خطة "غزة الجديدة": وعود استثمارية والكارثة الإنسانية مستمرة
24 يناير 2026
عرض جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، خطة متكاملة قال إنها تهدف إلى النهوض الاقتصادي والأمني بقطاع غزة، مشترطًا نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ومتعهدًا بتوفير فرص استثمارية واسعة في القطاع.
وأوضح كوشنر أن خطته تقوم على تنفيذ عمليات هدم واسعة يعقبها إنشاء ما وصفه بـ"غزة الجديدة"، لتضم مختلف القطاعات الصناعية وتتحول، بحسب قوله، إلى مكان يزدهر فيه السكان وتتوفر فيه فرص عمل قوية.
مدينة فاضلة على أنقاض الحرب
وخلال العرض، قدّم كوشنر صورًا تصورية لما ستكون عليه غزة مستقبلًا، متحدثًا عن ناطحات سحاب زجاجية بشرفات مطلة على البحر، تحيط بها المتنزهات، ومشيرًا إلى إنشاء مدينة حديثة على شاطئ البحر المتوسط تحل مكان القطاع الذي دمرته الحرب الإسرائيلية.
وقال كوشنر إن "مدنًا كهذه تُبنى بالفعل في الشرق الأوسط"، مضيفًا أن بناء مدن تستوعب مليونين أو ثلاثة ملايين شخص خلال ثلاثة أعوام "أمر قابل للتنفيذ إذا جرى العمل عليه".
ودعا إلى ضخ استثمارات لا تقل عن 25 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات العامة التي دمرت، معتبرًا أن الخطة "قد تشكل أملًا" وأن يتحول القطاع إلى وجهة تتوفر فيها صناعات متعددة تتيح فرص الازدهار للسكان.
في المقابل، يُطرح هذا التصور في ظل واقع ميداني بالغ القسوة، إذ يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة، وسط تصاعد مستمر في أعداد الضحايا وفق ما أفادت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، حيث بلغت الإحصائية التراكمية منذ بداية العدوان في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى 20 كانون الثاني 2026 إلى ارتفاع عدد الشهداء إلى 71.562، فيما بلغ عدد المصابين 171.379.
من جهته، أكد مكتب الإعلام الحكومي في غزة أن الدمار طال أكثر من 90% من البنية التحتية المدنية، ونحو 300 ألف وحدة سكنية. وأشار المكتب، استنادًا إلى المعطيات الميدانية الموثقة، إلى ارتفاع عدد الوفيات الناتجة عن البرد الشديد منذ بدء الإبادة الجماعية وحتى كانون الثاني 2026 إلى 21 شهيدًا، جميعهم من نازحي مخيمات الإيواء القسري، بينهم 18 طفلًا.
وأضاف المكتب أن قوات الاحتلال سيطرت بالقوة العسكرية على نحو 55% من مساحة قطاع غزة، وأن أكثر من 112 ألف طن من المتفجرات أُلقيت على القطاع خلال عام 2025.
خطة متعددة المراحل لإعادة الإعمار
وبحسب كوشنر، تتضمن الخطة أربع مراحل لإعادة إعمار قطاع غزة. ووفق العرض، تركز المرحلة الأولى على رفح وخان يونس جنوبي القطاع، قبل الانتقال في المرحلة الثانية إلى توسيع نطاق الإعمار في خان يونس.
أما المرحلة الثالثة، فتشمل تطوير المخيمات الرئيسية في غزة، في حين تركز المرحلة الرابعة والأخيرة على إعادة إعمار مدينة غزة شمالي القطاع.
وتتضمن الخطة إنشاء ميناء ومطار جديدين، إضافة إلى شبكة قطارات وطرق رئيسية ودائرية لربط مدن القطاع، إلى جانب تخصيص جزء كبير من ساحل غزة للسياحة الشاطئية، مع إنشاء 180 برجًا للاستخدامين السكني والتجاري. كما جرى تقسيم المناطق الداخلية إلى مناطق سكنية ومجمعات صناعية ضخمة على مساحة 25 كيلومترًا مربعًا، تضم مراكز بيانات ومنشآت إنتاج.
وأمام هذه الخطة التي عرضها صهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، لمراحل إعمار قطاع غزة، كان معهد أبحاث كوينسي الأميركي قد كشف أن الولايات المتحدة قدّمت مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة لا تقل عن 21.7 مليار دولار منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 تشرين الأول 2023 وحتى تشرين الأول 2025.
وأوضح التقرير أن إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قدمت نحو 17.9 مليار دولار من هذه المساعدات، في حين أضافت إدارة الرئيس دونالد ترامب 3.8 مليارات دولار أخرى.
مشروع إماراتي مشروط بالرقابة الأمنية في رفح
وفي هذا السياق، تخطط دولة الإمارات العربية المتحدة لتمويل ما تصفه بـ"أول مجتمع مخطّط في غزة"، وذلك في الأطراف المدمّرة لمدينة رفح، في جنوب القطاع. وبحسب وثائق تخطيطية حصلت عليها الـ"الغارديان" وأشخاص مطّلعين على أحدث جولة من المحادثات في مركز التنسيق المدني-العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في إسرائيل، فإن الفلسطينيين الذين سيقيمون في هذا المجتمع سيتمكنون من الوصول إلى خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والمياه الجارية، مقابل الخضوع لجميع البيانات التعريفية وإجراءات تدقيق أمني.
