"خور الجمال" لأحمد أبو خنيجر.. في البدء كانت الحيّة
28 أكتوبر 2025
في روايته "خور الجمال" (منشورات غايا)، يضعنا أحمد أبو خنيجر أمام هذه الحقيقة: "الحيَّة هي الأصل". يصدّر أحمد أبو خنيجر الفصل الأول من روايته الجديدة بعنوان فرعي "عن الرجال والحيَّة". وهو بذلك يحدّد لنا الجدلية التي يدور حولها الفصل الأول من الرواية – والرواية بكليتها في حقيقة الأمر –: جدلية الرجال (أو الانسان) والحية. ثم يأتي بمقتطف من الكتاب المقدس نصّه: "وكانت الحية أصل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله". ونستطيع منذ البداية أن نرى أن للحية دورًا مركزيًا في العمل. وتعكس الجملة الأولى في الرواية هذه المركزية التي يخصّ بها أبو خنيجر الحية: "حلقة من رجال. حلقة وسطها حية" (ص 7). وقد يري البعض أن الرواية رواية مكان وأن الخور هو البطل الفاعل فيها، إلا إنني أري أن الحية هي محور هذه الرواية ويأخذ الخور أهميته من كونه بيتها.
وجدلية الإنسان والحية قائمة على ميراث الخوف والبغض الذي يكنه الإنسان بشكل عام للحية. وتشي الفقرة الأولى من الرواية بهذا الموروث:
"حلقة من رجال، حلقة وسطها حية، حلقة يضربها الخوف والقلق والتوتر، يجعلها غير مستوية، منبعجة، كأنما يلفها إعصار، جعل القبضات على العصي والفؤوس مضطربة، متشنجة؛ القلق رهف حركاتهم وصقلها بالحذر المطلوب تحسبًا لأي فعل تأتي به الحية، الحية من جانبها تعرف أنها محاصرة برجال يتملكهم حقد دفين، وخوف غريزي يحفزهم لقتلها، كما قتلوا وليفها منذ أيام، يقتلونها قبل أن تطالب بثأرها، والتي خرجت منذ لحظات لأخذه منهم". (ص 7)
إن الرجال، إذن، يرغبون في قتل الحية كي يتقوا شر انتقامها لمقتل وليفها الذي قتلوه قبل ثلاثة أيام، فهم بقتلها، إذن، يحيون.
لكن السارد يخبرنا في فقرة لاحقة أن هؤلاء الرجال وبعد أن فقدوا شجاعتهم لمّا رأوا طول الحيّة الهائل، وبعد أن أرهقهم انتظارهم المتربص لخروجها من مكمنها لمدة ثلاثة أيام، تحفزوا لضربها ضربة رجل واحد وإنهاء حالة الترقب والمناوشة التي يصورها السارد في الفقرة الأولى إذ تذكروا أن حية مثلها أخرجت آدم وحواء من الجنة:
"الآن فقط يرون ثأرهم القديم متحققًا أمام عيونهم، يقف في مواجهتهم، وعليهم الانتقام، بالفتك والمداهمة والقتل، فحية كهذه، أو لعلها هي، أو حفيدتها على الأقل، كانت قد خدعت أمهم الأولى، ووسوست لها، وأخرجتهم من النعيم إلي دنيا الشقاء والفناء هذه". (ص18)
إن ما يتحكم بهم، إذن، الموروث الميثولوجي المأخوذ عن الكتب المقدسة التي تخبر عن دور الحية – أو الشيطان الذي تلبس الحية – في إخراج آدم وحواء من الجنة وقذفهم إلى فناء وشقاء الأرض. لكن هؤلاء الرجال الأربع، الذين قدموا من القرية خارج الخور حين سمعوا صرخة الفتى حفيد الجمال "الثعبان" فقتلوا الثعبان وحق عليهم ثأر الحية، لا يعرفون قانون الخور الذي أخبر الجد به أولاده: أن الحية هي أصل المكان، "الحية هي الأصل والباقي تنويعات منها" (ص 94)، و "الحية تسكن هنا قبلنا، تحرسه، وبيني وبينها عهد" (ص10). كما قال الحاوي الذي أتى به الابن مستغلًا غياب الجمال لإخراج الحية من الخور: "لا أقدر هذا بيتهم، ولا يمكن طرد واحد من بيته" (ص 13).
