خوان جيلمان.. الشعر ضرورة كالخبز والمسدس

خوان جيلمان.. الشعر ضرورة كالخبز والمسدس

خوان جيلمان

يعتقد خوان جيلمان (1913- 2014) أن الشعر لغة مشتعلة، له كل الحق في ذلك لما تمتلئ به سيرته من قصص عاشها، حكى عنها أو تجنب الخوض فيها في العلن. يرى جيلمان بميزان الشعر الذي يرجح كفته على المنطق العقلي الصارم، ومن خلال خبرة غارقة في الكلمات والوقائع، أن حوارًا شيقًا أو مجردًا مع الحياة يفضي في نهاية الأمر إلى الإيمان بتطرف الحقائق في الحياة.

عيون خوان جيلمان هي بحد ذاتها نظام بلاغي قائم بذاته، تحتدم بداخله الضغوط والصراعات

عيون جيلمان هي بحد ذاتها نظام بلاغي قائم بذاته، تحتدم بداخله الضغوط والصراعات. هي نظام يصنف الماضي والساعات التي تأتي من الحاضر بالخبر. في كل ساعة من ساعاته تختبئ صحيفة وكتاب ذكريات. لا أحد يعرف على وجه الدقة ما إذا كانت الثواني في ساعته تدور ناحية الماضي أو المستقبل، وحده جيلمان يعرف ذلك، لكون نفسه الجامع بين المتناقضات، فهو من ناحية فارس شهم ورجل صلب، ومن ناحية أخرى كاتب محمل بعبء الكلمات، وراع صالح يفضل الصمت والتأمل.

اقرأ/ي أيضًا: إرنستو ساباتو.. كبرياء الحكاية وسخريتها

ولد في حي فيلا كريسبو في العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيرس، وقد صرح لاحقًا أنه ولد هناك لحاجته مرافقتها في إحدى أوقاته الحرجة. لطالما كان جيلمان في حاجة إلى رفقة امرأة محبة في لحظات حياته الحرجة. رؤيته للعالم دومًا كانت من محور الحنين والأوهام والهوية، وفراغات الروح. منذ نعومة أظافره أدرك أن العالم تحكمه جوازات السفر المزيفة، والده العامل الأوكراني، احتاج إلى منفيين اثنين كي يستقر بشكل نهائي في بوينوس آيرس عام 1928، وهي مدينة كانت وقتئذ ملاذًا للهاربين من البوليس السياسي ومن الفقر في العالم.

هرب والده من روسيا القيصرية بعد اشتراكه في ثورة عام 1905، كذلك كان عليه الهرب من روسيا السوفيتية، ومن كل بقعة ضوء تركز على هويته أو آماله في عدل حقيقي. وهكذا فإن جيلمان ثمرة زواج مهاجرين أوكرانيين، ابنة حاخام، وابن عامل ثوري لم يشعر يومًا أبدًا أنها تروتسكي، وعلى أي حال حين طُرد ليون تروتسكي من الحزب الشيوعي، وتم نفيه إلى حدود منشوريا، اعتقد أنه من الأفضل البحث عن مكان آخر في العالم ليعيش فيه.

بالنسبة لشاعر مثله فإن السياسة جاءت مغلفة لكل ذكرياته الأكثر وضوحًا، أول ما قرضه من الشعر في حياته كان قصيدة" يا إيرون لن يعبروا" والتي كانت رسمة على جدران طفولته.

بوينوس آيرس التي عاشها الشاعر في طفولته كانت تلك التي عاشت تفاصيل الحرب الأهلية الإسبانية، بكل أحداثها وكأنها تخصها بعد أن امتلأت عن آخرها بالمنفيين الجمهوريين؛ فخورة بكونها نموذج يلتحم فيه الشعر بالواقع، لذا استخدم جيلمان الخيال كأداة للواقع وحتى يتجنب السذاجة والمتعارف عليه.

استخدم خوان جيلمان الخيال كأداة للواقع وحتى يتجنب السذاجة والمتعارف عليه

عام 1956 نشر كتابه الأول "الكمان ومسائل أخرى" بمقدمة كتبها له راؤول جونزاليز طونيون، الشاعر الذي كان في وقته معشوق الأرجنتينيين. كان جونزاليز قد اكتشفه منذ عام مضى عند تجمع لقراءة الشعر في مسرح لاماسكرا مع مجموعة شعراء "الخبز القاسي". عندما سمعه جونزاليز وهو يتلو قصيدته "حصان اللعبة الدائرية"، خمن لبرهة أن كلمات هذا الشاعر الشاب "شاعرية غنية عامرة بالحياة ذات محتوى اجتماعي سهل ومفهوم ولا يتوه في رفاهيات الفانتازيا". دعم كتبه في البداية سيزار باييخو، والمدينة وإطراء الناس حين كتب عن أنه في رقصة التانجو الممتلئة غواية ما هو أبعد من مرارة رجل نسيته امرأة. 

أبناء الخبز القاسي

في آب/أغسطس عام 1976، اختطف أبناء جيلمان نورا ومارسيلو وزوجة ابنه التي كانت حبلى في شهرها السابع، من خلال الكنيسة الكاثوليكية عرف أن زوجة ابنه وضعت طفلًا دون أن يعرف مكانها ولا حتى جنس المولود. بعد فترة استطاع فريق من الباحثين التعرف على بقايا ابنه مارسيلو في برميل مملوء بالإسمنت، بالقرب من نهر سان فريناندو، مقتولًا برصاصة في مؤخرة العنق.

اقرأ/ي أيضًا: غابرييل غارسيا ماركيز.. يوم كان جزائريًا

وبعد رحلة بحث طويلة ومضنية، وجد حفيدته التي تم إخفاء هويتها من قبل النظام العسكري، وتم ترحيلها إلى أوروجواي. توجه جيلمان ببسالة إلى الرأي العام ليعلن اتهامه للجنرالات الذين استطاع إثبات تورطهم في مقتل ابنه وزوجته وخطف حفيدته. 

أسس جيلمان مع مجموعة من الأدباء الشبان مجموعة أدبية أسمت نفسها "الخبز القاسي"، ذات ميول سياسية مقاومة بالأساس مرتبطة بالشارع، تستخدم لغته وتتورط في موضوعاته ولها أنغام التانجو. وهم يرون أن "الشعر ضرورة يومية كالخبز والمسدس".

يقول خيلمان في "الكمان ومسائل أخرى": "لا أفهم يا ربي .. انزل إليَ ههنا/ المس روحي، انظر إلى قلبي/ لم أسرق، لم أقتل، كنت طفلًا/ لكنهم ضربوني وضربوني/ أقول لك إني لا أفهم/ يا أبي اهبط إليَ/ إن كنت موجودًا حقًا!".

اقرأ/ي أيضًا:

ظلُّ يتحايلُ على جثتهِ بالأمل

هوية أفريقيا.. من المسرح المفتوح إلى وهم الاستقلال