خط الدفاع الثاني.. هل تتدخّل إيران لمنع سقوط علي الطاهر؟
18 أغسطس 2026
انقضت مهلة الستين يومًا المنصوص عليها في مذكرة التفاهم التي توصلت إليها واشنطن وطهران في 17 حزيران/يونيو في سويسرا بوساطة باكستانية وقطرية، والتي انعكست وقفًا لإطلاق النار في لبنان، وإن بقي هشًا، مع تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت من أي استهداف إسرائيلي بضغط أميركي.
ومع انتهاء فترة الاتفاق، توحي كل المؤشرات بأن المنطقة تعيش لحظة مصيرية وحاسمة عند مفترق طرق بين الانفراج أو الانفجار، لا سيما أن الكباش يحتدم بين التلويح الإيراني بالتصعيد ودعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران إلى رفع الراية البيضاء.
الساحة اللبنانية
في هذه الأثناء، تتجه الأنظار إلى الساحة اللبنانية وخطر انفجارها مجددًا بشكل واسع إذا انهارت المفاوضات الأميركية - الإيرانية، لا سيما أن ترامب أعلن عدم سعيه لتجديد الاتفاق، فيما لوّحت إيران بالانتقال من العمليات الدفاعية إلى الهجومية، وتحديد بنك أهداف جديدة من شأنها إحداث بلبلة عالمية.
وفي هذا السياق، تجدّد طهران تمسكها بالملف اللبناني كجزء أساسي في أي مفاوضات أو اتفاق قد يتم التوصل إليه، بحيث لن يكون ذلك من دون إنهاء الحرب في لبنان. وتتحدث معلومات عن أن هذه الرسالة قد أبلغتها إيران لجميع الوسطاء والمعنيين بلبنان.
هذا الإصرار انعكس بشكل لافت في تصريحات كبير المفاوضين الإيرانيين في الأيام الأخيرة، محمد باقر قاليباف، الذي أعلن استمرار التواصل المباشر مع عناصر حزب الله على الخطوط الأمامية في لبنان، مشيرًا إلى انخراطه في الشأن اللبناني منذ عام 1985.
وقال قاليباف، خلال لقائه مثقفين إيرانيين، إنه كان صديقًا مقربًا لعدد من قيادات وعناصر حزب الله البارزين، مضيفًا: "أنا أعرف فردًا فردًا من هؤلاء الشباب. وحتى هذه اللحظة، أنا على تواصل مباشر مع الشباب على خط المواجهة هناك".
ويُفهم من هذا الكلام أنه رسالة مشفّرة تنطوي على تعبير مجازي حول مستوى التواصل الوثيق بين طهران وحزب الله.
كل المؤشرات تشير إلى أن إسرائيل ماضية في تنفيذ العملية للسيطرة على التلّة الاستراتيجية، وهو ما يتجلى في رفضها المقترحات التي تدعو إلى تولّي الجيش اللبناني مهمة تفكيك البنى التحتية هناك، وإصرارها على تنفيذ ذلك بشكل مباشر
معركة لا بدّ منها
سيواجه تلازم المسار اللبناني الإيراني تحديًا كبيرًا على مشارف معركة يبدو أنه لا بدّ منها، في مرتفعات علي الطاهر في قضاء النبطية، التي تُعتبَر خط الدفاع الثاني بالنسبة لحزب الله في الجنوب، وخسارتها ستكون مكلفة جدًا ميدانيًا.
كل المؤشرات تؤكد أن إسرائيل عازمة على خوض هذه المعركة والاستيلاء على التلّة الاستراتيجية، وهو ما يظهر بشكل جلي من خلال رفضها كل الاقتراحات بأن يتولى الجيش اللبناني الأمر ويقوم بتفكيك البنى التحتية الموجودة هناك، والإصرار على تولّي هذه المهمة بنفسها.
ويربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بين هذه المعركة والاستحقاق الانتخابي في تشرين الأول/أكتوبر، إما لتحقيق مكاسب في حملته أو حتى استغلال الحرب لتطيير الانتخابات.
ضوء أخضر أميركي؟
في هذا الإطار، وبينما تنتظر تل أبيب ضوءًا أخضر أميركيًا قبل التحرّك الحاسم باتجاه مرتفعات علي الطاهر، لا يبدو أن واشنطن منحت إسرائيل الإذن لتنفيذ عملية واسعة النطاق.
وقد تحدثت معلومات في الساعات الماضية عن تدخل أميركي أوقف التصعيد الإسرائيلي خلال نهاية الأسبوع في جنوب لبنان، في ظل اتصالات دبلوماسية حثيثة لمنع انزلاق الأوضاع.
وأفادت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بأن الولايات المتحدة تعمل في المرحلة الحالية على خفض مستوى التصعيد في لبنان وقطاع غزة، في محاولة لتركيز جهودها على المواجهة مع إيران وأزمة مضيق هرمز، فيما تسعى إسرائيل، بحسب الصحيفة، إلى الحفاظ على ما تعتبره "إنجازاتها العسكرية" من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع.
