ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

خريطة الفقر ترسم وجوه الأطفال: جرس إنذار لمستقبل مصر

13 ديسمبر 2025
الفقر في مصر
أكثر من 20 مليون طفل مصري يعانون من الفقر (وسائل التواصل الاجتماعي)
عماد عنانعماد عنان

في أحد الأزقة الضيقة بحواري بولاق الدكرور في الجيزة، يجلس أسامة، طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره، محاطًا بخمسة من إخوته ووالدته داخل غرفة بالكاد تصل مساحتها إلى تسعة أمتار. غرفة تفتقر لكل شيء تقريبًا؛ لا أثاث سوى سرير خشبي مهترئ، وقطعة قماش مفروشة على الأرض يستندون إليها، وزجاجة مياه بلاستيكية هي كل ما يملكونه.

تقول والدة أسامة، بصوت يختلط فيه التعب بالعجز، في حديثها لـ "الترا صوت" إن ابنها اعتاد أن يكتفي بوجبة واحدة في اليوم. عشر ساعات كاملة مرّت على آخر شيء دخل معدته، ومع ذلك قد يكون “الأكثر حظًا” مقارنة بإخوته الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و16 عامًا. وحده الابن الأكبر يعمل في ورشة نجارة، لكن عمله بالكاد يوفر لهم ما يحميهم من الجوع.

أسامة وإخوته ليسوا حالة فريدة في مصر؛ فهم مجرد وجه من وجوه ملايين الأطفال الذين يعيشون فصولًا مختلفة من الفقر. قصص تتكرر، وأفواه جائعة، وأحلام تتآكل قبل أن تولد. ومع كل طفل يعاني الحرمان، يتعرض مستقبل البلد نفسه للاهتزاز—فكيف لمجتمع أن ينهض، وقادته الصغار اليوم يعانون الجوع والبرد والفقر قبل أي شيء آخر؟

20 مليون طفل مصري يعانون الفقر

تكشف دراسة حديثة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" عن صورة صادمة لواقع الطفولة في مصر؛ إذ يظهر أن أكثر من 20 مليون طفل—أي ما يعادل 53% من أطفال مصر—يعانون بُعدًا واحدًا على الأقل من أبعاد الفقر المتعدد.

بمعنى آخر: طفل من بين كل طفلين تقريبًا يكبر وهو يواجه شكلًا من أشكال الحرمان، وفي المقابل، لا يتجاوز عدد الأطفال الذين لا يعانون أي مظهر من مظاهر الفقر سوى نحو 18 مليون طفل.

تعتمد الدراسة على أحدث بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية والصادر عام 2021، وهو واحد من أهم المصادر الوطنية التي ترسم بدقة ملامح حياة الأسر والأطفال عبر مختلف محافظات البلاد.

كشفت دراسة للجهاز المركزي للإحصاء بالتعاون مع "اليونيسف" أن أكثر من 20 مليون طفل في مصر، أي 53% من الأطفال، يعانون شكلًا واحدًا على الأقل من الفقر المتعدد

ويستند التقرير إلى مؤشر الفقر متعدد الأبعاد—وهو معيار دولي طوره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وجامعة أكسفورد عام 2010—ليقدم رؤية أوسع وأكثر عمقًا لجودة الحياة، لا تقتصر على الدخل النقدي وحده، بل تشمل جوانب أخرى تحدد قدرة الطفل على النمو والعيش بكرامة.

وبحسب منهجية الجهاز، يُعَدّ الطفل فقيرًا إذا كان يعاني حرمانًا شديدًا في بُعدين أو أكثر من ثمانية أبعاد لقياس الحرمان، وهي: المياه، الصرف الصحي، المعلومات، ظروف السكن، الصحة، التغذية، التعليم، والحماية، فضلا عن 19 مؤشرًا فرعيًا تتفرع عن تلك الأبعاد.

