خطة أنجيلا ميركل ضد المتنمرين مثل ترامب

خطة أنجيلا ميركل ضد المتنمرين مثل ترامب

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (توماس لوهنيس/Getty)

ربما لا تبدو ميركل من الوهلة الأولى المشغّل الأكثر صرامة: إنها معسولة اللسان، غير مهيبة جسديًا، وتفتقر إلى الكاريزما. لكن إذا كان دونالد ترامب يعتقد أنه يمكنه إكراه المستشارة الألمانية على الخضوع لأوامره، أو على الأقل الابتعاد عن طريقه، فربما يمكنه استشارة زميله في المحاكاة الساخرة للتنمر شديد الذكورية، فلاديمير بوتين. يعتبر الرئيس الروسي، الذي يدفع اقتصاده الآن ثمن اختبارها في أوكرانيا، ميركل "شخص خطير"، الوحيدة من بين أقرانها الأوروبيين القادرة على مواجهته، حسب المنشق الروسي ميخائيل خودوركوفسكي...هكذا بدأ بول هوكينوس، الكاتب الأمريكي المقيم في برلين، مقاله بمجلة فورين بوليسي الأمريكية.

تفتخر ميركل بحذرها، وقد رفضت حتى الآن أن تشرف انتقادات ترامب لسياستها المتعلقة باللاجئين والتي اعتبرها "خطأ كارثيا" برد مباشر

لكن سجل المستشارة المذهل في التفوق في الحيلة والمناورة والقدرة على البقاء على خصومها الذكور الواثقين بأنفسهم بدأ قبل أن يظهر بوتين على الساحة. توفر إنجازاتها الخطوط العريضة لخطةٍ موثوقة للتعامل مع المتنمرين، كما تتوافق بشدة، ليس من قبيل المصادفة، مع خطة أكبر مستشاريها للسياسة الخارجية المكونة من خمس نقاط لمواجهة ترامب.  

اقرأ/ي أيضًا: ميركل التي تحارب وحدها

تفتخر ميركل بحذرها وهدوءها، وقد رفضت حتى الآن أن تشرف انتقادات ترامب المتكررة لسياستها المتعلقة باللاجئين والتي اعتبرها "خطأً كارثيًا" بردٍ مباشر. لكنها لم تضع وقتًا في الرد بقوة على حظر الرئيس للهجرة والذي يمنع دخول اللاجئين وآخرين من عدة بلدان ذات أغلبيةٍ مسلمة، مذكرةً ترامب بالحق الدولي في اللجوء الإنساني المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف. في مؤتمرٍ صحفي يوم الاثنين، لم تذوّق ميركل الأمر: "إن الحرب الضرورية والحازمة ضد الإرهاب لا تبرر بأي شكل اشتباهًا عامًا بجميع الأشخاص الذين يشتركون في عقيدةٍ بعينها، وهم المسلمون في هذه الحالة، أو الأشخاص القادمين من خلفياتٍ بعينها". تنافي الإجراءات التي تبنتها إدارة ترامب الفلسفة الأساسية للمساعدة الدولية للاجئين والتعاون الدولي، تابعت ميركل.

من اللحظة الأولى من حقبة ترامب، أشارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى أنها لن تلعب دور الضحية. بمجرد علمها ليلة الانتخابات أن دونالد ترامب سوف يصبح الرئيس القادم للولايات المتحدة، أصرت ميركل على أن تستمر علاقة ألمانيا بالولايات المتحدة ضمن الحدود التقليدية لحلف شمال الأطلنطي، قائمةً على القيم المشتركة المتمثلة في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. أكدت ميركل تحديدًا على احترام "كرامة الفرد، أيًا كان أصله أو لون بشرته أو عقيدته أو جنسه أو ميوله الجنسية أو آراءه السياسية. على أساس هذه القيم، تابعت ميركل، "أعرض التعاون الوثيق على الرئيس المستقبلي للولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب".

يقول المطلعون على بواطن الأمور ببرلين إن الحكومة الألمانية قلقة بشدة من الرئيس الجديد وفريقه وغير واثقة مما إذا كان لديه أي إيمانٍ على الإطلاق بحلف شمال الأطلنطي. من بين المشكلات الأخرى، تقلق ألمانيا بشدة من أنه سوف يفسد الاتفاق الهش في أوكرانيا عبر إنهاء العقوبات المفروضة على روسيا، أو عدم منح حلف الناتو الاهتمام الكافي، أو من خلال إما التدخل في أو مفاقمة الصدوع القائمة في الاتحاد الأوروبي. تحدث ترامب وميركل عبر الهاتف بعد ظهيرة يوم الأحد، للمرة الأولى منذ تنصيبه، حيث ناقشا مجموعة واسعة من القضايا من بينها حلف الناتو والوضع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والصراع في أوكرانيا والعلاقات مع روسيا بما في ذلك العقوبات.