وزعمت "معاريف" أن الجيش الإسرائيلي بات قريبًا من "حسم المعركة" ضد حزب الله في مرتفعات علي الطاهر، التي اعتبرتها موقعًا أساسيًا في المنظومة الدفاعية للحزب في جنوب لبنان.
وبحسب الصحيفة، فإن السيطرة على هذه المرتفعات تحمل أهمية عسكرية كبيرة بالنسبة إلى إسرائيل، إذ يمكن أن تمنح قواتها، في حال توسيع العمليات البرية، قدرة أكبر على التقدم باتجاه البقاع وبيروت، وكذلك غربًا في اتجاه الساحل.
وترى "معاريف" أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحاول الموازنة بين الحفاظ على ما تعتبره مكاسب ميدانية وحماية قواتها، وبين تجنب عمليات واسعة قد تؤدي إلى انفجار الجبهة أو تضع إسرائيل في مواجهة سياسية مع واشنطن.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل تحاول في المرحلة الحالية إبقاء عملياتها ضمن مستوى يسمح لها بالمحافظة على تفوقها الميداني، من دون رفع سقف التصعيد إلى درجة تهدد المسار الدبلوماسي أو تتعارض مع الأولويات الأميركية في المنطقة.
الواقع الميداني
في السياق نفسه، يشير الكاتب السياسي جو متني، في حديث لـ"الترا صوت"، إلى أن "مهلة الستين يومًا لم تكن هادئة كليًا، بل شهدت مناوشات وأكثر من عملية عسكرية أميركية في إيران، في المقابل كانت البحرية الإيرانية تهاجم ناقلات النفط في مضيق هرمز، والصواريخ تطال بعض الدول الخليجية".
ويضيف: "الاتفاق بين إيران وأميركا كان مخروقًا، ولم يلتزما به كما كان منصوصًا عليه، وهذا بالطبع ينعكس سلبًا على لبنان، لا سيما أنه ورقة أساسية بالنسبة لإيران للتصعيد في وجه إسرائيل، التي تردّ بشكل يومي يطال قرى عدة في الجنوب، وتستهدف قادة في حزب الله، كما جرى في اليومين الماضيين".
وفيما يتجلّى هذا الكباش الكبير في معركة علي الطاهر المرتقبة، يذكّر متني بأن "إسرائيل بدأت منذ نحو شهر بعمليات شبه يومية في تلة علي الطاهر، حيث تشنّ غارات كثيفة عليها وتحرق الأحراج المحيطة بها، ربما لكشف منافذ الأنفاق المقامة هناك، فيما يقدّر الجيش الإسرائيلي وجود عشرات المقاتلين هناك، زاعمًا وجود عناصر إيرانيين إلى جانب عناصر حزب الله".
وبناءً على الوقائع الميدانية، يلفت متني إلى أن "التلة باتت شبه ساقطة عسكريًا، وربما تستخدم إسرائيل أسلحة ثقيلة لتفجير الأنفاق الموجودة تحتها قبل الدخول إليها ميدانيًا".
وحول أهمية هذا الموقع الاستراتيجي، يقول: "علي الطاهر هي البوابة نحو منطقة جزين، والسيطرة على هذا الموقع ستوفّر لإسرائيل سيطرة كاملة على منطقة جنوب الليطاني".
الفراغ الأممي
أمام التطورات الميدانية والتغيّرات الكبرى، وعلى بُعد أربعة أشهر من انتهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، يطرح التحدي الكبير نفسه: من سيملأ الفراغ الأممي جنوبًا؟
السؤال يبدو مرتبطًا إلى حد كبير بالمفاوضات القائمة بين لبنان وإسرائيل، لجهة الهيئة الدولية أو الفريق الثالث الذي سيتولى مهمة التحقق من تنفيذ اتفاق الإطار بين البلدين.
وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد أعلن، الاثنين، أن لبنان لن يقبل بالفراغ الأممي، وإذا لم يكن هناك مجال للتمديد لـ"اليونيفيل"، فلا بد من قوة أممية أخرى في الجنوب.
وسيقود لبنان مسعى دوليًا في هذا السياق، من محطاته الزيارة المرتقبة لعون إلى إيطاليا، حيث سيثير بشكل أساسي هذا الاستحقاق، خصوصًا أن روما تنال رضى مختلف الأطراف، وتلعب دورًا محوريًا ضمن "اليونيفيل"، كما في إطار المباحثات القائمة واحتضانها جولات التفاوض الأخيرة.
هل تردّ إيران؟
تسابق المساعي السياسية والدبلوماسية الواقع الميداني الساخن. فبين جولة علي الطاهر وجولة روما الثالثة المؤجلة، قد يرتسم واقع جديد يفرض نفسه على المسارات، من جنوب لبنان إلى هرمز.
وفي ظل موازين القوى القائمة، يحضر السؤال الأهم حول المواجهة المرتقبة: هل ستتدخل إيران عسكريًا إذا توسّعت إسرائيل شمال الخط الأزرق واستولت على علي الطاهر؟ وهل ستسمح واشنطن بانزلاق الأمور؟










