31-مارس-2019

خوان خوسيه مياس (الإندبندنت)

تتناول "من الظلّ"، الرواية التي يصفها كاتبها بأنّها أكثر الروايات التي كتبها سياسيّةً، قصّة موظّف خسر عمله الذي أمضى فيه سنين طويلة وأضحت حياته فارغة من أي معنى. ليقوم فيما بعد بابتكار عمل جديد له لا يخلو من الغرابة السرياليّة، في إشارة إلى جميع العاطلين عن العمل ممّن يغوصون في عبثيّة الحياة المعاصرة التي يهيمن النظام الرأسمالي على مصائرهم فيها.

لعلّ أكثر ما يخطر في البال لدى محاولة فهم دلالة الخزانة في رواية "من الظلّ" هو ارتباطها المباشر باللاوعي

عن الرواية يقول الكاتب والصّحفي خوان خوسيه ميّاس في مقابلة مع الإذاعة الوطنيّة الإسبانية: "تبدو الرواية ظاهريًّا بعيدة كلّ البعد عن الواقع، لكنّني أعتبر أن هذا العمل هو الأكثر سياسيًّا في مسيرتي، فقد رمّزت فيه وقائع عالمنا الحالي، حيث يشعر الإنسان بوحدة فظيعة ويواجه مصاعب جمّة لكي يؤمّن أساسيات الحياة، عالمٌ لا يستطيع فيه المرء بناء علاقاتٍ شخصيّةٍ حقيقيّة إلّا بدفع أثمانٍ باهظة".

اقرأ/ي أيضًا: رواية "قلب أبيض جدًّا".. الماضي جحيم الغد

داميان بطل الرواية هو شابٌّ عادي يشعر بالضياع بعد خسارة وظيفته، ولا يجد مغزىً من الحياة إلّا عندما يختبئ في خزانة الملابس في منزل عائلةٍ ليتلصّص على حياتهم اليوميّة سرًّا، ويبدأ من هناك بمراقبتهم بغية البحث عن دورٍ خفيّ لحماية أفراد العائلة ولعب دورٍ ما في مصائرهم. يحاول إيجاد دور واعتراف ما بوجوده بشتّى السبل وهو مستقرّ في الخزانة التي تمسي ببضعة أمتارها عالمًا كاملًا يحوّل كلّ ما هو يومي واعتيادي إلى أحداث غاية في الأهميّة بالنسبة له.

يقول الكاتب أنّ فكرة الرواية خطرت له منذ ثلاثين عامًا، لكنّها لم تختمر إلى عندما كتبها في عام 2016، وأنّه كان قد قرأ في إحدى الصحف قصّة امرأة يابانيّة اختبأت في خزانة رجل لا تعرفه لمدّة شهر، وأنّ صاحب الخزانة لجأ إلى كشفها عبر تركيب كاميرات مراقبة عندما أحسّ بأنّ أحدًا ما يسرق الطعام من منزله، الأمر الذي غذّى مخيّلة ميّاس الخصبة لنقل قصّة من الواقع إلى رواية خياليّة لا تخلو من الأحداث الحقيقيّة، والتي ينقلها إلى القارئ في قالبٍ يتخلّله سخرية وتهكّم من كلّ ما هو واقعيّ.

دلالة الخزانة

لعلّ أكثر ما يخطر في البال لدى محاولة فهم دلالة الخزانة في رواية "من الظلّ" هو ارتباطها المباشر باللاوعي، ويعبّر الكاتب عن ارتباط فكرة الخزانة في لاوعيه منذ أن كان طفلًا، ويقول أنّه تعرّض إلى مرضٍ في طفولته، الأمر الذي جعل والديه ينقلانه إلى غرفة نومهما، وفي هذه الغرفة كان ثمّة خزانةٌ ضخمةٌ مكوّنةٌ من ثلاثة أجزاء كانت أشبه بكائنٍ حيٍّ، وقد أعطت هذه الخزانة أجنحةً لتخيّلات كثيرة في عقله الباطن خلال تواجده في غرفة والديه.

يقول للإذاعة: "عندما بدأت الكتابة، قمت بتضمين عدّة قصص خزاناتٍ متنوّعة، وما يعجبني كثيرًا بالأمر كون هذه الخزانات تدفع إلى القلق وعدم الارتياح، بالنسبة للأطفال فإنّ الأشباح هي من تسكن الخزانات، ومن جهةٍ أخرى فإنّ الخزانات ترمّز لرحم الأمّ أو للتابوت، وهي قطعًا رمزيّة تدلّ إلى اللاوعي البشريّ".

بنية الرواية  

تمتدّ الرواية التي صدرت عن دار "Editorial Seix Barral" على 208 صفحة، ونجد فيها لغة سلسة في الأسلوب غنية في المضمون، تتشابك فيها الرموز والإسقاطات الغامضة حتّى يصل القارئ إلى النهاية المفاجئة وغير المتوقّعة.

يتطرّق موضوع الرواية إلى هموم عالم اليوم، ففيه إشارة إلى دور التلفاز في صقل عقول النّاس حين وهو ما يعبّر عنه بطل الرواية في حديثه الدّاخلي وهو يتخيّل نفسه كضيف في برنامج حواري تلفزيوني.

خوان خوسيه ميّاس: لا أصطنع خطًّا حدوديًّا يفصل عملي الروائيّ عن عملي الصحفي في إعداد التقارير

يقول الكاتب في هذا الصدّد: "أنا لا أصطنع خطًّا حدوديًّا يفصل عملي الروائيّ عن عملي الصحفي في إعداد التقارير، فإنّ المنتج النهائيّ لا بدّ وأن يحمل النصفين معًا".

اقرأ/ي أيضًا: أحمد شافعي: ما كنتُ لأحتمل هذا العالم لولا الترجمة!

يشار إلى أنّ النسخة العربيّة لرواية "في الظل" صدرت عن "منشورات المتوسّط" عام 2017، بتوقيع المترجم المصري أحمد عبد اللطيف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"المكشوف والمحجوب".. التاريخ كصراع بين العري والاحتشام

"من إسطنبول إلى بغداد".. رواية عن شرق مأزوم