إن ما يتحكم بهم، إذن، الموروث الميثولوجي المأخوذ عن الكتب المقدسة التي تخبر عن دور الحية – أو الشيطان الذي تلبس الحية – في إخراج آدم وحواء من الجنة وقذفهم إلى فناء وشقاء الأرض
في المشهد الأخير من الرواية يتكرر ما حدث مع الجمال عبد الله إذ يجلس حفيده، الشيخ الآن، على الصخرة الفاصلة بين الخور والصحراء ينتظر عودة الجد غير المحتملة فيرى الحية تقود القافلة الضائعة في الصحراء والتي كانت على وشك الهلاك إلى أرض الخور حيث الماء والمأوى. فيتأكد لنا أن الحية صاحبة المكان الذي يعد بمثابة جنة توطن بها القافلة بعد سياحها في الصحراء المهلكة. ومن هذا المنطلق فإن أحمد أبو خنيجر يقوم بتفكيك الأسطورة الكامنة في وجدان الإنسان والتي يؤكدها الموروث الشعبي من أن الحية هي أصل الشر.
لقد ساعدت الحية الجمال وزوجه بنت الراعي على استخلاص الخور من الأرواح الشريرة التي قتلت فوزي الراعي وأصابت المكان بلعنة إذ ساعدت الجمال في رفع الحجر الأحمر الذي أشار المغربي على بنت الراعي صنع رحى منه وطحن قبضة من كل شبر من أرض الخور بهذه الرحى. وهكذا فإن أبو خنيجر يمايز بين الحية والأرواح الشريرة التي تسكن الخور.
كما ساعدت الحية الجمّال على إنماء الخور. يقول السارد عن الحية والجمّال: "وتعاهدوا وساعدته" (ص 94). كما يشي هذا التماهي بين أرض الخور والحية بمساعدة الحية للجمال في استصلاح أرض الخور: "كانت الأرض تساعده على التعري وكأنها تريد أن تغير ثوبها، وتحس بالشمس تسري في عروقها" (ص 125).
يستيقظ الجمّال من نومه ذات ليلة، فيجد الحية تضاجعه، وفي موقف مشابه نجد الحية تضاجع الجمل. فكأنما بمضاجعتها للجمال والجمل، المؤنسن داخل العمل والمتماهي تمامًا مع صاحبه، تضع الحية فيهما بذرة الخصوبة والإنماء التي تساعد بالتالي على إنماء الخور – الجنة.
إن ما يشحذ مشاعر الرجال القادمين من القرية – ومشاعر الإنسان العادي – بالكراهية تجاه الحية إدراكهم أنها خانت آدم وحواء وتحايلت عليهما لإخراجهما من الجنة. لكن في هذه الرواية، نجد أن الجمّال هو من خان عهده مع الحية، حتى أنه أمر الرجال بقتلها. يقول الجمّال: "وحدي سأتحمل وزر الخيانة" (ص 16). ثم يستدرك خطأه فيقرر استرجاع الحية لأنه "لا يمكن أن ينسي العهد الذي قطعه، والذي خانه بكل برود" (ص 84). إلا أن الفقرة التالية تفضح عدم اهتمامه باسترجاع الحية حفاظًا على العهد الذي بينهما بقدر استماتته للحفاظ على إنجازاته في الخور: "الوادي تحت قدميه، حياته كلها، حكايته الخاصة التي أبدعها، أيسمح لها بالتدمير وسقوط اللعنة لمجرد هفوة خاطفة. . ." (ص84).
وهكذا نرى أن الجمّال هو من خان عهد الحية التي أوته في جنتها، فحق عليه الخروج من هذه الجنة إلى الصحراء المهلكة. وهذا تبد آخر لعملية تفكيك الأسطورة التي ينتهجها أبو خنيجر في الرواية إذ يقلب ما حدث مع آدم وحواء في بدء الخليقة وقبل هبوطهما من الجنة إلى الأرض.
ولكن ألم يقم أحمد أبوخنيجر بتفكيك هذه الأسطورة المستقرة في وجدان الإنسان؟ يبدو لي أن الحية رمز للآخر الذي يخشاه الإنسان فيقوم بمهاجمته أولًا فيكون ذلك بمثابة ضربة وقائية يتقي بها ضربة قد ينالها أولًا من هذا الآخر. فخوف الإنسان قد يدفعه للهجوم على من قد يكون مسالمًا تمامًا كما حدث بين السُكان الأمريكيين الأصليين والأوربيين البيض الوافدين عليهم وبين بعض الأفارقة والبيض كما رأينا في رواية "الأشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي. ويبدو أن أحمد أبو خنيجر بروايته الفاتنة خور الجمال يحاول أن يلقي بحجرٍ في مياه الخوف الراكدة داخل وجدان الإنسان المعاصر حتى يتحرر من الخوف الذي يكبّله ويمنعه من التعايش السلمي مع الآخر الذي قد يكون حيوانًا أو إنسانًا.