وقال مسؤول أميركي إن المجمع الأول المموّل إماراتيًا قد يشكّل نموذجًا لسلسلة من المخيمات السكنية التي يصفها مسؤولون أميركيون وإسرائيليون بأنها "مجتمعات آمنة بديلة". ووفق المخططات، يُنظر إلى مجتمع رفح الأول بوصفه "دراسة حالة"، تتضمن إجراءات تهدف إلى الحد من نفوذ حركة حماس، من بينها اعتماد محافظ إلكترونية بالشيكل للحد من تحويل السلع والأموال، إلى جانب منهج تعليمي غير قائم على حماس يتم توفيره من قبل الإمارات.
وتشير الوثائق إلى أن السكان سيتمكنون من الدخول والخروج بحرية، لكن بشرط الخضوع لفحوصات أمنية لمنع إدخال الأسلحة أو ما وُصف بـ"العناصر المعادية"، من دون تحديد الجهة التي ستتولى تنفيذ هذه الإجراءات.
وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن أعمال تجهيز الأرض في موقع رفح بدأت بالفعل، موضحًا أن مهمة الجيش شرق الخط الأصفر تتمثل في إزالة البنية التحتية القائمة، بما في ذلك الأنفاق والمنازل المفخخة. وأضاف أن إسرائيل لن تشارك في بناء أو إدارة المجمع الإماراتي، على أن يبدأ دور قوة الاستقرار الدولية المقترحة عند انطلاق مرحلة البناء الميداني.
وبحسب جدول زمني حصلت عليه "الغارديان"، بدأت مراجعة سندات الملكية للأراضي في أواخر تشرين الأول، وستستغرق التحضيرات من أربعة إلى ستة أشهر قبل بدء البناء. وحذّر مصدران مطّلعان من أن ثبوت ملكية فلسطينيين للأراضي قد يعرّض الجهات الممولة للمساءلة بتهمة التهجير القسري، وهو ما يُعد جريمة حرب.
وأعرب المفاوض الإسرائيلي السابق دانيال ليفي عن شكوكه في تنفيذ المشروع، معتبرًا أن الخطة، حتى دون تنفيذها، تمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا لمواصلة إخلاء المنطقة بالقوة. وقال إن مشاركة الإمارات تتيح لإسرائيل الادعاء بأن الإعمار يجري بدعم دولة عربية، ما يصرف الأنظار عن واقع السيطرة العسكرية الواسعة.
ووفق "الغارديان"، يرى مراقبون أن نجاح "دراسة الحالة" الأولى قد يشجّع على تكرار النموذج، في حين تبقى بقية غزة غارقة في الدمار، في سيناريو قد يخدم إسرائيل سياسيًا عبر إبراز نماذج محدودة من "غزة مستقرة" مقابل واقع أوسع من التهجير والتدمير المستمر.
أهداف اقتصادية بعيدة المدى
وبحسب ادعاء كوشنر، تهدف الخطة التي عرضها في دافوس إلى رفع حجم اقتصاد غزة خلال عشر سنوات إلى أكثر من 10 مليارات دولار، وزيادة متوسط دخل الأسرة السنوي ليتجاوز 13 ألف دولار.
وفي ما يتعلق بنزع السلاح، قال كوشنر إن الأسلحة الثقيلة ستُنزع فورًا، في حين سيجري نزع الأسلحة الخفيفة تدريجيًا حسب مناطق القطاع، على أن تتولى الشرطة الفلسطينية هذه المهمة. وأضاف أن إعادة الإعمار ستقتصر على المناطق التي يتم نزع السلاح منها بالكامل.
أسئلة مفتوحة حول مصير النازحين والمعابر
في المقابل، لم يقدّم كوشنر أي توضيحات بشأن مصير مئات آلاف النازحين خلال فترة إعادة الإعمار. كما غابت عن طرحه أي إشارة إلى قضايا حقوق الملكية أو آليات تعويض الفلسطينيين الذين فقدوا منازلهم وأعمالهم وسبل عيشهم خلال الحرب، في وقت تواصل فيه إسرائيل إغلاق معبر رفح ومنع إدخال الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء.
ونقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصدر أمني قوله إنه لم تصدر "تعليمات جديدة" بشأن فتح معبر رفح. كما قالت ثلاثة مصادر مطلعة لوكالة رويترز إن إسرائيل تسعى لتقييد عدد الفلسطينيين العائدين إلى غزة عبر المعبر، بما يضمن أن يكون عدد الخارجين من القطاع أكبر من الداخلين، قبل فتحه المتوقع.
وفي الوقت نفسه، لم يرد ذكر قطاع غزة بشكل نهائي في ميثاق "مجلس السلام" الذي أعلن ترامب، ما يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول مصير الخطة وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع.