خوزقة السيادة الوطنية وهدر حق تقرير المصير

خوزقة السيادة الوطنية وهدر حق تقرير المصير

شارع صلاح الدين في القدس، كانون الثاني/يناير 2018 (رويترز)

نظرة غير مكلفة نحو عموم الهلال الخصيب، خاصة هذه السنوات من عمره، كفيلة بإيجاز أسلم الدروب وأنجع المنهجيات نحو إجابة كيف تتلاشى السيادة الوطنية ويتبخر حق تقرير المصير بيد أصحابهما؟ دون أي مغالاة وطنية أو قومية.

إن لم تكن السيادة الوطنية وحق تقرير المصير دوافع مؤسسة للمواجهة التحررية ضد إسرائيل، فماذا يجب أن تعني كلمة "مقاومة"؟

 بينما يسير القرن 21 غير متمهل أبدًا، بصدد تدوير التناقضات وإعادة قولبة الصراعات والتستر بالقفزات العملاقة في حقل العلوم المجردة والتقانة الحيوية بتنويعاتها وصولًا للعلوم العسكرية ومنها الفضاء على جرائم كبرى بحجم تخريب الكوكب بحاله، يبدو أن الجغرافيا التي يمكن تسميتها المنطقة العربية على اختلاف تكويناتها الطبيعية متمهلة جدًا بشأن إعادة النظر، بل النظر أساسًا في مفاهيم وقواعد مؤسسة تتعلق بالاشتباك  مع والتواجد في العصر والكوكب معًا.

اقرأ/ي أيضًا: الحرب على "ملكية المقاومة" تشتعل مرة جديدة في تحالف 8 آذار

من المؤكد أن بالابتعاد عن حقل الممارسة وتفعيل الحق بالممارسة لن تعني أكثر من 5 قرون من عصرنة وتداول أحاديث السيادة الوطنية والسيادة على الأرض والموارد والحق في تقرير المصير بحرية وكرامة أي شيء. كما لن يستفاد من كون لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تمخضت سنة 1950 عبر القرار 421 بشأن كافة الطرق والوسائل الضامنة لحق الشعوب في تقرير مصيرها. أو القرار 545 لسنة 1952 المتخصص بتضمين العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقرة خاصة تكفل حق الشعوب في تقرير مصيرها. ولا حتى قرار 637 الصادر عن أعمال اللجنة نفسها لسنة 1952 الذي صار بموجبه حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطًا ضروريًا ومقياسًا مركزيًا لواقع الحقوق الأساسية جميعها لجماعة/شعب ما، بما في ذلك مغناة حقوق الإنسان كاملة.

هذا دون تكبد أعباء الخوض المطول في حيثيات قرارات اللجنة عينها برقم 2955 و3070 على مدار أكثر من عقد بين 1962 و1973 واتصال كل هذا، واستناده إلى معطى السيادة الوطنية. على عكس ما يروج له كثيرًا بصدد تصادم تقرير المصير والسيادة كأن من واجب الأمم أن تجتاز الاختبار بإحدى الإجابتين.

 إنما قد يسعف توخي التعاطي البروتوكولي القانوني مع حق تقرير المصير كقاعدة ومبدأ وشرط مؤسس أكثر منه حق قانوني مجرد ووجوب الحفاظ على هذا الحق واحترامه  من الكل تجاه الكل من أعضاء المنظمة الأممية في إطار فهم المهرجانات ممنهجة الفوضى القائمة في تياترو رقص أمراء الحرب أثناء أوبرا استغفال شعوب المنطقة العربية وجرها إلى خنادق المعازل والاصطفافات الإلهية/العضوية على اختلاف وجهاتها. وإن لم يكن بهذا السيف فبخنجر استدخال الصهيونية، لا إسرائيل فقط، وتطبيعهما رفقة نصل الإفقار والتجهيل وتجاوزهما إلى تعميم البهيمية والزبائنية على كل ما يتعلق بالوجود الإنساني، مضافًا إليها كل ما ذكر سابقًا.  

أثارت إسرائيل ومختلف ردود فعل الأطراف المتخبطة والشائنة في لا حقيقيتها على فعلات إسرائيل خلال الأيام الأخيرة، كما تفعل دائمًا، ضرورات سوق المثل وضرب الحجج بما يتجاوز النقد أو التفكيك للحالة العصابية الطائفية والقبلية رفقة حالة العته البطريركي المجوف والمرتهن خارجيًا التي ما زالت في مطلع عدواها واستفحالها عربيًا.

ربما من سوءة الأقدار ولؤم الصدف أن يحتاج من يعيش في المنطقة العربية لعربدة وإجرام إسرائيل، ومكملات هذه المسرحية وفيتاميناتها، كأحد الدروب لفهم أن لا حليف قائم على الأرض له ولحقوقه، أي لوجوده وحياته بالمجمل. لا حليف متوفر من كل الأوزان، دولة، نظام سياسي أو سلطة، حزب أو مشروع شعبي ولا حتى بينالي تنظير نشطاء ومثقفين. كما أن النفي لا يتوقف عند نفي مشروع التحرر، بل مشروع أو حتى نظام "دفاعي" من بين ما يصعب الحديث عنه لولا استثناءات ملحة الندرة.

