ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

خط "صوفا 53": مشروع إسرائيلي يثير مخاوف من إعادة رسم الحدود في الجنوب السوري

8 نوفمبر 2025
آليات للاحتلال في القنيطرة
آليات ثقيلة للجيش الإسرائيلي تنفذ أعمال تحصين وسواتر ترابية قرب مدينة القنيطرة (Getty)
أغيد حجازيأغيد حجازي

يواصل الاحتلال الإسرائيلي نشاطه الميداني في جنوب سوريا، وتحديدًا في محافظة القنيطرة، ضمن ما يُعرف بـ"خط صوفا 53"، وهو مسار أمني وعسكري غير معلن رسميًا يمتد على طول مناطق التماس في الجنوب السوري، وفق ما تشير إليه التقارير. ويهدف المشروع، بحسب الجيش الإسرائيلي، إلى مراقبة التحركات الميدانية وضبط المجال الحدودي وفق 'الرؤية الأمنية' لتل أبيب.

ويثير هذا الخط العديد من التساؤلات حول طبيعته وحدود دوره والأهداف التي تسعى إسرائيل لتحقيقها من خلاله. فهل يمثل محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ الأمني في الجنوب السوري، أم أنه مجرد "مشروع دفاعي" كما تزعم إسرائيل؟

من جبل الشيخ إلى الحدود الأردنية

في إطار التوغلات الإسرائيلية المستمرة داخل الأراضي السورية، يبرز مشروع "خط صوفا 53" الذي تعمل عليه تل أبيب منذ عام 2022 بعمق يتراوح بين كيلومترٍ واحدٍ واثنين، تبعًا لطبيعة المنطقة الجغرافية في محافظة القنيطرة. ويمتد الخط ابتداءً من شمال المحافظة عند منحدرات جبل الشيخ، مرورًا بقرى حضر وجباتا الخشب، وعبر الحميدية والقحطانية وبئر العجم، وصولًا إلى الرفيد والمعلقة إلى جنوب المحافظة عند الحدود الأردنية.

يثير هذا الخط تساؤلات حول أهدافه، هل إعادة رسم خريطة النفوذ الأمني في الجنوب السوري أم مجرد "مشروع دفاعي" كما تزعم إسرائيل؟

هذا المشروع، الذي تصاعد العمل عليه في الآونة الأخيرة بوتيرةٍ مكثفة، يطرح مجموعة من الأسئلة حول هدف إسرائيل منه، ومصير ممتلكات الأهالي وأراضيهم الزراعية التي بدأت إسرائيل تستولي على بعضها، إضافةً إلى موقف الإدارة السورية من هذا التوسع.

بحسب صور الأقمار الصناعية التي عرضتها قناة "بي بي سي"، فقد شُيّد ساترٌ ترابي بعرض خمسة أمتار وبطول يُقدّر بسبعين كيلومترًا ضمن المشروع.
وتُظهر المقارنات بين الصور الملتقطة في شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس من العام الماضي مع تلك التي تعود إلى كانون الثاني/يناير من العام الجاري أن أعمال الحفر والبناء ما تزال مستمرة، ما يشير إلى أن المشروع قيد التوسعة والتعزيز.

الأهداف العسكرية والاستراتيجية

في هذا السياق، قال الأكاديمي السوري الدكتور أحمد الكناني إن "طريق صوفا 53 هو المحور الذي عملت قوات الجيش الإسرائيلي على إنشائه منذ عام 2022 تقريبًا، حين بدأ العمل التنفيذي بهدف إنشاء نقطة ارتكاز برية داخل الجولان المحتل تمتد لاحقًا نحو العمق السوري".

وأوضح الكناني أن "العمل الفعلي على الطريق بدأ عام 2024 عبر عمليات إزالة مخلفات الألغام المزروعة على المسار الممتد من ريف القنيطرة الشمالي المقابل لبلدتي حضر وحرفا، وصولًا إلى ريف القنيطرة الجنوبي ومنطقة جبات الخشب"، مضيفًا أن "الجيش الإسرائيلي دمّر جميع النقاط اللغمية على هذا الطريق تمهيدًا لتوسيع نطاقه".

