15-يناير-2020

طالما انحازت الإيكونوميست للتيار الأيدولوجي السائد (تويتر)

يقدم "ألترا صوت" أدناه، ترجمة لمراجعة مميزة من موقع bostonreview، لكتاب يروي سيرة واحدة من أهم الصحف البريطانية بشكل خاص والغربية بشكل عام، مسلطًا الضوء على علاقتها بالتوجهات الليبرالية والنيوليبرالية والتصورات الأيدولوجية السائدة، خلال عقود من عملها.


تتمتع الإيكونومست بحضور طاغ في الساحة الإعلامية العالمية، يعمي الأنظار عن مدى غرابتها. لم تخف المجلة الأسبوعية والتي تسمي نفسها صحيفة، يومًا توجها الأيديولوجي، فقد أعربت عنه صراحة في مقالاتها التحليلية الطويلة. وعلى خلاف الصحف والمجلات الأخرى التي تخفي توجهاتها في ثنايا تحليلاتها، تخبر الإيكونومست قراءها صراحة عن جذورها وارتباطاتها وتوجهاتها.

ينبع نجاح الإيكونومست من قدرتها على تقديم دليل عملي شامل لليبراليين الذين يتلمسون طريقهم أمام تحديات الحداثة ومعضلاتها، التي لا تشبه الإطار النظري المثالي الفرداني الذي قامت عليه مُثلهم

يبدأ كل عدد من المجلة بسلسلة من المقالات الافتتاحية التي تعرض القضايا الراهنة بمنظور ملتزم أشد الالتزام بليبرالية السوق وناقم على الحمائية والاشتراكية والانعزالية. هذا الموقف الفلسفي لا يغيب عن صفحات التقارير ومقالات الرأي اللاحقة. ومن هذا المنظور تعد المجلة أقرب إلى الشكل التقليدي للصحافة اليسارية الاشتراكية من تلك الصحف والمنشورات التي تعارض وتنتقد النظام القائم دون الإفصاح عن التزاماتها النظرية.

اقرأ/ي أيضًا: ما بعد الحداثة كبروباغندا للأنظمة

هذه النظرية السياسية التأسيسية هي واحدة من الخصائص التي تمتاز بها الإيكونومست عن المجلات الأسبوعية المشابهة مثل نيوزويك والتايم؛ أما الخاصية الثانية فهي أنها تتخذ من لندن مقرًا لها. فهي علامة صحفية بريطانية تمتاز بصدى عالمي، بل هي أقرب لمثال حي على الدور البريطاني التاريخي في قيادة سفينة الرأسمالية، ودليل على مكانة لندن في قلب الاقتصاد العالمي. ( وبالطبع هي دليل على الوضع الخاص الذي امتازت بها المنشورات الإنجليزية على مدار القرن العشرين).

لم يخطئ ألكسندر زيفين إذًا في اختيار الإيكونومست موضوعًا لكتابه الجديد "الليبرالية تحت المجهر: العالم وفقًا للايكونومست". اضطلع الكاتب بمهمة تحليل مجلة ظل هيكلها التحريري الخفي تحديًا عصيًا على المؤرخين، لكنه أجرى بحثًا هائلًا حاول من خلاله تصور الحياة التحريرية اليومية في المجلة ومؤلفي المقالات المفردة. فكان الناتج من ناحية، سردية بديعة للإيكونومست كمجلة، تروي حكايات صعود وأفول المحررين والصحفيين وملاك المجلة، ومن ناحية أخرى، يمثل الكتاب تاريخًا فكريًا ثريًا للأفكار الليبرالية التي قامت عليها المجلة وأعادت صياغتها وبثها.

زيفين مؤرخ ومحرر في مجلة نيو ليفت ريفيو. يتبع كتابه ذلك الخط التحريري الذي يهاجم فيه الليبراليين الوسطيين الذي يحاولون التملص من مسؤوليتهم عن جرائم الإمبريالية والرأسمالية. لائحة التهم التي استقاها زيفين من الإيكونومست  طويلة ومقنعة. لكن في نهاية الكتاب تبرز مساحة للاختلاف مع المؤلف حين يوسع قائمة اتهامه لتتجاوز الايكونومست لتشمل التقليد الليبرالي في مجمله.