يريد بنيامين نتنياهو أن يقول من وراء غزواته صوب بغداد ودمشق وبيروت وحتى غزة إلى جانب فتوحاته في الجبهة الإسرائيلية الداخلية أنه خيار إسرائيل القوي، الملك داوود المعاصر، الذي ليس من صالحها استبعاده أو التلويح بذللك. تمامًا كما يود القول لمراكز القوى الإمبراطورية أنه هو الخيار لها في إسرائيل، وأن إسرائيل ما زالت خيار هذه القوى وستبقى الأصلح لمصالحها.

تريد إسرائيل أن توفر لدونالد ترامب نصًا ساطع الوضوح يمكن الارتكان إليه عندما تتبادر شهوة العودة بإيران إلى ما قبل شباط/فبراير 1979 في الكابيتول هيل. في حين يريد ترامب نفسه أن يقدم إفادة لكل من يمكن أن تصله تتضمن ضرورة الاقتناع أن كل شيء ممكن وفي متناول اليد ليس مع هذه الإدارة فقط، بل مع أي إدارة أمريكية، وفق فهم ستيف بانون "للأمريكانية"، التي لا تختلف إلا بصراحتها عما تحمله نخب السلطة الأمريكية بكامل تلويناتها.

اقرأ/ي أيضًا: تقرير المصير وفنزويلا

لذلك كله تترك واشنطن الباب على هواه أمام تل أبيب للتحرش بإيران هنا وهناك، مع تجاوز سحق الفلسطينيين إلى إذلالهم وتذلل بعضهم بالمجان، دون ضرورة استراتيجية ملحة، لكن أيضًا دون أية أعباء، حتى دبلوماسية.

في عين الوقت، بلا تنظير فقهي، يفترض أن تهنئة نتنياهو وترامب أمست واجبة. ليس في باب مهاراتهما في المضمار، بل من نافذة سوء المضمار وملائمته لألعابهما المختلطة بين بعض الأولمبيات وبعض الشطرنج للمبتدئين.

لكن فعلًا، نتنياهو وإسرائيل بكامل منظومة أمنها وحربها أمام حالة هجينة من الارتباك والرعب وصولًا للتشكيك، الذي لم يعد كتمانه ممكنًا، في كثير من "أناجيل" الجيش القابل جدًا لأن يقهر. ليس في التقليل من حجم هذه الحالة إلا تعاطفًا مع أسطورة الجيش الذي لا يقهر مرده القصور الإرادوي لاستثمار أي ظرف ضد إسرائيل. بينما مرد هذه الحالة ليس بأطنان الصواريخ ولا الترسانات المحايثة لضرورات الحروب الكبرى، ولا في أي إزعاج لم يطل أجنحة سلاح الجو الإسرائيلي في سماء دمشق أو بغداد، للأسف والعار، بينما طالها في بيئات أفقر لوجستيًا حين توفرت إرادة لإظهار الندية مرة في الضاحية الجنوبية ومرات في الأرض المحتلة. ليبقى المبرر الحقيقي لتخوف إسرائيل في عبوة ناسفة أو حتى زجاجة حارقة وسكين، في كل إشارة تعيد التذكير ووجوب الاعتراف أن المقاومة شأن الشعوب، تمامًا كما حقها في تقرير مصيرها وأحقيتها في السيادة المادية والمعنوية بصرف النظر عن موقع من يحتكرون المقاومة أو يحتقرونها.

أما مع جولات التبرأة المجانية التي تطال إسرائيل من جرائمها. سواء بفضل رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي ومن يلائمهم هذا الإيقاع، أو مباريات "شخصنة" المواجهة مع إسرائيل، شأن أبو مهدي المهندس وكل الكمنجاتية المساعدين في فرقة ولاية الفقيه، أم عبر نشيد أنشاد أسطرة إسرائيل وسفر التسليم بقدرية قوتها المعتمد من جامعة الدول العربية والسلطة الفلسطينية وصولًا لرجال التنسيق الأمني عندما يصرحون من موقع رؤساء بلديات في الضفة الغربية المحتلة. هنا تتضاءل فرص أي حديث ناجع متعلق بالسيادة وتقرير المصير لصالح حضور أقرب كشك ورود في طريق تهنئة نتنياهو وترامب على كثافة الخصومة المدعاة والصداقات الدفينة والمشهرة عربيًا.   

 

اقرأ/ي أيضًا: 

القدس.. عاصمة المولوتوف العربي

أفول الإمبراطورية الممكن.. الاستثناء ليس أمريكيًا