"خمارة جبرا": لماذا لا تسقط النجوم؟

الروائي نبيل الملحم

في الوقت الذي تندلق فيه الكلمات في النصوص والقصائد والروايات الصادرة على عجل، لتنتصر للأفكار والمعتقدات ووجهات النظر، وكأن كتّاب هذا العصر يجتمعون حول جثة في مجزرة، ويناقشون بنبل فارغ وفرداني خالص، ظروف المجازر.. في هذا الوقت ينتصر الروائي السوري نبيل الملحم في "خمارة جبرا" (منشورات المتوسط، 2017) للشخوص القابعة في القاع السوري والدمشقي، وهي تنبض مضمخةً بروائح حي الصبارة وخمارة جبرا وأنفاس آنا وكلاسين القحبات في باب الجابية والروبير.

كأن كتّاب هذا العصر يجتمعون حول جثة في مجزرة، ويناقشون بنبل فارغ وفرداني خالص، ظروف المجازر

من الاستقلال الوطني مرورًا بتجربة الوحدة وجنرالات ما بعد الاستقلال وحكم البعث الكارثي، كل هذه العناوين الملفتة، سيلفظها فواز زوج فرنسا خارج التاريخ، وهو يردد النشيد الوطني مكبلًا بأملٍ مسحوق تحت أقدام فرنسا التي أتقنت البوح بما يلزم الصخور كي تتفتت، وسيتأملها جاد الحق جادلله وهو يقدم لجورجيت مسحوق خانق الذئب مع المخدرات كي يراقب موتها ببطء، ويقطع إبهامها كهدية دسمة للرجل الذي يعرف أنه أكثر انحطاطًا من كل أفكار الأرض.

اقرأ/ي أيضًا: "صديقتي المذهلة": فندق فقراء نابولي

سوف نرى التاريخ يثرثر على هامش الكرخانات العربية المعاصرة، كرخانات شاسعة، لا تقدم مادةً للتأمل والفحص والاستنتاج، إنما تقدم لنا التاريخ الخفيض لحياة المدن وتنفسها، التاريخ الذي يبدو كجرابٍ مقلوب، حيث تزدحم الأنفاس المنسية كسخريةٍ موحلة، لأولئك الذين غادروا الأمل، وباتوا ينهشون بضراوة الحب المسفوح، الجلود الميتة عن مدنهم.

في "خمارة جبرا"، ستهمس شخصيات غارقة في وحل الهوامش، نعم.. لقد ولدنا على هذه الأرض دون ندم يخصنا، لأن الحياة شاسعة بالقدر الذي تضيق المدن على أعناقنا كأناشيط من المعدن، الحياة شاسعة، ذلك الانطباع الذي ارتسم في حدقتي جاد الحق لحظة ولادته كابن مغتصبة ومقتولة، كما ارتسم في حدقتي فرنسا وهي تطير من شرفة الروبير نحو الرصيف، لتفتح عينيها على النجوم تحت قبة السماء: لماذا لا تسقط النجوم؟

جاد الحق جادلله، ابن الميتة، نموذج للنخبة المنتهكة، كاتب بيانات القادة، وقصائد الشعراء، الرجل ذو الحدبة التي حملها فوق ظهره صغيرًا، يواجه الموت في باحة مشفى المجتهد وحيدًا على كرسيه المتحرك بهيكل عظمي يتفتت مع أزيز الرصاص.. ويدرك في لحظاته الأخيرة أنه حمل الموت كوديعة سوف يقدمها للحياة.

في حرائق الغابات، لا ينتبه أحد لحرائق الأعشاب الصغيرة التي تكسو الأرض

في حرائق الغابات، لا ينتبه أحد لحرائق الأعشاب الصغيرة التي تكسو الأرض، ذلك الهسيس الخافت الذي يأكل جلد البلاد لتغدو بلا ملامح، هذا الصوت الخفيض في خمارة جبرا، جعل من الشخصيات تقفز بين الأزمنة، بحركةٍ لا تنتظم بل تتماوج، كألسنة النيران التي يقودها هواء عابث، فكلما شعرت الشخصيات بالحصار، أو بانزلاقها نحو الركون إلى فكرة مسبقة، أو إطار يحدد ملامحها كملامح شخصية مدروسة روائيًا، نراها تقفز إلى زمن آخر في الماضي ثم في المستقبل، رافضة التشكل ومختارة هذا البوح الحر، إنه ما تبقى لها، الزمن القلق الذي يبدو كأنثى تسعف الجرحى وهي وحيدة في براح المجزرة، تتلفت يمينًا وشمالًا وهي تلاحق أنةً هنا وأنفاسًا هناك، وموتًا بطيئًا في مكان آخر، تقنية هروبها من التشكل، هي تقنية السرد ذاتها، مغامرة الدخول في الأزمنة القلقة، وإعلان شأن القلق كصيغةٍ تتماسك في احتجاجها العميق على الوجود.

اقرأ/ي أيضًا: استعادة جبرا إبراهيم جبرا وبئره الأولى

هكذا ينسج نبيل الملحم من قلق شخصياته خيوطًا متينة للسرد الروائي، لتبدو تقنية الانتقال القلق بين أزمنة الشخصيات طازجةً على الدوام، حارة ومتدفقة كخيط من الدم يسيل متسللًا إلى شوارع دمشق وأزقتها، كاشفًا وناخرًا خاصرة المدن اللاهثة نحو المجد.

بسخرية مرة تهمس عوالم "خمارة جبرا" بأن المجد هو للطغاة حقًا، لأن المجد هو بضاعة الانتهاك ووديعة المهزلة، حكايات البشر ينسجها بأظافر متشققة وقلوب تخوض النزال مع الألم، في أكثر المناطق نأيًا عن المجد؛ أولئك الحالمون في أقاصي الحضيض.

تبدو شخصيات "خمارة جبرا"، وكأنها رميت على عجل، ذلك هو الفخ الأكثر جرأةً في الرواية، حيث تتعثر وأنت تسير في مساربها بأنفاس عشاق ومهووسين ومهزومين وحالمين، ولا تلبث أن تصغي إلى بوحها، حتى تأخذك الريح إلى مكان وزمان آخرين، وحيث عشق دمشق لا يحتاج للقصائد بقدر ما يحتاج للتعثّر بالأرواح الضاجّة في أزقتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رشيد الضعيف.. متاهة الذكرى والخيال

ليست مكيةً فقط.. ماذا تعرف عن فتوحات ابن عربي المدنيّة؟