خوفًا من عام دموي جديد.. منظمات دولية تستهل 2019 بإدانة حلف الرياض-أبوظبي

خوفًا من عام دموي جديد.. منظمات دولية تستهل 2019 بإدانة حلف الرياض-أبوظبي

حمل عام 2018 عداء بالغًا للحريات في دول مثل السعودية والإمارات (رويترز)

مع بداية العام الجديد، يواجه الحلف السعودي الإماراتي في المنطقة، العديد من الانتقادات والضغوط الدولية. بيانات وإدانات عبر منظمات أممية كـ"مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان"، إضافة إلى العديد من المنظمات الدولية الأخرى، التي دعت جميعها في بيانات منفصلة كلًا من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، إلى التوقف عما أسمته انتهاكات حقوقية متصاعدة في هذه الدول، وطالبت بإطلاق سراح نشطاء وحقوقيين معتقلين جرت محاكمة بعضهم في ظروف غير عادلة، ومن خلال مؤسسات قضائية غير مستقلة.

نالت السعودية خلال العام الماضي العديد من الانتقادات بسبب سلوكها المثير للجدل في عدة ملفات، بدءًا من طريقة التعامل مع الأصوات المعارضة وصولًا إلى قمع الحقوقيين

السعودية.. نصيب الأسد

نالت السعودية خلال العام الماضي العديد من الانتقادات بسبب سلوكها المثير للجدل في عدة ملفات، بدءًا من طريقة التعامل مع الأصوات المعارضة والناشطين الحقوقيين، التي وصلت إلى حد اغتيال الصحافي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وصولًا إلى ملفات عديدة متعلقة بالحريات والحروب والتدخل في شؤون الدول الأخرى. حيث أضحت الرياض محط أنظار العالم كعاصمة يديرها متهور، هو ولي العهد محمد بن سلمان.

اعتبر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في 4 كانون الثاني/يناير الجاري أن إجراءات محاكمة المتهمين في مقتل الصحافي جمال خاشقجي، لا تفي بمقتضيات التحقيق المستقل، وتم دون مشاركة دولية، وفقًا لعدة طلبات سابقة من المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت.

بينما طالبت رافينا شامداساني، المتحدثة باسم مكتب حقوق الإنسان، خلال تصريحات صحفية في 4 كانون الثاني/يناير الجاري بإجراء تحقيق مستقل بمشاركة دولية، وتابعت أنه "إذا لم نكن حاضرين في السعودية، فلا يمكننا تقييم مصداقية المحاكمة". ووفقًا لتصريحات نشرها الموقع الرسمي للأمم المتحدة، أكدت شامداساني اعتراض مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بشكل دائم على عقوبة الإعدام، التي طالبت بها جهات التحقيق في السعودية.

في حين توالت انتقادات المحاكمة دون إشراف دولي. حيث جدد فرحان حق المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، "نداءنا من أجل إجراء تحقيق شامل وواضح و شفاف. نتابع التطورات الأخيرة و لم نغير من مطالباتنا". وكانت النيابة العامة السعودية، طالبت في أولى جلسات المحاكمة في 3 كانون الثاني/يناير بتنفيذ الإعدام بحق 5 موقوفين من إجمالي 11 متهمًا، في قضية اغتيال خاشقجي، فيما يبدو أن تداعيات القضية ستستمر لفترات طويلة، من دون أن تتوقف الإدانات الدولية، ما يجعل إدارة ابن سلمان تواصل تخبطها.

دفع هذا الضغط المتزايد مسؤولين سعوديين إلى مطالبة شبكة وموقع نيتفليكس الشهير، مثلًا، بحجب حلقة من البرنامج الكوميدي الساخر "ذا باتريوت"، الذي يقدمه الممثل الأمريكي حسن منهاج، بعد أن انتقد سلطات البلاد وتعاملها مع قضية مقتل خاشقجي. وادعى بعض المسؤولين السعوديين انتهاك الحلقة لقوانين الجرائم الإلكترونية، مما دفع الموقع الشهير لحجبها عن السعودية.

اقرأ/ي أيضًا:  بعد تهديدات سعودية.. نتفليكس تحذف إحدى حلقات الكوميديان حسن منهاج

وهو ما اعتبرته منظمة العفو الدولية انتهاكًا لحرية التعبير، إذ أصدرت المنظمة في 2 كانون الثاني/يناير الجاري بيانًا تنتقد فيه قيام شبكة نتفليكس، بحجب حلقة من البرنامج الذي أدان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بشكل ساخر، وقالت سماح حديد، مديرة الحملات المعنية بالشرق الأوسط في المنظمة الدولية، "إن فرض السعودية الرقابة على نتفليكس باستخدام قانون جرائم الإنترنت ليس مفاجأة، وهو دليل آخر على حملة قمع متواصلة على حرية التعبير في المملكة"، وتابعت أنه "منذ وصول ولي العهد محمد بن سلمان إلى السلطة، يتعرض العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والنقاد، للاعتقال التعسفي، أو حُكم عليهم ظلمًا بالسجن لمدد طويلة لمجرد ممارستهم لحقهم في حرية التعبير".