تأسست الإيكونوميست على يد رجل الأعمال والمصرفي الاسكتلندي جيمس ويلسون عام 1843. أسس ويلسون المجلة للترويج للتجارة الحرة في خضم الجدل الذي سار في السياسة البريطانية حول قوانين الذُرة. تحمي قوانين الذُرة الزراعة البريطانية من المنافسة الخارجية عبر فرض رسوم جمركية على الحبوب المستوردة، لكن الجدل حولها لم يقتصر على التفاصيل الفنية بل امتد ليشمل خلافات أوسع حول التصنيع ومصالح المستهلكين والعلاقات الدولية. 

لكن قوى التجارة الحرة انتصرت في النهاية عبر إلغاء قوانين الذرة في 1846، لكن ويلسون استغل موقف الصحيفية الأولي في القضية للترويج لليبرالية السوق متمثلة في مقاومة قوانين سوق العمل، وتوفير الدولة للسلع العامة، والتوسع في حق التصويت. كان والتر باجوت رئيس التحرير الثالث للمجلة وصهر جيمس ويلسون أحد الشخصيات التي شكلت رؤية الإيكونومست للعالم. أراد باجوت دومًا أن يكون نائبًا في البرلمان لكنه خسر أربع انتخابات متتالية، لكن اسمه ما زال حاضرًا حتى الآن بفضل أفكاره الاقتصادية والدستورية.

رغم معارضته للتوسع المفرط في حق التصويت كتب باجوت مطولًا عن دستور بريطاني يمنح السلطة في أيدي مجلس العموم وحكومة منتخبة قوية، وفي الوقت ذاته استفاض في كتاباته في تأييد آراء اقتصادية بدت جذرية في حينها. فعلى وقع الأزمات المالية في ستينات القرن التاسع عشر دعا باجوت إلى تدخل أقوى من البنك المركزي في السياسة المالية، وبهذا شكلت الإيكونومست تحالفًا مبكرًا مع القطاع المالي الصاعد في بريطانيا ودعمت استخدام بريطانيا للقوة العسكرية الضرورية لتوسيع أسواق الاستثمار في آسيا وأفريقيا.

في ضوء هذه البداية قد يبدو تاريخ الإيكونومست بسيطًا، لكن زيفين يبين في كتابه أن التحولات التي جرت في تاريخ المجلة تجعل هذا التاريخ مثيرًا للاهتمام لأنها بحسب زيفين سعت دائمًا لتجاوز حدود الليبرالية الكلاسيكية. فقد اشتبكت الإيكونومست مع ثلاثة تحديات رئيسية تواجه المثل الليبرالية في أواخر القرن التاسع عشر وعلى مدار القرن العشرين، وهي: منح الحقوق السياسية للطبقة العاملة، والصراع مع القوى الإمبريالية الأخرى ورأسمالية قطاع التمويل الذي بدأ في فرض سيطرتها على الاقتصاد العالمي شيئًا فشيئًا.

أحد التحولات المثيرة في قصة الإيكونومست في القرن العشرين هي أنها لم تكن دائمًا نصيرة لقوى السوق المتحررة، ولم تكن من بين الداعمين الأوائل للنيوليبرالية في فترة السبعينات. ورغم أن زيفين لا يقولها صراحة، إلا أن بحثه المتعمق في موقف المجلة التحريري يكشف عن أنها تميل دائمًا لتطويع خطها التحريري ليوافق الاتجاه السائد.

في التسعينات على سبيل المثال، اعتنقت الليبرالية البريطانية سياسات دولة الرفاه الاشتراكية سعيًا من الحزب الليبرالي ومنظريه حينها لكسب تأييد أصوات الطبقة العاملة الصاعدة على الساحة السياسية. لعبت المجلة دورها في هذا الصدد تحت إدارة فرانسيس هيرست. وبسبب كتابات فرانسيس الأولى التي دعم فيها سياسات التجارة الحرة والتحرر المالي، فقد كان دعمه لسياسات الليبرالية الاشتراكية غير متوقع بتاتًا. وقد كان أيضًا ناقدًا حادًا لسياسات التوسع الإمبريالي البريطانية وعارض حرب البوير متفقًا بذلك مع منظرين ليبراليين اشتراكيين مثل ليونارد هوبهاوس وجون هوبسون.

وبعد فوز الحزب الليبرالي بالسلطة عام 1906، وظف هيرست المجلة لدعم خطط الحكومة في التوسع في التوظيف والرعاية الصحية وقرارها بزيادة الضرائب على الأثرياء. ووفقًا لزيفين لعبت المجلة دورها في إقناع النخب المالية بأن الإصلاح الاجتماعي ممكن في ظل إدارة محافظة للميزانية.