وأشار إلى أنه "بعد سقوط النظام السابق، استغل الاحتلال الإسرائيلي حالة الفراغ، وتمكّنت الدبابات الإسرائيلية من التوغّل إلى الداخل السوري عبر هذه النقطة التي أصبحت بمثابة نقطة ارتكاز برية تربط بين الجانب المحتل والعمق السوري".

وأضاف أن "التحولات الميدانية بعد سقوط النظام شملت تطوير الطرق البرية وتعزيز نقاط عسكرية في تلول الحمر ودرعا، إضافة إلى إنشاء قاعدة في أعلى قمة بمرتفعات جبل الشيخ، وهو ما غيّر طبيعة المحاور والطرق التي تربط بالجانب المحتل، وإن لم يُلغِ الأهمية الاستراتيجية لطريق صوفا كنقطة ارتكاز أساسية".

مشروع غامض وأهداف غير معلنة

على مستوى الإعلام والتصريحات الإسرائيلية، يسود شح كبير في المعلومات حول المشروع، ما يجعله أشبه بمخطط سري غير معلن. فلم تتحدث السلطات الإسرائيلية رسميًا عن أهدافه أو عن الحد الذي يمكن أن يصل إليه.

لكن قناة "بي بي سي" نقلت عن جيش الاحتلال أن إنشاء الحاجز يأتي "لأغراض دفاعية، لمنع محاولات اقتحام أراضي فلسطين المحتلة"، مؤكدة أنه يندرج ضمن ما يُعرف بـ"مفهوم الدفاع في المنطقة السورية لحماية سكان الجولان".

في المقابل، تحدثت صحف إسرائيلية عن مشاريع بأسماء مختلفة ولا يمكن الجزم إذا ما كانت مرتبطة بالمشروع نفسه أم بمشاريع آخرى.

فقد ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن المشروع يُعرف بـ"خط البراميل"، ويهدف إلى تعزيز الأمن واستكمال الدفاعات الهندسية في المنطقة، مشيرةً إلى أن نحو 15 كيلومترًا من الحاجز الجديد شُيّد على طول الحدود الدولية، على بعد كيلومترٍ إلى كيلومترين شرق السياج الأمني الحالي.

أما صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" فتحدثت عن مشروع آخر تحت اسم "الشرق الجديد"، بدأ ببناء خندق أمني قبل أشهر، دون توضيح إن كان مرتبطًا بخط "صوفا 53" أم يمثل خطة منفصلة.

وفي السياق، قال الكاتب السياسي جعفر خضور في تصريح لـ"الترا صوت" إن "الطابع العام لهذا الطريق لا يوحي بأن الهدف الدفاعي هو الغاية الأساسية منه كما تزعم إسرائيل، بل يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة ترسيم الحدود ورسم ملامح جديدة للمنطقة العسكرية في جنوب سوريا".

وأوضح خضور أن "عرض الطريق يبلغ نحو ثمانية أمتار، ومزوّد بنقاط مراقبة وسواتر ترابية يصل ارتفاعها إلى خمسة أمتار، كما يتجاوز المنطقة العازلة لمسافة تتراوح بين 300 متر وكيلومترين"، مضيفًا أن "خطورة هذا الطريق تكمن في كونه يشكّل إعادة لترسيم حدود القوة وتثبيت واقع جديد أحادي الجانب، وأن تجاوزه للمنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة قوات الأمم المتحدة يمثل انتهاكًا واضحًا لاتفاق عام 1974".