وتظهر الدراسة المنشورة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أن أكثر ما يؤثر على حياة الأطفال هو ثلاثة أبعاد أساسية: الصحة، التعليم، ومستوى المعيشة، ففي بُعد الصحة تتجلى مؤشرات التغذية السليمة ومعدلات وفيات الأطفال، بينما يقيس بُعد التعليم سنوات التعلّم ومدى انتظام الطفل في المدرسة.

أما مستوى المعيشة فيضم مجموعة واسعة من المقومات المادية والخدمية مثل: نوعية السكن، توفر الكهرباء، مصادر مياه الشرب، طبيعة الوقود المستخدم للطهو، والصحة العامة داخل الأسرة.

هذه الأرقام لا تُشخّص واقعًا فقط، بل تُطلق ناقوس إنذار حول مستقبل ملايين الأطفال الذين يصبح الفقر حاجزًا أمام أبسط حقوقهم في التعليم والرعاية والعيش الكريم.

تعدد أشكال الفقر.. المسكن الأكثر انتشارًا

تكشف الدراسة أن المسكن يأتي في صدارة الأبعاد التي يعاني منها الأطفال في مصر، إذ يشكل وحده 14.1% من إجمالي مظاهر الفقر، ويليه مباشرة فقر الحماية والأمان بنسبة 13.8%، ثم فقر الغذاء وفقر المياه بنسبة متقاربة تبلغ 12.3% لكل منهما.

أما الافتقار إلى الصرف الصحي فيطال 10.3% من الأطفال، بينما يأتي فقر التعليم بنسبة 7.6%، رغم دوره المحوري في مستقبل الطفل.

وفق الدراسة، فإن نحو 6.6 مليون طفل يعيشون حالة فقر متعدد الأبعاد—أي أنهم يعانون حرمانًا في بُعدين أو أكثر، وهذا يعني أن طفلًا واحدًا من بين كل ستة أطفال تتراوح أعمارهم بين صفر و17 عامًا يواجه حياة يومية ينقصها أكثر من عنصر أساسي واحد، ويمثلون 17% من أطفال مصر.

وتتعمق المأساة أكثر لدى مليون و600 ألف طفل يرزحون تحت أشكال أشد قسوة من الفقر، إذ يعانون من حرمان يمتد إلى ثلاثة أبعاد أو أكثر من الأبعاد الأساسية لقياس الفقر. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل وجوه صغيرة تحاول النجاة وسط ظروف تتجاوز طاقتهم.

وفي المجمل، تصل نسبة الفقر متعدد الأبعاد—الذي يقيس الحرمان في بُعدين فأكثر—إلى 16.9%، وهي نسبة تعكس حجم التحدي الذي يواجهه ملايين الأطفال في رحلة البحث عن حياة كريمة.

الريف الأقل حظًا

يبدو أن الريف، الذي طالما عانى نقص الخدمات وفرص التنمية، يدفع ثمن هذا الحرمان يومًا بعد يوم، فبحسب ما جاء في الدراسة، فإن أطفال الريف هم الأقل حظًا والأكثر تعرضًا للفقر مقارنة بأقرانهم في المدن؛ إذ يعيش 21% من أطفال الريف بين سنّ الولادة و17 عامًا تحت وطأة الفقر، مقابل 9.6% فقط من أطفال الحضر.

هذه الفجوة الصارخة تعكس، كما تؤكد الدراسة، استمرار الانقسام التنموي بين الريف والمدينة، وانعكاسه المباشر على حياة الأطفال ومستقبلهم.

ولا يقتصر التفاوت على المكان فقط، بل يمتد أيضًا إلى العمر؛ فكلما كان الطفل أصغر سنًا، كانت هشاشته أمام الفقر أكبر، إذ تظهر النتائج أن واحدًا من كل خمسة أطفال دون الخامسة يعاني الفقر متعدد الأبعاد بنسبة تصل إلى 21%.

وتنخفض النسبة قليلًا إلى 17% بين الفئة العمرية من 5 إلى 11 عامًا، ثم إلى 14% بين الأطفال من 12 إلى 17 عامًا.