ولاحقًا، في فترة رئاسة والتر ليتون لتحرير المجلة، أعربت مجلة الإيكونومست في الثلاثينات والأربعينات عن قبولها للأفكار الكينزية. هذا الخط الكينزي الذي تبعته المجله جعلها معادية لقطاع المال وأفكار السوق الحر التي استشرت في الصحافة اليمينية في بريطانيا في السبعينات. ثم مع الوقت بدأت المجلة بنشر مجموعة من المقالات الاقتصادية التي تجمع بين الكينزية والحلول النيوليبرالية، أدى بها في النهاية لتقديم دعمها المشبوه لحزب المحافظين الذي ترأسته حينها مارجريت تاتشر في الانتخابات العامة عام 1979.

بدا بعدها أن المجلة تعلمت من أخطائها. وخلال فترة الثمانينات كانت واحدة من أصلب الحلفاء الإعلاميين للسياسات النيوليبرالية التي تبنتها تاتشر وريغان. ثم غرقت المجلة مع سفينتها في 1997 بدعمها لحزب المحافظين، رغم فوز حزب العمال بقيادة توني بلير بالسلطة مقدمًا توليفة تاريخية من السياسات التي تجمع بين التاتشرية والديمقراطية الاشتراكية. أي باختصار عكست المجلة دائمًا وجهة النظر المسيطرة بدلًا من تحديها، لكنها لم تفلح دائمًا في القفز بسلاسة من عقيدة سائدة إلى التي تليها.

على خلاف مراد زيفين، فإن الإيكونومست كانت على الدوام مجلة على هامش الصراع الفكري فيما يخص الاقتصاد المحلي والسياسات الاجتماعية. فالمؤرخون الذين يودون البحث في تاريخ الأفكار التي تدور حول دور الدولة والتحرر الاقتصادي لن يتخذوا الإيكونومست مسرحًا لعملهم.

أما في حقل العلاقات الدولية، وخصوصًا سؤال الإمبراطورية، تتخذ الإيكونومست شكلًا أيديولوجيًا أكثر اتساقًا وثباتًا. فعلى سبيل المثال قال محرر السياسة الخارجية المخضرم جوني جريموند في حفلة تقاعده إنه خلال مسيرته الطويلة التي بلغت 40 عامًا "لم تر الإيكونومست يومًا حربًا لم تعجبها". أسس ويلسون وباجوت صحيفة تدعم المشروع الإمبراطوري وتدين التوجهات الليبرالية التي ترى أن حرية التجارة ستكون بديلًا للحروب والصراعات مع القوى المنافسة. حتى الفترة القصيرة التي اتخذت فيها الصحيفة موقفًا معاديًا للحرب العالمية الأولى، أزيح رئيس تحريرها لصالح توجه أكثر حماسًا تجاه الحرب.

ثم تحولت الإيكونومست تحولًا مثيرًا في أعقاب سقوط الإمبراطورية البريطانية وصعود نظام جيوسياسي جديد يستند على القوة الأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. تحول الخط التحريري للصحيفة من التشبث بأوهام المكانة الإمبراطورية لبريطانيا إلى الاعتراف شيئًا فشيئًا بسيادة الولايات المتحدة. وقد كانت أزمة قناة السويس عام 1956 التي أوقفت فيها الولايات المتحدة محاولة بريطانيا وفرنسا السيطرة على قناة السويس التي أممتها مصر، نقطة تحول محورية في رؤية الصحيفة الجيوسياسية وتصوراتها للقوى العالمية في فترة ما بعد الحرب. اتخذت الصحيفة موقفًا معاديًا للحملة منذ بدايتها، لأنها هددت تماسك التحالف الأنجلو أمريكي.

في الفترة بين عامي 1956 و1974 أحدث أليستير بورنت تحولًا جيليًا في الصحيفة ليدفعها للاصطفاف اصطفافًا واضحًا مع الحرب الباردة وسياسات المحافظين. في تلك السنوات بدأت الإيكونومست بخلع رداء النخبة البريطانية شيئًا فشيئًا وارتدت بذلة أمريكية وتحدثت بلهجة العم سام.

لعل هذا الأمر كان ناتجًا عن أن معظم صحفيي المجلة درسوا وعملوا لفترة من حياتهم في الولايات المتحدة، ولكنها في كل الأحوال كانت دليلًا على المكانة الثقافية التي شغلتها الولايات المتحدة في بريطانيا بعد الحرب. في هذه الفترة شهدنا ليبرالية الحرب الباردة الأمريكية تغلف يد نخبة من الكتاب البريطانيين ثم يعاد نشرها للجمهور الأمريكي المتعطش. فتحت قيادة بورنت كانت الإيكونومست بوقًا مؤازرًا لحرب فيتنام، وناقدة لاذعة للحكومة البريطانية لفشلها في دعم الجهود الحربية للولايات المتحدة دعمًا نشطًا. وخلال عقدي الستينات والسبعينات دعمت الإيكونومست كل سياسة أمريكية، سواء كانت دعم الأنظمة التي تخالف المبادئ الليبرالية مثل نظام سوهارتو في أندونيسيا أو التدخل الخارجي للإطاحة بحكومات منتخبة ديمقراطيًا، مثل سلفادور أليندي في تشيلي.

في السبعينات والثمانينات ظلت الإيكونومست على ولعها بالنموذج الأمريكي وكانت مهمة رؤساء تحريرها في تلك الفترة هي أن يجذبوا الأصوات الوسطية ويسار الوسط داخل طاقم عمل الجريدة نفسها نحو اليمين ونحو دعم النيوليبرالية المتطرفة، وهو ما لم نره في صحيفة فاينانشال تايمز التي حرصت على تقديم تحليلات ومقالات أكثر تنوعًا عن الرأسمالية في السنوات الأخيرة.

مدار كتاب زيفين هو أن القراءة المتمعنة للإيكونومست تطلعنا على الليبرالية من منظورها الأيديولوجي العملي بعيدًا عن المبادئ السياسية المجردة. ليس سبب ذلك بالضرورة أن الإيكونومست تمثل التقليد الليبرالي الأوسع، بل لأن الإيكونومست بحسب اعتقاده كانت الأكثر نفوذا وتأثيرًا في تصدير نسختها من الليبرالية عما سواها من المنشورات أو المفكرين الليبراليين.

يرى زيفين أن الإيكونومست جمعت بين تاريخها الطويل وقدرتها على الوصول إلى نخبة صناعة القرار وصناع الرأي العام ونسب توزيع أعلى من أي منافس آخر (تجاوزت مبيعاتها 1.5 مليون نسخة مطبوعة أو رقمية في الأسبوع). ويخلص الكاتب إلى أن نجاح الإيكونومست نابع من قدرتها على تقديم دليل عملي شامل لليبراليين الذين يتلمسون طريقهم أمام تحديات الحداثة ومعضلاتها، التي لا تشبه الإطار النظري المثالي الفرداني الذي قامت عليه المثل الليبرالية.

اقرأ/ي أيضًا: ما هو الجديد في الليبرالية الجديدة؟

وأخيرًا نصل إلى الموضوع الأخير للكتاب، وهو العلاقة الطويلة بين الصحيفة ومدينة لندن. لطالما كانت الإيكونومست داعمًا قويًا للقطاع المالي في العموم، لكنها برزت على الساحة باعتبارها المدافع الأقوى عن تحول لندن إلى مركز للخدمات المالية والمصارف والبورصات وتداول العملات. وصلت الإيكونومست إلى ذروة مجدها في هذا الصدد إبان الأزمة المالية في 2008 حين تحولت إلى مهدئ للنظام الأيديولوجي الليبرالي الذي غرق في شكوكه الذاتية. ففي الوقت الذي كشفت فيه الأزمة عن العلاقة المعقدة بين الدولة والسوق، ناصرت الصحيفة مصالح المنتجين في القطاع المالي العالمي، وأثبتت صحة المقولة السائدة بأن النظام الاقتصادي يقدم الاشتراكية للأغنياء والرأسمالية للفقراء، وذلك بمطالبتها تقديم دعم حكومي غير مشروط للمصارف وفرض إجراءات تقشف على القطاع العام لتقليل التكاليف.

هل تمثل الإيكونومست إذًا الليبرالية في مجملها أم تمثل الليبرالية حين تقع أسيرة لمصالح الثروة والسلطة؟

من العجيب أن نرى هذه الزيادة المطردة في مكانة الإيكونومست الثقافية منذ الثمانينات، وهي نفس الفترة التي اعتمدت فيها الرأسمالية العالمية على نمو القطاع المالي. هل تمثل الإيكونومست إذًا الليبرالية في مجملها أم تمثل الليبرالية حين تقع أسيرة لمصالح الثروة والسلطة؟ يخلص زيفين إلى النتيجة الأولى، لكن لعل الرؤية الثانية أكثر إقناعًا على ضوء ما ورد في الكتاب. في كل الأحوال كتب زيفين كتابًا مهمًا يسلط الضوء على النسيج الأيديولوجي المتهالك للرأسمالية المعاصرة.