وأشار خضور إلى أن "الآونة الأخيرة شهدت نشاطًا غير مسبوق في محيط قرية بئر عجم في ريف القنيطرة، ما يرجّح أن يكون هذا الطريق تمهيدًا لربط القنيطرة بجبل الشيخ عند أطراف بلدة حضر، لتشكيل خط ميداني يربط بين القواعد العسكرية الإسرائيلية"، موضحًا أن "الاحتمال الأقرب هو أن يتحول هذا الخط مستقبلًا إلى قاعدة عسكرية ومركز لوجستي داعم لمواجهة أي تهديد من الجبهة الشمالية، التي تراها إسرائيل مصدر الخطر الأساسي في المرحلة الراهنة".

تهجير وتدمير منازل في الحميدية

لم تقتصر آثار المشروع على الأبعاد الأمنية، بل امتدت لتشمل أوضاعًا إنسانية متفاقمة. ففي حزيران/يونيو الماضي، هدم جيش الاحتلال الإسرائيلي حيًا كاملًا مكوّنًا من 15 منزلًا في قرية الحميدية لتأمين محيط قاعدة عسكرية جديدة، وهي من القرى التي يمر بها خط "صوفا 53".

تحدث أحد سكان القرية المتضررين (رفض الكشف عن هويته) لـ"الترا صوت": "في مساء يوم الاثنين 16 حزيران/يونيو 2025، دخلت قوة عسكرية إسرائيلية مكوّنة من دبابات وعربات إلى القرية وطلبت مني إخلاء المنزل خلال أقل من نصف ساعة من أجل هدمه، بحجة أنه يعيق عمل قاعدة عسكرية قريبة. لم أستطع نقل سوى بعض الأغراض الضرورية، وشاهدت منزلي يُهدم أمام عينيّ. الآن أسكن عند أحد أقاربي في القرية، وأعمل في الزراعة، ودخلي لا يكفي لاستئجار منزل جديد أو شراء الحاجيات الأساسية".

وأضاف أنه قدّم شكوى إلى المحافظ ومديرية أمن المحافظة، "لكن لم يصل أي رد، وختم بالقول: "لم تستطع الحكومة حمايتنا أو تعويضنا عن تهجيرنا القسري على يد الجيش الإسرائيلي".

لم تقتصر آثار المشروع على الأبعاد الأمنية، بل طالت الأوضاع الإنسانية أيضًا، إذ هدم الاحتلال الإسرائيلي في حزيران/يونيو الماضي 15 منزلاً في حي الحميدية لتأمين محيط قاعدة عسكرية ضمن خط "صوفا 53"

وعن الوضع الإنساني للسكان، أكد خضور أن "المشروع لم يخلُ من أبعاد اجتماعية خطيرة، إذ أدى إلى تجريف نحو ستة آلاف دونم من أراضي محافظة القنيطرة، ولا سيّما أراضي جباتا الخشب، ومنع الأهالي من الاقتراب من ممتلكاتهم".

وأضاف أن "ذلك ترك آثارًا اجتماعية وإنسانية عميقة إلى جانب الانعكاسات الأمنية والعسكرية"، معتبرًا أن "الخطر الجوهري في المشروع يكمن في كونه يرسم الحدود على الجانب السوري بطريقة أحادية، ويفتح الطريق أمام خط إمداد عسكري يربط القواعد المستحدثة بعد سقوط النظام السابق".

الموقف السوري والعجز الدبلوماسي

تكتفي الحكومة السورية بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار عندما تقع هجمات إسرائيلية كبيرة أو غير مألوفة، في ظل عجزها عن كف يد إسرائيل عن توغلاتها اليومية.

ويبدو أن الإدارة السورية تعوّل على المفاوضات الجارية مع تل أبيب للتوصل إلى اتفاق أمني لم يتحقق بعد، بسبب المطالب الإسرائيلية التي تعتبرها دمشق انتهاكًا للسيادة، أبرزها البقاء في قمة جبل الشيخ، وتوسيع المنطقة العازلة، وفرض منطقة حظر طيران.

