خمس فلسطينيات دافئات
18 فبراير 2026
الموضوع ليس شخصيًا تمامًا، لكنه أيضًا جدًا شخصي، فالكتابة عن هؤلاء العظيمات اللاتي أثّرن على شخصيتي وشخصية جيلي، ليست مجرد حشو لعمود أسبوعي صحفي، بل لديهن بصمة في الحياة الثقافية في فلسطين لن ينساها أحد. كن دافئات على الصعيد الاجتماعي، وبعيدات تمامًا عن صورة المثقف اللئيم.
بعض هؤلاء الدافئات ما زلن على قيد الحياة، وبعضهن غادرن عالمنا، لكنهن ما زلن موجودات في أحاديثنا ونقاشاتنا وأمسياتنا. أتحدث عن القاصة عائشة عودة، الشاعرة زينب حبش، أمينة مكتبة رام الله السابقة نهلة قورة، الفنانة التشكيلية لطيفة يوسف، الشاعرة روز الشوملي، الناقدة إلهام أبو غزالة، والناشطة لطفية هواري.
عائشة عودة (1944): الجبّارة التي أنقذت جيلي
براءة تمشي في الشوارع. كلما رأيناها، تمضغ الأمكنة ببطء. أطفالنا، أصحابي وأنا، ننادي عليها: "يا براءة! يا براءة!" فلا تسمع. وحين نتذكر ما كتبته في مذكراتها عن سنوات الاعتقال وتعذيبها أثناء التحقيق في الثمانينيات، نتعجب من قدرة المحقق المتوحش على إيذاء شخص، كلما تكلم خرجت من فمه الفراشات الملونة.
أثرت تجربة عائشة الكتابية والنضالية على جيلي، الذي بنى تجربته على صداقة ذاته واستكشافها، ورفض الجمل المملة. هذا البناء لم يقدر على تجاهل همّ عام كاسح تمثل في تجربة امرأة فلسطينية عنيدة، أهدت عمرها كله للبلاد. لكن كيف ساعدت عائشة جيلي بالضبط؟ وكيف أنقذته من جنون الابتعاد، وهي البعيدة عنا فكرًا ونهجًا وطريقة حياة؟ كتبت عائشة مجموعات قصصية كان أهم ثيمة فيها وجع البلاد. نحن جيل التسعينيات لم نتخل عن وجع بلادنا، لكننا قاربناه بطريقتنا الغرائبية، من خلال التركيز على ذواتنا التي أقصتها وجمدتها تجارب آبائنا القصصيين.
عائشة فرملت جنون الحداثة داخلنا. حتى قصة المقاربة المختلفة لم تعد تقنعنا. لقد مضى زمن طويل على مشروعنا التحديثي الغرائبي، وهناك العشرات من الروايات والدواوين التي خرجت من معظم هذا التيار النقي الحر. لكن في المقابل، بدأ جيلي يخجل من نفسه وهو يرى امرأة تجاوز عمرها السبعين عامًا تكتب عن تجربتها في الدفاع عن البلد وعن القهر الذي تعرضت له جسديًا ومعنويًا على يد سجانين ومحققين متوحشين، بينما نكتب نحن عن سطوع عينيّ حبيبة نحبها، أو نذهب بعيدًا في السريالية، بحيث لا نشم رائحة لحم الفلسطيني المحروق.
أطال الله في عمرك، عائشة. منقذتنا ومفرملة جنوننا المبالغ فيه. بفضلك صار نصنا القصصي فلسطينيًا وحديثًا في آن، وصرنا نرى في عيون الحبيبات ظل دبابة تمر.
نهلة قورة (1948): قلب المدينة
لا يمكن أن يتجاهل أي مثقف أو كاتب فلسطيني دور مكتبة رام الله العامة في نهضة فلسطين الثقافية والإبداعية. كثيرون من مبدعي فلسطين كتبوا عن تأثير المكتبة على تطورهم، منهم الشاعر محمد القيسي، القاص محمود شقير، القاص خليل سواحري، الروائي يحيى يخلف، فاروق وادي وغيرهم.
في زمن التسعينيات، بدايات جيلي، لم تكن نهلة قورة أمينة مكتبة رام الله فقط، بل كانت ملجأ لنا نحن كتاب تلك الحقبة، نحل فيه أزماتنا المالية والمهنية. كانت تتحمل استعارتنا الطويلة للكتب، وتصدق حججنا حين نقول لها إن الجنود صادروا الكتب عند اقتحام المخيم. لم تكن تتجاهل حتى المتسولين، الذين كانوا في بعض الأحيان محترفي نصب. كانت تحب أن تستضيفنا كشعراء وقصاصين في الوقت الذي كانت مؤسسات الدولة تتجاهلنا، والأهم أنها كانت تشتري كتبنا حين نصدرها، تشتريها بنسخ كثيرة وبحب وفخر.
زينب حبش (1943–2021): ابتسامة تخطو تجاهنا
لم تكن الشاعرة زينب حبش أمًا لنا فحسب، بل كائنًا لا يتوقف عن الابتسام حتى في عز حزنه. قلت لها مرة: "يا أمي زينب، هل تخلعين ابتسامتك حين تذهبين إلى النوم؟" ضحكت طويلًا وأجابت: أمي كانت تقول لي "حتى وأنت نائمة تبتسمين؟"
لم تكن تستخدم منصب شقيقها المناضل صخر حبش، أحد أهم قيادات حركة فتح، في تسهيل حياتها، لم نكن نعرف أصلًا،أنه شقيقها.
هذه الدافئة حد الحزن غير المرئي كانت تقرأ نصوصنا الجديدة في الصحف وتعلق عليها حين كنا نلقاها في الشوارع: "ما أجملكم أنتم حقًا فرسان الأدب الجديد". يا الله كم سارعت هذه الجملة في مدنا بشجاعة مواصلة حرثنا الجديد في تربة الواقع الفلسطيني المنهكة.
عزيزتي أمي زينب، نبحث عن ابتسامتك كلما كتبنا جنونًا جديدًا، نراها والله نراها ونسمع جملتك المقدسة لنا: "مرحبًا يا فرسان الأدب الجديد في فلسطين".
إلهام أبو غزالة (1939–2021): ضحكة الحريق الهائلة
كيف أنسى المرحومة الناقدة الهام أبو غزالة وهي تعترض طريقي في منتصف شارع مكتبة رام الله حيث كانت تسكن، وهي تصيح: "هل أنت مجنون يا زياد، ما الذي فعلته بنفسك؟" ارتعبت وجمدت: "ماذا جرى، دكتورة؟".
كيف تبدأ حياتك الإبداعية بكتاب رائع "خذيني الى موتي"، ثم تكتب بعده كتابًا رديئًا هو غنج لغوي بلا أي معنى؟
لم انتظر جوابي، وجوابها، طرت الى مكتبات رام الله، اشتريت نسخ الكتاب، ثم ذهبت الى اصدقائي واحدًا واحدًا، لملمت نسخهم المهداة لهم، صعدت الى جبل فوق مخيمي اسمه جبل أبو فكتور، واحتفلت بحرقهم مع أصحابي، حين أخبرت الدكتورة بخبر الحرق، دوت ضحكتها من شرفتها، وصاحت: "برافو! أوعى تعيدها!"
شكرًا دكتورة ورحم الله روحك.
لطيفة يوسف (1948–2022): أجمل من رسم الحزن
كنا نجلس في مقهى زرياب برام الله، أربعة قاصين وثلاث شاعرات، سعداء بالفترة الخصبة التي ننمو وننمو ثقافيًا وإبداعيًا من 1994 حتى 2000.
كنا نضحك ونشرب اليانسون ونلوح لاصدقائنا من الشباك، حين هممنا بالمغادرة، اكتشفنا أننا لا نملك ثمن الوجبات، ارتبكنا وصفنّ. فجأة يقترب منا النادل، فنصاب بالرعب، لكنه كان يبتسم: "فرجت شباب، في حدا دفع عنكم". من هو من هو؟ صحنا مع بعضنا البعض.
تلك الرسامة التي كانت تجلس هناك، خرجت قبل قليل، ولاحظت ارتباككم، وقالت لمدير المحل: "هؤلاء مبدعون شبان، اتابع معظمهم في الصحف، لا أظنهم يعرفونني، لا يجوز أن نحرجهم، أنا أعرف ماذا تعني عزة نفس الكاتب أو الفنان".
كانت الرسامة الشهيرة لطيفة يوسف، لم نكن نعرفها، لكننا بعد ذلك، ركضنا الى لوحاتها، كانت أجمل من رسم الحزن الفلسطيني. التقيتها شخصيًا في سنوات لاحقة في احدى دورات معرض الكتاب في القاهرة، قلت: "شكرًا لطيفة"، ابتسمت، وقالت كلامًا أجّلت البكاء عليه: "كنت أعرف أنكم ستصبحون من كتاب وشعراء التسعينيات وما بعدها. لم افعل شيئًا مهمًا، واصلوا الكتابة المجنونة".
رحمك الله لطيفة.