الحكومة الألمانية قلقة بشدة من ترامب وفريقه وغير واثقة مما إذا كان لديه أي إيمانٍ على الإطلاق بحلف شمال الأطلنطي

رغم أنها فوجئت بفوز ترامب، إلا أن الحكومة الألمانية سارعت إلى إيجاد استراتيجيةٍ للتعامل معه. بالفعل، لدى ميركل خطة، وهي خطة تبني على خبرتها الكبيرة في مواجهة المتنمرين من نوع "ذكر ألفا"، والتي تتضح في الدزينة أو أكثر من فراء الرؤوس التي تزين بالفعل زنارها.

من المرجح أن أغلب الغرباء قد نسوا لحظة مبكرة فارقة خلال صعود ميركل السريع في السياسة الألمانية، وهي لحظة تخليها المبدئي الجريء وغير العاطفي عن معلمها السياسي، المستشار السابق هلموت كول. صدمت الخطوة الدراماتيكية لميركل عام 1999 البلاد وكشفت عن الكيفية التي سوف تتعامل بها مع ذكور ألفا الفاسدين في السنوات التالية. كرئيسةٍ لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الجديد آنذاك، عزلت ميركل، التي كانت تدين بمسارها السياسي بكامله لرعاية كول، كول من منصبه كرئيسٍ شرفي للحزب (وصانع الملوك الحقيقي) دون اتباع الرسميات المعتادة لإدارته حساباتٍ بنكية سرية خاصة بالحزب تبلغ قيمتها ملايين الدولارات. باسم المبدأ، أقصت ميركل كول من المجال السياسي الألماني.

لتصور مدى جرأة هذه الخطوة، يلفت هوكينوس النظر إلى أن ميركل كانت ما تزال آنذاك فرخًا سياسيًا صغيرًا نسبيًا. بعد فترةٍ قصيرة من سقوط حائط برلين، اختار كول النكرة البالغة من العمر 37 عامًا من ألمانيا الشرقية، وهي فيزيائية تبدو عليها السذاجة ليس لديها أي سجل سياسي، كي تكون جزءًا من وزارته، ومن هذا المنصب رعاها إلى مناصب سلطة أعلى، لتصل في النهاية إلى رقم 1 في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي عام 1998. كانت ميركل تسمى "فتاة كول"، وبدا أنها تقبل على استحياء هذا الدور. كان كول، في المقابل، رجل دولة ذو شهرةٍ عالمية، شخصٌ قدّر له دخول كتب التاريخ لهندسة الوحدة الألمانية وإعادة تعريف الديمقراطية المسيحية الألمانية. لكن ميركل فعلت الصواب – كانت الحسابات السرية لتمويل فروع الحزب غير قانونية بالكامل – وتمسكت بموقفها عندما لاحقها مخلصو الحزب صارخين "خيانة".

بطرقٍ عديدة، بشر تخلي ميركل البارد عن كول بالكيفية التي سوف تتعامل معها مع سلسلةٍ طويلة من الخصوم الذكور في المجال السياسي الألماني، إلى جانب كيفية تعاملها في أعوامٍ لاحقة مع أمثال نيكولا ساركوزي ورجب طيب إردوغان وبوتين، وهي تظهر نيتها الكاملة لاستخدام ذات الأسلوب تقريبًا مع ترامب. في اليوم الذي سبق التنصيب، أصدر كاتم أسرارها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية كريستوف هيوسجين، في خطوةٍ غير مسبوقةٍ تمامًا، ورقة سياسات من خمس نقاط تتعلق بالعلاقات عبر الأطلنطي في حقبة ترامب. باختصار: لن تعامل ألمانيا ترامب برفق بالطريقة التي يبدو أن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تميل إليها. التالي هي الخمس نقاط التي تحدث عنها هيوسيجين: 

لا خطوات مفاجئة: الصبر الاستراتيجي مطلوبٌ في البداية، حسب هيوسجين. على نحوٍ مفهوم، قالت المستشارة إنها ترغب في رؤية ما الذي يوجد حقيقةً في جعبة ترامب فيما يتعلق بأوروبا قبل أن تتحرك ألمانيا.