وعن الموقف الرسمي للحكومة السورية قال الدكتور الكناني إن "الحكومة السورية تدرك جيدًا الأجندة الإسرائيلية القائمة على التوغّل وقضم الأراضي، لكنها غير قادرة حاليًّا على اتخاذ أي موقف تفاوضي أو سياسي، باستثناء بيانات الاستنكار ومحاولات الضغط على الجانب الأميركي لإيقاف التوغّل الإسرائيلي نحو الجنوب"، مضيفًا أن "الموقف السوري لا يرتقي إلى مستوى الرد المطلوب في ظل الاستراتيجية العسكرية التي تفرضها إسرائيل على الأرض".

وفي تجربة سابقة، أثناء أحداث السويداء التي تدخلت فيها إسرائيل بشكل مباشر وضربت أرتالًا للجيش وقوات الأمن السورية، بقي الموقف الأميركي واضحًا في دعمه لإسرائيل.

فقد صرّح المبعوث الأميركي توماس باراك حينها بأنه "يتفهم مخاوف إسرائيل"، دون أي إدانة أو تحفظ على العدوان الإسرائيلي.

وفي مناسبتين على الأقل، جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيده على "سيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل"، وهو ما يُعدّ مؤشرًا واضحًا على غياب أي رغبة أميركية في الضغط على تل أبيب، إن لم يكن رضًا ضمنيًا عن سياساتها الميدانية.

في المحصلة، يظهر "خط صوفا 53" كمشروع إسرائيلي يتجاوز الطابع الدفاعي المعلن، نحو مسعى لإعادة ترسيم حدود النفوذ في الجنوب السوري وفرض واقع ميداني جديد بالقوة.

ومع غياب موقف فعّال من الحكومة السورية وصمت دولي واضح، يظل المشروع شاهدًا على استمرار سياسة التمدد الإسرائيلي داخل الأراضي السورية تحت غطاء الأمن، وعلى عجز المجتمع الدولي عن كبح هذا المسار الذي يعيد صياغة الخريطة الأمنية والسياسية في الجنوب السوري.

كلمات مفتاحية
نوري المالكي

تشكيل الحكومة العراقية.. بين ضغوط الخارج والداخل

تقف عقبات داخلية وخارجية وراء تعثر مسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

الأونروا

واشنطن تستهدف "الأونروا": عقوبات محتملة وتصنيف "إرهابي" قيد البحث

تدرس الولايات المتحدة الأميركية فرض عقوبات متعلقة بالإرهاب على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"

احتفالات السوريين

إلغاء "قانون قيصر".. تحوّل أميركي مفصلي ومسار جديد لسوريا بعد سقوط نظام الأسد

صادق مجلس النواب الأميركي، ليل الأربعاء–الخميس، على إلغاء "قانون قيصر" للعقوبات ضمن التصويت على قانون تفويض الدفاع الوطني للعام المالي 2026

نوري المالكي
سياق متصل

تشكيل الحكومة العراقية.. بين ضغوط الخارج والداخل

تقف عقبات داخلية وخارجية وراء تعثر مسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

منتخب إنجلترا
رياضة

إنجلترا تستعد لكأس العالم 2026 باستخدام الذكاء الاصطناعي

إحدى أبرز مجالات تطبيق الذكاء الاصطناعي في المنتخب الإنجليزي هي ضربات الجزاء

طلاب مدرسة "الفرندز" برام الله
قول

الوظيفة والأدب: لماذا هذه الحرب؟

ثلاثون عامًا في المدارس أعلّم مواقع الهمزة والمحفوظات والمطالعة، أحترق بالوقت المحدّد؛ جرس يدخلني حصة، وجرس آخر يخرجني

الهند
تكنولوجيا

بين الفرص والمخاطر: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الاقتصاد الهندي؟

مع تحول بعض وظائف القطاع التكنولوجي في الهند بسبب الأتمتة والذكاء الاصطناعي، بدأت علامات التباطؤ تظهر على شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى