04-سبتمبر-2016

أحد عشوائيات القاهرة

الحكومة تسعى إلى معالجة مشاكل هيكلية وعميقة، من خلال تدابير بسيطة جدًّا؛ وهنا يكمن الخلل -عمرو عدلي، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في القاهرة والباحث في مركز «كارنيغي» للشرق الأوسط

البناء فوق الرمال المتحركة، هكذا كانت استراتيجية السيسي لإعادة إحياء الاقتصاد المصري والتي اعتمدت على مشروعات التنمية العملاقة. مشاريع الطاقة المتعددة إلى جانب مليون وحدة سكنية؛ بما في ذلك أول مفاعل نووي على أرض مصر وعدد كبير من مشروعات التنمية الإقليمية العملاقة (مثل بناء عاصمة جديدة للحكومة بالقرب من القاهرة)، وتوسيع قناة السويس. جاءت تلك الاستراتيجية في أعقاب مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حتى كانت الصدمة الكبرى «خزائن الدولة فارغة تمامًا».

مصر الآن تكرر تجربة اليونان مع صندوق النقد الدولي إذ إن قرض صندوق النقد الدولي لم يستطع دفع عجلة التنمية في اليونان بقدر استطاعته أن يزيد الديون الخارجية لليونان والتي وصلت نسبتها إلى 175% من نسبة الناتج

بداية الوعكة (المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ)

"المشاريع التي يتم إطلاقها في مصر، غالبًا ما تبلغ تكلفتها أكثر من الأرباح التي يمكن أن تجنيها" -مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية

لا يمكن إنكار أن المؤتمر الاقتصادي قد ولد بعض محفزات النمو الاقتصادي على المدى القصير، ولكنه لم يؤدِ إلى انتعاش اقتصادي دائم. حيث إن استراتيجية النمو المتبعة من إدارة السيسي لا تتطرق إلى أي حلول للمشاكل الهيكلية العديدة بما في ذلك الفساد المستشري والمحسوبية وعدم الثبات القانوني؛ إضافةً إلى الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية كهدف بغض النظر عن مردوده على المجتمع. فأي مردود إيجابي سوف يكون محدود التأثير، وسوف ينمو الشعور بعدم الرضا في قطاعات كبيرة من السكان؛ مما يؤدي إلى مزيد من القمع لكي تحافظ السلطة الحالية على مكانها، وهذا له تداعيات سلبية على التنمية الاقتصادية.

اقرأ/ي أيضًا: الجنسية المصرية للـ"بيع".. مقابل وديعة بنكية!

في دراسة نشرها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في شباط/ فبراير 2015، تنص على أن تدفق الاستثمارات الأجنبية كهدف في حد ذاته لا يعتبر وسيلة لمكافحة الفقر والبطالة والتخلف؛ مما يعنى أن الدولة تجذب فقط الاستثمارات التي لها عائد سريع، ولكنها تساهم بنسبة ضئيلة في خلق فرص عمل من أجل العمالة المستدامة. والأمثلة كثيرة كمراكز التسوق ومشاريع الإسكان للنخبة المصرية التي تمولها شركات من منطقة الخليج. بالإضافة إلى الاستثمارات المباشرة في قطاع الغاز والطاقة. مثل هذه المشاريع تساهم قليلًا في التصنيع ونقل التكنولوجيا والمعرفة.

وكانت النتيجة الأولية للمؤتمر الاقتصادي. البطالة والوظائف ذات الجودة المنخفضة والتضخم المستمر حيث ساهموا معًا في خلق زيادة ضخمة في معدل الفقر. حيث تجاوز معدل الفقر في السنة المالية 2012-2013 أكثر من 26%، مما يعني زيادة 5% خلال أربع سنوات فقط وصولًا إلى ما يقارب الــ28% في العام الحالي أي بعد عام ونصف العام تقريبًا على المؤتمر الاقتصادي. كما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة 52% من الشباب يعيشون تحت أو بالكاد فوق خط الفقر (خط الفقر هو 40 دولارًا في الشهر). فالاقتصاد المصري لا يخلق فرص عمل للنساء، اللواتي بلغت نسبة البطالة لديهن 26%، ولا للشباب، الذي بلغت نسبة البطالة في صفوفهم حوالي 60%. فهي تتسبب في ‏إحداث حلقة مفرغة، يُعرقِل فيها نقص النقد الأجنبي والاستثمار والانتعاش الاقتصادي.