كما أكدت حديد على أن استخدام قوانين مكافحة جرائم الإنترنت لإسكات أصوات المعارضين، يخلق بيئة من الخوف لأولئك الذين يتجرؤون على رفع أصواتهم في السعودية. من جانبها، أصدرت شبكة نيتفليكس بيانًا أكدت خلاله على دعم الحرية الفنية في جميع أنحاء العالم، مشيرة إلى أن قرار الحجب جاء فقط في المملكة العربية السعودية بعد تلقي الموقع طلبًا صالحًا قانونيًا، مؤكدة أنها تمتثل للقانون المحلي.

نشطاء التواصل الاجتماعي

ارتبطت معظم الانتقادات الموجهة لكل من الإمارات والبحرين ومصر، خلال الأيام الأولى من العام الجديد، باعتقال النشطاء والحقوقيين.

 كانت الإمارات في المقدمة بعد الإعلان عن تأييد حكم بحبس الناشط السياسي البارز أحمد منصور يوم 31 كانون الأول/ديسمبر 2018، لمدة 10 سنوات على خلفية انتقاده السلطات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقالت منظمة العفو الدولية إن الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا نهائي ولا يمكن استئنافه، ويأتي حكم التأييد في أعقاب حكم ابتدائي صدر في 31 أيار/مايو 2018، بحبس الناشط المعروف بالسجن عشر سنوات وغرامة قدرها مليون درهم إماراتي. ووُجهت إلى منصور عدة تهم من بينها الإساءة إلى هيبة ومكانة الدولة وإلى دول شقيقة، علمًا أنه قد نال البراءة في تهمة التعاون مع منظمة إرهابية.

في هذا السياق، طالب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الجمعة الماضية بضرورة إطلاق سراح الناشط أحمد منصور، وصرحت رافينا شامداساني المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان للصحفيين: "نخشى أن تكون لإدانة منصور والحكم القاسي الذي صدر عليه صلة بممارسته لحقه في حرية الرأي والتعبير"، وتابعت: "نحث حكومة الإمارات العربية المتحدة على الإفراج الفوري وغير المشروط عن منصور وضمان عدم معاقبة أفراد على التعبير عن وجهات نظر منتقدة للحكومة أو حلفائها"، فيما قالت مشيرة إلى الانتهاكات المستمرة من جانب الإمارات مع النشطاء: "من المؤكد أن هذه ليست حالة وحيدة في الإمارات".

ويُعد أحمد منصور من أبرز النشطاء الحقوقيين في الإمارات، ويتمتع بعلاقات دولية كبيرة مع منظمات حقوقية دولية، إذ مُنح في 2015 جائزة مارتان اينال المخصصة للناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، والتي تحمل اسم الأمين العام السابق لمنظمة العفو الدولية، غير أن السلطات في الإمارات رفضت سفره وسحبت منه جواز السفر. وقد سبق وأن تم اعتقاله عدة مرات، من أبرزها عام 2011، إذ حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بعد إدانته بسب السلطات، إلا أنه حصل على عفو من الشيخ خليفة ابن زايد آل نهيان، وأطلق سراحه بعد ثمانية أشهر، بينما اُعتقل في آذار/مارس 2017 في القضية التي صدر فيها الحكم 10 سنوات منذ أيام.

حسب منظمة هيومن رايتس ووتش فإن الإمارات لها سجل حافل بالانتهاكات الحقوقية للعديد من النشطاء، جميعهم كانت لهم آراء معارضة دونت على مواقع التواصل الاجتماعي. من أبرز هؤلاء الصحافي الأردني تيسير النجار، ومحمد المنصوري، وأحمد منصور وناصر بن غيث، وجميعهم حكم عليه وفقًا لقانون الجرائم الالكترونية.

من جهتها، تواجه البحرين عاصفة من الانتقادات الدولية عقب تأييد المحكمة العليا - محكمة النقض- في المنامة يوم 31 كانون الأول/ديسمبر الماضي حكمًا بالسجن 5 سنوات على الناشط المعروف نبيل رجب، ليكون الحكم الثاني للناشط الذي صدر ضده في 15 كانون الثاني/يناير 2018، حكم آخر بالحبس عامين. واتهم رجب بـ"نشر شائعات كاذبة في وقت الحرب وإهانة السلطات العامة وإهانة دولة أجنبية"، عبر تغريدات على تويتر انتقد فيها التعذيب في سجون البحرين والانتهاكات ضد حقوق الإنسان في بلاده، كما وجه انتقادات للحرب التي تقودها السعودية والإمارات على اليمن.

