خليل صويلح.. بيان ضد المكتبة

خليل صويلح.. بيان ضد المكتبة

الروائي السوري خليل صويلح

يقول كافكا: "على المرء ألّا يقرأ إلّا تلك الكتب التي تعضّه وتخِزُه"، وأيضًا: "على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطّم البحر المتجمّد في داخلنا"، لعلّ هاتين العبارتين تفيان بالغرض لوصف ما يفعلهُ كتاب "ضدّ المكتبة" (دار نينوى، 2017) للكاتب والروائي السوريّ خليل صويلح، وذلك لما يحملهُ في طيّاته من أفكارٍ وقراءاتٍ تعمل على دفع القارئ إلى إعادة النظر في مفهوم المكتبة أولًا، وطريقته في اقتناء الكتب والتعامل مع الكتب الرديئة ثانيًا، فضلًا عن الرحلة الشيّقة التي يأخذنا فيها خليل صويلح في أجواء حميمية للمكتبات والكتّاب والكتب، مقدّمًا بذلك في كتابه مكتبةً متنقّلة.

في كتابه "ضد المكتبة" يعتمد خليل صويلح على تجربته الشخصيّة في القراءة

يعتمد خليل صويلح، صاحب "ورّاق الحب" في كتابه الواقع في 160 صفحة على تجربته الشخصيّة في القراءة، مقدّمًا أولًا نصوصًا وأفكارًا حول المكتبة ومفهومها؛ أفكارًا تبدو ضرورية في وقتنا هذا، إذ إنّ المكتبات باتت مكانًا لالتقاط الصور أكثر منها مكانًا للمعرفة، وغالبًا ما تمتلئ رفوفها بكتب رديئة وعسيرة الهضم بالنسبة لقارئ حذق. ثمّ يقدّم خليل صويلح بعد ذلك قراءات نقديّة مصحوبة بحسّه الحكائيّ في كتب عدّة أثّرت فيه كقارئ بالدرجة الأولى، لا سيما أنّ هذا الكتاب، وكما أوضح خليل صويلح في بدايته، كُتب من موقع القارئ في المقام الأوّل.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبات الآخرين

يفتتح خليل صويلح كتابه بحكاياتٍ عن ترحاله بين البيوت المستأجرة برفقة مكتبته، والمكتبة الأنيقة التي صمّمها من خشب الزان، وتخلّى عنها بعد أن فشل في إدخالها نظرًا لضيق حجم الباب في منزله الأخير. ومن هذا المكان، يبدأ صاحب "اختبار الندم" رحلته في عوالم المكتبات والكتب، حيث يتسائل خليل صويلح عن جدوى مجلّدات تراث الأسلاف التي تمتلئ الرفوف بها، وإن كان المرء اليوم يحتاج إليها فعلًا بعد أن باتت متوفرةً إلكترونيًا. وهنا يطرح خليل صويلح فكرة "اللامكتبة"، والتي تعني "إلغاء الشكل الفلكلوري للمكتبة، كمظهر استعلائي، لا يختلف كصورة رمزيّة عن فاترينة الكريستال، وتاليًا، ضرورة إطاحة عناوين تسلّلت عنوةً إلى الواجهة بقوة دفع إيديولوجية طورًا، وسطوة أسماء مرموقة تارةً، أكثر منها حاجة روحيّة ومعرفيّة" (ص 12).

يؤكّد خليل صويلح، صاحب "قانون حراسة الشهوة" ضرورة التخلّي والإطاحة بالكتب "التي تصلنا كإهداءات بلاغية مفزعة لفرط سطوتها الإنشائيّة، من كتبة هواة خصوصًا"، وتلك التي "تحمل توقيع جنرالات سابقين بأوسمة ونوط شجاعة، لم يخوضوا حربًا واحدة"، ناهيك عن الكتب التي "تحتوي مقدّمات نقّاد منافقين تمتدح عبقرية شاعرات وروائيات كتبن خيباتهنّ في الحب، بخيال مريض، ووقائع مضجرة، وميلودراما مستوردة من أفلام الأبيض والأسود"، وأخيرًا كتب "النقّاد المياومين الذين يبيعون المصطلحات الفاخرة والمستوردة من فاترينات ما بعد الحداثة" (ص 13).

وفي هذا السياق، يشير الكاتب خليل صويلح إلى النصوص التي يصفها بحالات الجذام التي تغزو الإنترنت بوصفها شعرًا، لتُطبع لاحقًا ورقيًا. متسائلًا: "ألا ينبغي تنظيف المكتبة من هذه الطحالب والبثور ووحيدات الخليّة؟". كما يؤكد خليل صويلح أنّ المكتبة دون تنظيفها من هذه الأعشاب ستكون نوعًا من الجحيم الدنيوي على العكس من البعد الفردوسي الذي نادى به بورخيس.