كان ذلك الوضع الدافع الأكبر لما نشره المعهد الألماني للشئون الدولية والأمن ببرلين: (أنه على ألمانيا والاتحاد الأوروبي أن تتوقف عن دعم استراتيجية التنمية التي تنتهجها إدارة السيسي حتى تتخذ خطوات جادة للإصلاح الحكومي. هذا الشرط المسبق لوضع حد لهذا الصراع السياسي الحالي؛ مما يؤدي إلى أداء حكومي جيد. قمع الصحافة ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة وعلى وجه الخصوص الاضطهاد المفرط تجاه الإخوان المسلمين، كل ما سبق سوف يسرع من وتيرة العنف والتطرف السياسي؛ مما يكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد أيضًا. وبالتالي تظهر ضرورة إعادة إدماج الإخوان في الحياة السياسية، والذي سوف يكون له التأثير الأكبر على الاستقرار في مصر، وبالتالي التنمية الاقتصادية. وعند هذه النقطة يجب على الاتحاد الأوروبي وألمانيا استكشاف موقف الإدارة السعودية الجديدة وتوجهاتها؛ فقد شهدت الفترة الأخيرة إشارات كثيرة على تحول جذري في موقف المملكة العدائي تجاه الإخوان المسلمين. فالرياض كأهم الداعمين لمصر سوف تكون قادرة على إقناع القاهرة باتباع الاستراتيجية الجديدة).

من الأرز الخليجي إلى جيوب المواطنين

"إن بقيت أسعار النفط أقل من 60-70 دولارًا للبرميل في العامين المقبلين، ربما سيتوجب على مصر أن تسعى خلف مستثمرين آخرين لمشروعات البنية التحتية الضخمة التي تحتاجها" -أنطوني سيموند، الذي يدير أكثر من 13 مليارًا من ديون الأسواق النامية، بشركة آبردين لإدارة الممتلكات.

اقرأ/ي أيضًا: 5 دول تمنع استيراد سلع مصرية لـ"عدم صلاحيتها"

ساهمت السعودية وجيرانها بأكثر من 30 مليار دولار كمنح واستثمارات، منذ منتصف عام 2013، الذي تمت فيه الإطاحة بالرئيس محمد مرسي من قبل الجيش، عقب مظاهرات 30 يونيو. لكن عائدات دول الخليج تقلصت في العام الماضي بعد تراجع أسعار النفط لأكثر من النصف. بالتأكيد هذا سيقلص من حجم الأموال المتاحة للاستثمار في مصر، كما يقول أنطوني سيموند، الذي يدير أكثر من 13 مليارًا من ديون الأسواق النامية، بشركة آبردين لإدارة الممتلكات: (إن بقيت أسعار النفط أقل من 60-70 دولارًا للبرميل في العامين المقبلين، ربما سيتوجب على مصر أن تسعى خلف مستثمرين آخرين لمشروعات البنية التحتية الضخمة التي تحتاجها)

وبالتالي اتجه السيسي لسياسة التمويل الشعبي بعد فترة قصيرة من توليه الحكم، في يونيو 2014. أنشأ صندوقًا لجمع التبرعات تحت اسم (تحيا مصر)، مستهدفًا الأثرياء بالأساس. وليقتدي به الناس، تبرّع السيسي بنصف راتبه الشهري البالغ 42 ألف جنيه، ونصف ممتلكاته للصندوق. حيث نقلت جريدة الوطن أيضًا أن السيسي تحدّث إلى رجال أعمال محليين في اجتماع بشهر يونيو 2014، قائلًا: (أقسم بالله، لو معايا أنا شخصيًا 100 مليار دولار ما هفكر ثانية، وهحطهم ليكي يا مصر).

لكن الصندوق، بعد عام من إنشائه، لم يجمع سوى 6.75 مليار جنيه؛ أقل من 1 بالمائة من الإنفاق العام، طبقًا لجريدة الوطن. في حين لم يردّ المتحدث الرئاسي، علاء يوسف، على أي مكالمات أو رسائل تطلب التعليق على هذا الشأن. في حين كان النجاح الأكبر للتمويل الشعبي هو عندما عُرض شيء في المقابل. حيث اشترى المصريون شهادات استثمار بقيمة 64 مليار جنيه (8.2 مليار دولار)، لتمويل توسعة قناة السويس، في أقل من أسبوع، بفائدة سنوية تبلغ 12 بالمائة، وغير قابلة للاتجار بها في الأسواق الثانوية. وكان حق الشراء لمثل هذه السندات للأفراد والمؤسسات المصرية فقط.

