05-يونيو-2017

خوان غويتيسولو (1931 - 2017)

حين ولد خوان غويتيسولو في مدينة برشلونة عام 1931، كان الجنرال فرانكو يحكم قبضته على المكان والإنسان في إسبانيا، رغم انتفاضتهما من أجل الانعتاق، ولم يعش مع أمّه إلا ستّة أعوام، لأنّ قنبلة من الطيران الحربي لفرانكو حوّلتها إلى أشلاء عام 1937.

ماتت والدة خوان غويتيسولو بنيران الطيران الحربي لفرانكو عام 1937

شكّلت هذه الطفولة المفجوعة، لخوان غويتيسولو صاحب جائزتي "الآداب الإسبانية"، 2008، و"ثربانتس"، 2015، خلفية حقيقية بصفته واحدًا من أهمّ كتّاب القرن العشرين، خاصّة في رواية "علامات هويّة"، وبصفته مناصرًا شرسًا لحقّ الإنسان في امتلاك أرضه. إذ ساند خوان غويتيسولو الثورة الجزائرية، وزار فلسطين عام 1988، أي في العام الذي تمّ فيه الإعلان عن قيام الدّولة الفلسطينية بالجزائر، ووضع نفسه في خدمة قضيتها، كما زار البوسنة والشّيشان، وكتب عن محنتيهما مع الصّرب والرّوس، في جريدة "الباييس" الإسبانية، منصتًا إلى ضميره الإنساني، الذي قال إنّه انطلق منه أيضًا، في إدانته محاولة تصفية الأثر العربي والإسلامي من الفضاء الإسباني.

اقرأ/ي أيضًا: تفاعلات قضية بوجدرة.. شقيق بوتفليقة يُطرد من وقفة احتجاجية للمثقفين

صحيح أنّ تأثر خوان غويتيسولو، صاحب رواية "الطائر المنعزل"، بباريس التي هاجر إليها عام 1956، وبمناخاتها الثقافية والأدبية، بعد الحرب العالمية الثّانية، كان قويًا في متونه وتصريحاته الأولى، لكنّه لم يرقَ إلى منافسة تأثره بمدينة مرّاكش المغربية، التي اكتشفها عام 1976، وأقام فيها نهائيًا عام 1997، وتعلّم لهجتها ومنح روحًا خاصّة لمقاهيها، وأهداها روايته الوازنة "مقبرة"، واستعمل ثقله العالمي في أن يتمّ إقرار ساحتها المعروفة باسم "ساحة جامع الفنا" فضاء عالميًا للثقافة الشّفوية، وهذا الذي كان عام 2002.

لم يكن إعجاب خوان غويتيسولو بالرّوح العربية وبالفضاء المراكشي تحديدًا، ثمرةً لروح اشتشراقية تقدّم سحر الشّرق بصفته أحد تجلّيات بداوة السّلوك وسذاجة التفكير، بل ثمرة لانبهار حقيقي بعمق المكان والإنسان، هو المنتفض في وجه حضارة غربية يراها خانت هذا العمق، وهو ما عمل على فضحه في متونه المختلفة، منذ عمله الأوّل "لعبة الأيادي" في عام 1954.

تجلّى ميل خوان غويتيسولو إلى البساطة الإنسانية، في الفضاء المراكشي، في ربط صداقات مع وجوهه الشّعبية في المدينة العتيقة، حتى أنّه تعلّم اللهجة المغربية ليكون التواصل حيًّا، وفي هندامه ومأكله ومشربه، حتى أنه رفض أن يرتدي اللباس الرّسمي لجائزة ثيربانتيس، التي تسلّمها من يدي الملك الإسباني وزوجته، وفي زهده في الشّهرة والجوائز، التي رفض بعضها، رغم قيمتها المالية الضّخمة، منها جائزة معمّر القذافي في عام 2009. وهو الموقف الذي وضع صاحب "الكتاب الأخضر" ومحيطه في حرج كبير.

هنا، تجدر الإشارة إلى أن هامشًا من بساطته في العيش مع عمق الرّؤية ورثه عن صديقه جان جينيه، الذي كان لقاؤه به في خمسينات القرن العشرين، عتبة لتحوّل كبير في نفسه ونصّه، ومن علامات الوفاء لهذه الصّداقة أن قبريهما سيكونان متجاورين في مدينة العرائش المطلّة على المحيط الأطلسي.

لم يكن إعجاب غويتيسولو بالرّوح العربية إلا ثمرة لانبهار حقيقي بعمق المكان والإنسان

رحيل صاحب رواية "ستارة الفن" التي احتفى فيها بزوجته الفرنسية مونيك لانج الرّاحلة عام 1996، أمس السّبت في مدينة مراكش، أثار حزن كتّاب المغرب ومثقفيه، الذين كانوا يستأنسون بوجوده بينهم، وبمتونه وروحه المحلّقتين والمبرمجتين على القيم الإنسانية والأدبية الموروثة عن زمن شهد ميلاد وحياة أقلام حقيقية وكبيرة دافعت عن هذه القيم وكتبتها.

اقرأ/ي أيضًا: شعر في الهويّة.. فلسطين وألمانيا في أنطولوجيا شعرية مشتركة

كتب القاصّ أنيس الرّافعي أنّه رأى عاشق المدينة الحمراء أكثر من مرّة، لكنّه لم يتواصل معه إلا مرات قليلة، إحداها قدّم له فيها الترجمة الإنجليزية لقصّته "ميت العصر"، التي كان هو بطلها وراويًا شعبيًا في ساحة جامع الفنا، "وقد اغتبط حينها كثيرًا بالأمر، وشكرني بلهجته المغربية المكسرة مبديًا فضوله للتعرف على صورته الحكائية، وقد تحوّل من مؤلّف إلى شخصية متخيلة في ذائقة مؤلّف آخر". 

وكتب الشّاعر والرّوائي والإعلامي ياسين عدنان: "حينما انتهيت رفقة الصديق سعد سرحان من كتاب (مراكش: أسرار معلنة) اقترحنا على خوان أن يقدمه. ثم اختفينا عن بعض. نعرف مشاغل الرجل، لذا تصوّرنا أنه نسي الموضوع تمامًا، وفضلنا عدم إزعاجه، قبل أن يفاجئنا هو بالاتصال. وحين قرأنا تقديمه للكتاب، أخجلنا فعلًا كرمه. لم يُخف الرجل سعادته بكتابٍ رأى أن مدينته الحمراء تستحقه. فكان حريصًا على شكرنا بحرارة، وعلى تهنئتنا بمحبة، وكأنه ابن الحمراء ونحن غريبان عابران تلطّفا بإطراء مدينته".      
 
اقرأ/ي أيضًا:

في المغرب.. كُتّاب بدون قرّاء

رحيل دينِس جونسون ديفِز.. من يترجم العرب بعد اليوم؟