هكذا سوف يخلص خليل صويلح إلى القول بأنّ المكتبة ليست بحجمها إنّما في نوعية محتوياتها، مشيرًا إلى أنّنا نحتاج إلى الكتب التي تقوم بتغيير مصائرنا، إضافة إلى حاجتنا لتلخيص المكتبة وتشذيب الرفوف من الأوزان الثقيلة للورق، وهباء الحبر، وجفاف المخيّلة، بما يوازي تلخيص المتنبي للشعر كله في نصف بيته الشهير "على قلق كأن الريح تحتي".

ضد المكتبة

يكمل خليل صويلح، صاحب "جنّة البرابرة" رحلته هذه مستعرضًا عوالم وأجواء مكتبات عدّة، يبدأها بمكتبة الروائي الإيطاليّ أمبرتو إيكو الضخمة، التي يحتاج إلى دقيقة ونصف لعبورها. ثم ينتقل خليل صويلح للحديث عن إيكو نفسه، واصفًا إياه بالمنقّب من ناحية تأنيه في فحص المادّة الخام التي بين يديه. ويرى خليل صويلح أن عدم اكتفاء إيكو بالاشتغال في حقل التأويل وطبقات السرد ومتاهات الأرشيف، ولجوءه إلى كتابة الرواية، وانخراطه في تفسير آليات الكتابة نفسها وضعنا أمام عمارة موسوعيّة لمشروع فكري يصعب اختزاله في مشتل نقدي واحد.

نجح خليل صويلح، في كتابه "ضد المكتبة"،  في اقتراح مكتبة كاملة في كتاب واحد

في قراءته لرواية "ظل الريح" للروائي الإسبانيّ كارلوس ثافون، يقول خليل صويلح إنّ هذه الرواية، ونظرًا لضخامتها وتشعّب مساراتها ومذاقاتها السردية المتعدّدة، أتت كتعويض عن متاهة مكتبة كاملة، اختزلها كارلوس ثافون في مجلّد واحد. ويفسّر ذلك قائلًا إنّ ثافون اعتمد على ثراء لغة ميغيل دي ثربانتس في التخييل المراوغ كرافعة ثقيلة لبناء عمارته الشاهقة، وعلى العبارة الأولى من رواية "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز في صناعة العبارة الأولى من روايته، ومستعينًا أيضًا بالأجواء البوليسيّة في رواية "اسم الوردة" لإيكو في بناء الوقائع البوليسيّة لروايته.

اقرأ/ي أيضًا: النهب المعرفي الإسرائيلي.. تاريخ من اغتصاب المؤلفات

يُكمل خليل صويلح استعراضه لقراءاته النقدية في أعمال أدبيّة عدّة لأدباء عرب وعالميين، من أمثال ميلان كونديرا وإرنستو ساباتو وميغيل دي ثربانتس وماركيز ودوستويفسكي. فضلًا عن فرده مساحاتٍ للحديث عن أنسي الحاج الذي يقول إنّه ظلّ مخلصًا لبيانه الأوّل لجهة التوتر وإعادة النظر في تربة القصيدة وحراثتها من الداخل بمعول رشيق، بقصد تخليصها من مقدّساتها القديمة المتوارثة نحو فضاء حرّ وشاسع ومفتوح، من دون أسوار بلاغية قديمة تقيّد حركتها، أو مشاغلها المختلفة (ص 69). لينتقل خليل صويلح بعد ذلك للحديث عن محمود درويش الذي تراوح مقاماته بين العزف المنفرد على آلة وتريّة، والحواريات السيمفونية. ناي أو غيتار أو كمنجة في قصائد الألم الشخصي المبكر، وحوار آلات مختلفة في تراجيديا التيه الفلسطيني (ص 73). بالإضافة إلى الشاعر سعدي يوسف الذي، وبحسب خليل صويلح، نسف عامدًا صورة الشاعر النبي، ليضع القصيدة في مرمى شباك الحياة مباشرة، بأقصى حالات الارتطام، وبأقل ما يمكن من الإغواء البلاغي (ص77).

ما يخلص إليه القارئ في نهاية الكتاب أنّ خليل صويلح نجح في وضع مكتبة كاملة في كتاب واحد مؤلّف من 160 صفحة فقط.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بورخيس وفلسفة اللغة في "مكتبة بابل"

ألبرتو مانغويل.. في مكتبة بإيقاعات مجنونة