بدأت الانتقادات الدولية بسبب الحكم على رجب من مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي دعا في 4 كانون الثاني/يناير الجاري البحرين إلى إطلاق سراح الناشط، معتبرًا تأييد الحكم استمرارًا لقمع منتقدي الحكومة. وقالت شامداساني، إن "قرار المحكمة يوم الإثنين، يلقي الضوء على استمرار قمع معارضي الحكومة في البحرين من خلال الاعتقال التعسفي وحظر السفر والمضايقات والتهديدات وسحب الجنسية وغيرها من الأساليب".

من جانبها قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن "إدانة نبيل رجب لأنه رفض التزام الصمت بشأن الانتهاكات الحكومية هو دليل آخر على تجاهل السلطات البحرينية الصارخ لحقوق الإنسان"، وأضافت: "اختارت البحرين أن تطبع العام الجديد بالاعتداءات على الحقوقيين وتقويض حرية التعبير. لكنها لا تستطيع منع الرأي العام من انتقاد انتهاكاتها من خلال سجن المعارضين. لن يتراجع الحقوقيون البحرينيون".

ونبيل رجب، ناشط حقوقي معروف في البحرين ويرأس مركز البحرين لحقوق الإنسان، ومركز الخليج لحقوق الإنسان، ونائب الأمين العام لـ "الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان"، وعضو اللجنة الاستشارية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، وكان له دور قيادي في الاحتجاجات التي حدثت عام 2011، واعتقل في 2 نيسان/أبريل 2015، بسبب تغريدات تحمل انتقادات للتعذيب في سجن جو في البحرين، لكن السلطات أطلقت سراحه في 13 تموز/يوليو 2015. لكنها أعادت اعتقاله في 13 حزيران/يونيو 2016، لانتقاده في مقابلات تلفزيونية رفض السلطات البحرينية السماح للصحفيين والمجموعات الحقوقية بدخول البلاد، وفي 29 أغسطس/آب الماضي، دعت 127 منظمة حقوقية، حكومة البحرين إلى إطلاق سراح رجب "على الفور"، فيما اعتبرت مجموعة عمل تابعة للأمم المتحدة أنّ احتجازه "تعسفي". وكانت مؤسسة سكاي لاين الحقوقية الدولية التي تتخذ من ستوكهولم مقرًا لها، قد رصدت نحو 86 انتهاكًا حقوقيًا في البحرين، خلال 2018؛ من بينها 21 حكمًا، و32 حالة تعرّض للتعذيب والتحقيق، و24 حالة اعتقال، و9 حالات إخفاء قسري، ومئات الاستدعاءات.

اقرأ/ي أيضًا:  "حبًا بالسمعة العالمية".. هكذا وقع السيسي في فخ 60 دقيقة

أما في مصر تعرض الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لحملة انتقادات واسعة، بعد تسريبات عن محاولة منع الحكومة المصرية بث مقابلة تلفزيونية أجراها السيسي مع برنامج 60 دقيقة، على قناة CBS الأمريكية، قال فيها إنه لا يوجد معتقلون سياسيون في مصر، فأصدرت منظمة العفو الدولية  بيانًا عبر تويتر، قالت فيه: "يدّعي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مقابلة مع قناة CBS أنه لا يوجد سجناء سياسيون في مصر. في الواقع، وصلت حملة القمع لحرية التعبير في مصر إلى أسوأ مستوياتها على الإطلاق خلال رئاسته".

ارتبط معظم الانتقادات الموجهة لكل من الإمارات والبحرين ومصر، خلال الأيام الأولى من العام الجديد، باعتقال النشطاء والحقوقيين

تأتي البيانات المتصاعدة في العام الجديد بعد عام سابق، مليء بالعديد من الانتهاكات التي تمكنت فيها الدول الأربع، من حجز مرتبة متقدمة بين الدول القمعية حول العالم، ووفقًا لبيانات صدرت عن منظمات دولية ولجان أممية، فقد تركز أغلبها حول تراجع مستمر ولكنه ملفت في 2018، شمل تجاوزات عدة نالت من حقوق الإنسان وطالت كذلك حرية الرأي والتعبير، واستهداف لعشرات الصحفيين والنشطاء، وامتدت أيضًا وصولًا إلى تجاوزات وانتهاكات أخرى خارج حدود الدول نفسها، مثل الحرب على اليمن، واستمرار حصار قطر.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هنا اليمن.. بلاد الله الضيقة

أبوظبي والرياض في اليمن..تغطية الفشل والصراع الخفي عبر اتهام الدوحة