خطوة مفاجئة نحو واشنطن.. ماذا يريد مادورو؟
2 يناير 2026
أبدى الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، انفتاحًا غير متوقّع على التفاوض مع الإدارة الأميركية، رغم تصعيد واشنطن واتهاماتها المتكررة بضلوع النظام الفنزويلي في تهريب المخدرات.
حملت هذه الخطوة أبعادًا عديدة، قسمت المواقف حولها بين من يراها بداية مسار تفاوضي جاد، ومن يرى فيها محاولة لشراء الوقت وتخفيف الضغط.
ولفهم المشهد الحالي لا بد من العودة قليلًا إلى الوراء، إلى أيلول/سبتمبر 2025، حين نفّذت القوات الأميركية نحو ثلاثين ضربة في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، استهدفت زوارق يُشتبه بأنها متورطة في تهريب المخدرات من وإلى فنزويلا.
وكانت هذه العمليات قد أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص، بحسب وزارة الدفاع الأميركية، دون تقديم دلائل قاطعة على طبيعة الحمولة أو الجهة المالكة لتلك الزوارق، ما دفع كراكاس لاتهام واشنطن بـ"العدوان وخلق ذرائع للهيمنة".
بدوره صعّد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خطابه ملمّحًا إلى تنفيذ هجوم بري دمّر رصيفًا بحريًا داخل الأراضي الفنزويلية، يُستخدم، بحسبه، كمركز عمليات لتهريب المخدرات. لكنه لم يُحدد موقع الضربة، في حين لم تؤكد الحكومة الفنزويلية أو تنفِ الحادثة، واكتفى مادورو بالقول: "قد يكون هذا موضوعًا نناقشه في غضون أيام قليلة".
مادورو يفاجئ الجميع
رغم هذه الأجواء المتوترة، خرج مادورو، أمس الخميس، في مقابلة تلفزيونية مع محطة "في تي في" الرسمية، مؤكدًا استعداده للتفاوض حول قضايا مثل مكافحة المخدرات، وتسهيل الاستثمارات النفطية الأميركية، بل ومناقشة اتفاقات اقتصادية طويلة الأمد. وقد قال: "إذا كانوا يريدون مناقشة اتفاق جاد لمكافحة تهريب المخدرات، فنحن مستعدون. وإذا كانوا يريدون النفط من فنزويلا، فإن فنزويلا مستعدة لاستثمارات أميركية، كما هو الحال مع شركة شيفرون، متى وأينما وكيفما يريدون".
رج مادورو، أمس الخميس، في مقابلة تلفزيونية مع محطة "في تي في" الرسمية، مؤكدًا استعداده للتفاوض حول قضايا مثل مكافحة المخدرات، وتسهيل الاستثمارات النفطية الأميركية، بل ومناقشة اتفاقات اقتصادية طويلة الأمد
يُعد هذا التحول في الخطاب تطورًا لافتًا في اللغة الرسمية لفنزويلا التي طالما اتهمت واشنطن بالتآمر والانقلاب ومحاولة السيطرة على مواردها النفطية.
ما الذي يريده مادورو؟
بدا نيكولاس مادورو في المقابلة الأخيرة وكأنه يرسم خريطة نجاة سياسية في لحظة خانقة. فمنذ سنوات، تقف فنزويلا على حافة العزلة الدولية، تثقلها العقوبات الأميركية والأوروبية، ويطاردها شبح الانهيار الاقتصادي والتضخم المفرط ونزيف الهجرة الجماعية.
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات مادورو كمحاولة مدروسة لكسر هذا الطوق، عبر إبداء الاستعداد لفتح قنوات حوار مع واشنطن حول قضايا محددة، مثل مكافحة تهريب المخدرات والاستثمارات النفطية.
لكن خلف هذه اللغة البراغماتية، هناك هدف أهم هو تقليل الضغط العسكري والأمني الأميركي، عبر تقديم عرض يبدو واقعيًا ومحددًا وليس عبر المواجهة والصدام، بما يسمح بتهدئة الجبهة دون تقديم تنازلات سياسية كبرى، ذلك أن النظام الفنزويلي يسعى من خلال هذا الخطاب إلى إيصال رسالة مزدوجة، للداخل والخارج معًا، يقول فيها إن فنزويلا منفتحة على الحوار، لكنها ليست في موقع الخضوع والتبعية.
وفي بلد تتقلص فيه الخيارات يومًا بعد يوم، تبدو هذه المبادرة أيضًا محاولة لشراء الوقت، وتمديد شريان البقاء عبر الاستثمارات الأميركية المحتملة، كما حدث سابقًا مع شركة "شيفرون". إنها لحظة سياسية دقيقة، يختبر فيها مادورو حدود المناورة، بين ثقل العقوبات وإغراءات الانفراج.
هل تقبل واشنطن العرض؟
من غير المرجح أن تستجيب واشنطن فورًا لمبادرة مادورو بالشكل الذي يتصوّره، لكن ثمة احتمال لتفعيل قنوات تقنية جزئية، خصوصًا في قطاع الطاقة أو مكافحة الكارتلات، بشرط ألا يُفسَّر ذلك سياسيًا كاعتراف بشرعية النظام.
ربما تفضّل الإدارة الأميركية التصعيد الرمزي مع النظام الفنزويلي بدلًا من القبول السريع بأي مبادرة تصدر عنه، إلا إذا وُجدت ضمانات قوية تحقّق مكاسب داخلية أو اقتصادية واضحة، خاصة في ملف الهجرة والحدود.
بهذا الشكل، تدخل المواجهة الأميركية – الفنزويلية مرحلة جديدة من الغموض الاستراتيجي، حيث تختلط العروض البراغماتية بخطابات القوة. وتبقى فنزويلا ساحة مفتوحة لاختبار قدرة السياسة على تجاوز الواقع الأمني والغضوط العسكرية، فيما تمضي واشنطن في استخدام ورقة "مكافحة المخدرات" كغطاء لصراع أوسع على الموارد والنفوذ في أميركا اللاتينية.