب.
وتلك الحرية تمنعه من أن يكون مُعلبا، يستطيع تمرير الكرة بحذر الي أقرب مدافع، ويستطيع الإلتزام بتعاليم المدرب كما أنزلت، ولكنه لا يستطيع خطف قلب الجمهور، ولا يستطيع المدرب الاعتماد عليه في المواقف الصعبة، نظرا لأنه لم يأخذ حقه في الحياة واللعب دون قيود، وهو ما أكدت عليه دراسة نشرها الباحثين إدوارد ديسي وريتشارد رايان عرفت باسم "نظرية تقرير المصير".
لابد للطفل أن يتبع حدسه، وأن يبادر، وأن يلعب من أجل المتعة، ودون تعليمات فترة من الزمن، أما التفاصيل التقنية فيمكن أن يتعلمها في مرحلة تالية، وبشكل يدمجها مع شخصيته التي كونها فعلًا، دون أن تلغى هذه الشخصية، حتى لا يتحول إلى مسخ غير قادر على التعبير عن نفسه بشكل جيد.
إذن، أين سيتعلم اللاعب كل ذلك؟ في الشارع، في الأحياء الفقيرة، في الأزقة الضيقة، في المكان الذي تخرج منه لامين يامال، تلك الأحياء التي تثبت للعالم بأسره كل يوم أن الحياة أوسع من أن تخنقها حارة ضيقة، فربما تكون تلك الحارة، هي السبيل الوحيد للفوز بكأس العالم، بعد نصف النهائي المثير الذي فاز به الماتادور على أبرز المرشحين لنيل اللقب.