اقرأ/ي أيضًا: بعد هجوم برلين..ميركل تواجه لحظة الحساب

لن يكون ذلك صعبًا على ميركل، حيث أنه أساس مسارها المهني، خاصةً عند التعامل مع أشخاصٍ متهورين غير قابلين للتوقع، سواء كانوا ألمانًا أو روسًا أو أمريكيين، وهو الجانب المغروس بعمق في تنشئتها. ما ينتقده البعض على أنه افتقادٌ للعاطفة هو في الواقع برجماتية رزينة صُقلت نتاج ثلاثة عقود من العيش كابنة قسيس في ألمانيا الشرقية، التي كانت دولة شيوعية استبدادية. انتظرت ميركل خطوات الحكومة، مبقيةً على أوراق اللعب الخاصة بها بين أيديها (يشير بعض المعارضون السابقون من ألمانيا الشرقية إلى أنها انتظرت طويلًا للغاية قبل التدخل – حتى بعد انهيار الشيوعية).

جزءٌ محوري من سلوك ميركل هو صبرها الفولاذي، والذي يجعل من المستحيل ابتلاعها طعمًا. "إنها ليست مثل ميريل ستريب، والتي استفزت إلى رد فعلٍ عاطفي ضد ترامب"، قالت كارولين فيتشر، وهي كاتبة عمود في صحيفة دير تاجشبيجل الألمانية. "لقد صعدت في المجال السياسي الألماني في حزبٍ يهيمن عليه الرجال الصاخبين من ألمانيا الغربية. شاهدتهم، وهي المرأة الألمانية الشرقية، عن كثبٍ شديد لتحديد مواطن قوتهم وضعفهم، لكنها لم تحاكيهم أبدًا".

جزءٌ محوري من سلوك ميركل هو صبرها الفولاذي، والذي يجعل من المستحيل ابتلاعها طعمًا.

تزعم فيتشر أن ميركل استغلت ذلك الاحتياطي لصالحها مرةً بعد أخرى. "ميركل ليست ألفا وهو ما يؤدي إلى الاستخفاف بها"، قالت فيتشر. "لكنها تفكر، وتلاحظ. إنها عادةً ما تبدو غامضة، لكن لديها شغفٌ بالسلطة. يساعدها ذلك مع المتغطرسين لأنها لا تهابهم. إنها ليست أحد الأولاد، كما أنه لا يمكن للرجال اللعب على أنوثتها لأن ذلك لا يصلح معها أيضًا. إنها لا تلعب على نفس رقعة الشطرنج التي يلعبون عليها، وذلك يحيرهم".

بالنسبة لبوتين، قد تكون واقعة جرت أحداثها عام 2007 هي التي قادته إلى احترامها حتى قبل أن ترد على ضم القرم. في مقر إقامة بوتين الصيفي بمدينة سوتشي الروسية، ظلت ميركل، التي يعرف عنها خوفها من الكلاب، هادئة بل ورسمت ابتسامة على وجهها عندما سمح الزعيم الروسي بدخول كلبته كوني من نوع اللابريدور، والتي تجولت في الغرفة قبل أن تستقر أخيرًا بجوار قدمي ميركل. حافظت ميركل على هدوء أعصابها ورفضت مهاجمة بوتين فيما بعد، رغم أن المراقبين الألمان اعتبروا ذلك استفزازًا جريئًا متعمدًا. أخبرت ميركل الصحافة الألمانية عقب الواقعة أن الأنواع غير الواثقة فقط هي التي تلجأ إلى مثل تلك الحيل. ومن خلالها، أضافت ميركل، يمكن اكتشاف نقاط ضعفهم.

الاستعراض قليلًا: اعترفت ميركل أن أحد دعائم ترامب هو فشل ألمانيا في الوفاء بالتزامها كعضوٍ في حلف الناتو بإنفاق 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. من الواضح أن برلين قد تلقت الرسالة وتنوي إنفاق المزيد، إن لم يكن 2 بالمئة بالكامل، وهو ما لن يكون شعبيًا من الناحية السياسية.

لكن شعارات ترامب تضمنت إهانة: أن ألمانيا وبقية أعضاء حلف الناتو لا يفعلون الكثير فيما يتعلق بالأمن على الإطلاق، لكنهم ببساطة يتعلقون بأذيال الولايات المتحدة. يقول بيان هيوسجين إن على ألمانيا أن تتباهى بما يمكنها فعله وما فعلته على المستوى الجيوسياسي.

لا تحب ميركل الاستعراض؛ على العكس، التهوين هو فن استطاعت إجادته. لكن ميركل أشرفت على سياسةٍ خارجية وأمنية أحرزت العديد من الانتصارات، لكنها ليست من النوع الذي يعتقد الصقور مثل ترامب أنه ذو أهمية. تميل تلك النجاحات إلى أن تتضمن تنازلاتٍ كبيرة ومفاوضاتٍ طويلة وشاقة، مثل تلك التي حدثت في ذروة أزمة منطقة اليورو – والتي أبقت على وحدة الاتحاد الأوروبي (حتى الوقت الحالي على الأقل) – وفي التوصل إلى اتفاقٍ مع تركيا بشأن اللاجئين، والذي خفض في 2016 عدد اللاجئين الواصلين من الشواطئ التركية.

لنعود إلى روسيا مجددًا. عندما ضمت روسيا القرم عام 2014 ثم تبعت ذلك بتشجيع وتسليح الانفصاليين الروس في شرق أوكرانيا، بدا وكأن القوات الموالية لروسيا سوف تتقدم مباشرةً إلى أوديسا. لكن ألمانيا قادت الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، ورغم أن الروس لم يتوقفوا فورًا، إلا أنهم فعلوا في النهاية. ناشد الصقور الأمريكيين الأوروبيين بالرد عسكريًا، لكن ميركل استبعدت ذلك، مستوعبةً أن ذلك قد يشعل حربًا شاملة مع روسيا. اتفاقات مينسك التي تم التوصل عليها بوساطةٍ ألمانيا أبعد ما تكون عن الكمال (حيث لم تناقش قضية القرم من الأساس)، لكنها أوقفت أخيرًا أسوأ فصول المذبحة، وحافظت رسميًا على وحدة أراضي أوكرانيا، وقدمت قوة حفظ سلام مدنية إلى البلاد. بدلًا من ردٍ عسكري، قادت ألمانيا فرض عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا، والتي ما تزال روسيا تتضرر منها حتى اليوم.

عندما تدخلت روسيا في أوكرانيا، قادت ألمانيا الجهود لإنهاء الحرب، ورغم أن الروس لم يتوقفوا فورًا، إلا أنهم فعلوا في النهاية

أكد هيوسجين على مساهمات ألمانيا الأخرى: جنود البوندسفير في لاتفيا، السفن الحربية الألمانية في بحر إيجة، مروحياتٍ عسكرية في مالي. تشارك ألمانيا في مهمات حفظ سلام في مختلف أنحاء العالم. يمكن لميركل أن تفعل المزيد، مشيرًا إلى أن ألمانيا تنفق نسبةً أعلى بكثير من ميزانيتها على مساعدات التنمية مما تفعل الولايات المتحدة، والتي يعتقد بعض المراقبون أنها سوف تفعل الكثير للحفاظ على الاستقرار الدولي مقارنةً بالاستثمرار في التسليح. بلغ إجمالي ما دفعته دول الاتحاد الأوربي الثمان والعشرين على هيئة مساعدات ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما دفعته الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وهو ما يعود فيه الفضل إلى ميركل.

اعقد (أو ارفض) صفقة: تؤكد المستشارية أن على ألمانيا التحدث بلغةٍ يفهمها جانب رجل الأعمال في شخصية ترامب. كانت تلك فيما يبدو نصيحة وجهها أوباما لميركل في جولته الأخيرة عبر أوروبا أواخر عام 2016. يعتقد الألمان أن رجل أعمال سوف يستمع إلى منطق الأموال، لكن جميع المؤشرات حتى الآن تشير إلى أن ذلك لا يتجاوز كونه مجرد تفكير بالتمني من جانبهم.

بدلًا من ذلك، من المرجح أن ميركل سوف تجد نفسها قريبًا مجبرة على قبول أن أي صفقات مع ترامب عليها أن تمر من خلال فكرته الخاصة عن المصالح الأمريكية. هنا، توضح سيرتها الذاتية أنها لن تستسلم إذا كانت تعتقد أن قيم ألمانيا على المحك، سواء كانت حقوق الإنسان أو المعايير الدولية. الصفقة التي يتوقعها الكثير من الأوروبيين هي نوعٌ من المقايضة لإسقاط العقوبات ضد روسيا (ربما تتضمن تخفيضًا روسيًا لمخزونات الأسلحة النووية). تضررت العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا من العقوبات وسوف ترحب بإلغائها. يعتقد البعض أن هذا ربما يكون ما تتفاوض عليه تيريزا ماي في الوقت الحالي مع الرئيس الأمريكي.

لكن ميركل كانت حازمة عندما يتعلق الأمر بالقيم الأساسية للنظام الليبرالي لأوروبا، ويعد المثال الأشهر لذلك هو سياسة الهجرة المثيرة للجدل الخاصة بها. رغم أنها قطعت طريقًا طويلًا من سياسة الحدود المفتوحة لعام 2015 (وانخفض عدد اللاجئين الداخلين إلى ألمانيا بمقدار حوالي ثلاثة أرباع)، رفضت ميركل بإصرار قصر حق اللجوء على المضطهدين سياسيًا.

قيادة قم بالأمر بنفسك: إذا انسحبت الولايات المتحدة من حلف الناتو، سوف يكون على الاتحاد الأوروبي أن يستبدل ضمانة أمن التحالف، وهي حجر زاوية أمن الأطلنطي منذ الحرب العالمية الثانية. من السهل قول ذلك لكن القيام به صعب، بالنظر إلى التفاوت الهائل بين القدرات العسكرية الأمريكية وتلك الخاصة ببلدان الاتحاد. حاولت أوروبا لعقود أن توحد السياسات الخارجية والأمنية لدولها، لكن دون نجاحٍ يذكر.

إذا انسحبت الولايات المتحدة من حلف الناتو، سوف يكون على الاتحاد الأوروبي أن يستبدل ضمانة أمن التحالف التي كانت تمثلها أمريكا

رغم ذلك، ألقت الولايات المتحدة بالصراع الأوكراني إلى برلين، التي استجابت على نحوٍ مثيرٍ للإعجاب. قادت ألمانيا أغلب دبلوماسية أوروبا المهمة في الأعوام الأخيرة. علاوةً على ذلك، يشير هيوسجين، ظلت ألمانيا تدفع في اتجاه إنشاء قيادة مركزية مشتركة للقوات الأوروبية لعقود، لكن البريطانيين أعاقوا ذلك حتى الآن. غيّر البريكست ذلك.

لا ترغب ميركل في التخلي عن الطرف الأمريكي الشمالي من حلف الأطلنطي؛ إنها ترى الغرب بقيادة شمال الأطلنطي المسؤول عن إنهاء الشيوعية في أوروبا، وتحريرها مع أقرانها من الألمان الشرقيين. لكن علاقتها بترامب سوف يحددها إلى درجةٍ كبيرة المدى الذي تذهب إليه في الاعتقاد بأن أوروبا يمكن أن تمضي وحيدة والنفوذ الذي تشعر بأن ذلك سوف يمنحه لها. حجر العثرة هو أن لا هي ولا أي شخصٍ آخر في أوروبا لديه رؤية واضحة لكيف سيبدو تحالفٌ أوروبي ما بعد الناتو. كم يبلغ الاستثمار الذي سيتطلبه الدفاع عن أوروبا الشرقية بصورةٍ معقولة؟ كان فوز ترامب مفاجئًا حتى أن أحدًا لم يحسب الأرقام بعد.

الرد: "عندما تُتخذ خطوات تؤثر بالسلب على المصالح الألمانية" فإن المستشارة سوف "تعلق عليها على نحوٍ مناسب"، يدعي هيوسجين. رغم أن "التعليق على نحوٍ مناسب" لا يرقى في الواقع إلى "الرد"، إلا أنه من المؤكد أن الدبلوماسي الأول للمستشارة يصيغ عبارته باحترافية لا أكثر. بإطلاقها سراح كول، علم السياسيون الألمان لأول مرة أن هذه المرأة المتواضعة تستطيع وسوف ترد، ببرود، دون غضبٍ أو انتقام، لكن بكفاءةٍ باردة. وقد فعلت ذلك عدة مرات منذ ذلك الحين. في واقع الأمر، ردت ميركل بالفعل على ترامب: ببيان ليلة الانتخابات الجريء وإدانتها الواضحة لحظر الهجرة الذي فرضه. قد يضعف الرد شرعيته الأخلاقية أو حتى يساهم في عزل الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب، لكن ميركل لا تقود العالم الحر بكامله ضد ترامب. بدلًا من ذلك، إنها تدافع عن أوروبا ليبرالية، والتي تتعرض أيضًا للتهديد من شعبوييها في الوقت الحالي، والذين يحيون جميع خطوات ترامب.

كانت روائع ميركل في القوة السياسية عندما كانت بطل الرواية الأضعف، يقول أستاذ العلوم السياسية ديتليف كلوزن. "إنها لم تبحث عن المواجهة لكنها انتظرت حتى أظهر خصمها الضعف أو العاطفية، وعندها، ببرود الثلج، غرست سكينًا في ظهره". يشير كلوزن إلى أن أوروبا ليست أولوية ترامب في الوقت الحالي. "من الأرجح أنها سوف تنتظر حتى يسقط عنه بعض بريق البداية، لكن هكذا سوف تواجهه".