هناك فوائد كبيرة تعود على الحكومة من اتباع سياسات الاستدانة من جيوب المواطنين. فالاستدانة بهذه الطريقة لا تظهر في إحصاءات الميزانية الرسمية، وبهذا تتفادى الحكومة أن تبدو الأرقام السيئة أسوأ، كما يقول إدوارد كودلان، رئيس قسم تحليلات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمؤسسة BMI للأبحاث: (الاستدانة بهذه الطريقة تجعل البلد أقل عرضة لارتفاع معدلات الفائدة العالمية، ونفور المستثمرين من السوق المصري. هناك عنصر من الوطنية خاصة عندما يتعلّق الأمر بالأسواق النامية، لذا فمن الأوفر الاستدانة بهذه الطريقة).

ولذلك تعتمد مصر حاليًا في برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته وتقوم بتنفيذه على إصدار سندات تصل قيمتها إلى 3 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري من جيوب المواطنين. ولكن يبقى السؤال هل ستنجح تلك السياسة؟!

لم يأتِ الرد على هذا السؤال من قبل خبير اقتصادي أو أستاذ اقتصادي بل جاء من قبل مواطنة بسيطة تدعى سوسن فؤاد، أم مصرية أربعينية لطفلين، قالت أنها صوتت للسيسي، ولكنها غير راضية عن المطالبات الدائمة بالتبرع بالمال. وتريد أن تعرف ماذا لدى الحكومة لتقدمّه للمواطنين، وليس العكس. تقول: «لقد مررنا بعام من المطالبات لنا بأن نتبرّع، وأن نضحّي. لست واثقة عمّ أتخلى الآن لكي أصل إلى المطلوب. لم يتبقّ سوى أن نتوقّف عن الأكل أو عن إلحاق أبنائنا بالمدارس». فكانت رسالة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمواطن البسيط: (هنجوع ما نجوع إيه المشكلة يعني!).

اقرأ/ي أيضًا: مأزق الخليج في مصر

الاستدانة ومصير الاقتصاد المصري

"لن يسمح وضع مصر المالي الحرج بمزيد من الديون، محليّة كانت أم دولية" -إدوارد كودلان، رئيس قسم تحليلات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمؤسسة BMI للأبحاث

في أعقاب ما تعانيه مصر من أزمة عملة طاحنة نتيجة تراجع موارد البلاد الأساسية من النقد الأجنبي، وبخاصة بعد تدهور القطاع السياحي، وانهيار قيمة الجنيه في سوق الصرف غير الرسمية. صرح وزير المالية المصري، عمرو الجارحي، أن مصر سوف تسير نحو برنامج الإصلاح الاقتصادي لدعم الاقتصاد المصري من وعكته. وكانت الخطوة الأولى لتطبيق ذلك البرنامج هو الاتجاه إلى أسواق الاستدانة الدولية بواقع 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي و3 مليار دولار من البنك الدولي و1.5 مليار دولار من بنك التنمية الإفريقي، إضافةً إلى 3 مليار دولار سندات سوف يتم إصدارها و1.5 مليار دولار من مصادر أخرى.

وهذا ما يشير إلى القلق، فمصر الآن تكرر تجربة اليونان مع صندوق النقد الدولي إذ إن قرض صندوق النقد الدولي لم يستطع دفع عجلة التنمية في اليونان بقدر استطاعته على زيادة الديون الخارجية لليونان والتي وصلت نسبتها إلى 175% من نسبة الناتج الأمر الذي دفع اليونان إلى إعلان إفلاسها وعدم قدرتها على سداد مستحقات صندوق النقد الدولي. ولا يمكننا أن نغفل عن تجربة بيرو مع البنك الدولي إذ طلب تخفيض التعريفة الخاصة بالجمارك المفروضة على القمح المستورد من الولايات المتحدة، رغم أن أمريكا تقدم لمزارعيها سنويًا دعمًا يُقدر بـ40 مليار دولار، وكان لتداعيات هذا القرار تأثير كبير على المزارعين في بيرو ودفعهم إلى إنتاج الكوكا التي تستخدم في إنتاج الكوكايين كبديل للقمح. وهو ما تعانيه مصر الآن إذ تحولت مصر من أكبر دولة مصدرة للقمح إلى أكبر دولة مستوردة للقمح.

ونعود مرةً أخرى لما قاله عالم الاقتصاد ميشيل تشوسودوفيسكي: "إن برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في بعض الأحيان فقيرًا كما كانَ من قبل، لكن مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراءً) ويبقى المواطن البسيط الغارم الوحيد لمثل هذه السياسات".

اقرأ/ي أيضًا:
مصر.. 10 حلول للخروج من "هوس الدولار"
"بلومبرج" تلوم السيسي على تراجع الاقتصاد المصري