توضح هذه الأرقام كيف يتضاعف العبء على الصغار في أهم مراحل نموهم، حين يحتاجون إلى الرعاية والغذاء والتعليم أكثر من أي وقت آخر—لكنهم يجدون أنفسهم في قلب دائرة الحرمان.

مطروح في المقدمة

تكشف الدراسة وجهًا أكثر قسوة للحقيقة: لا محافظة واحدة في مصر نجت من قبضة الفقر الذي يطاول الأطفال، من أقصى الشمال إلى أعماق الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، زحف الفقر بكل أبعاده إلى كل شبر، وإن اختلفت حدّته باختلاف إمكانات كل محافظة وظروفها.

وجاءت مطروح في صدارة المشهد الأكثر قتامة، بنسبة فقر متعدد بين الأطفال بلغت 37%، تلتها سوهاج بـ 26%، ثم كل من الجيزة وأسيوط بنسبة 23%، بينما سجلت البحيرة نسبة 22%. حتى القاهرة، العاصمة التي يفترض أن تكون الأكثر حظًا، لم تسلم، إذ بلغت نسبة الفقر المتعدد فيها 11% .

وفي المقابل، ظهرت الإسكندرية والسويس والإسماعيلية كالنقاط الأقل ألمًا على الخريطة، رغم أن الفقر لم يغادرها تمامًا، إذ تراوحت نسبته بين 5% و6%، أما محافظات الحدود—الوادي الجديد، أسوان، البحر الأحمر، وجنوب سيناء—فسجلت نسبًا تتراوح بين 7% و9%.

خريطة تمتد على مساحة بلد بأكمله، لكنها مرسومة بظلال مختلفة من نفس اللون: لون الفقر الذي يهدد طفولة ملايين الصغار، ويكتب على كثير منهم مستقبلًا يبدأ مثقلًا قبل أن يبدأ فعلًا.

جرس إنذار.. مستقبل مصر في خطر

يكشف التقرير أن الفقر ليس عجزًا في الجيب، بل جرحًا عميقًا في الروح وبنية المجتمع، فالحرمان المتراكم الذي يعيشه الطفل في غذائه وأمنه وتعليمه لا يصنع فقط إنسانًا فقير الدخل، بل إنسانًا مثقلًا بالتشوّهات النفسية والاجتماعية، يدفع بجيل كامل إلى حافة الانحراف والإدمان والعنف.​

الطفل الذي يكبر وهو جائع، غير آمن، محروم من فرصة عادلة في التعليم، يتكوّن وعيه الأول على شعور مقيم بالظلم والنقص واللاجدوى، هذا الشعور يتحول إلى غضب صامت؛ غضب يلتهم صاحبه من الداخل حينًا، وينقلب حينًا آخر على المجتمع والدولة، ليصبح أرضًا خصبة لكل ما يهدد السلم الاجتماعي: من الجريمة والتحرش والعنف، إلى الإدمان وسلوكيات العدوان واليأس.​

خريطة تمتد على مساحة بلد بأكمله، لكنها مرسومة بظلال مختلفة من نفس اللون: لون الفقر الذي يهدد طفولة ملايين الصغار، ويكتب على كثير منهم مستقبلًا يبدأ مثقلًا قبل أن يبدأ فعلًا

الفقر لا يأتي وحيدًا؛ بل يجر خلفه سلسلة متشابكة من الأزمات، تفكك أسري، ارتفاع في نسب الطلاق، تسرب من التعليم، وشيوع للأمية، ومشكلات نفسية عميقة لدى الأطفال والشباب يصعب ترميمها حتى لو تحسنت الظروف المادية لاحقًا.

لذلك يغدو الفقر أخطر تهديد بعيد المدى لأمن المجتمع والدولة، لأنه لا يخلق أزمة عابرة، بل ينتج دوائر متجددة من العنف والحرمان تمتد عبر الأجيال وتعود في كل مرة أكثر قسوة وتعقيدًا

قضية أمن قومي

وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تمزقات جيوسياسية مرعبة، تتأرجح بين الطائفي والعرقي، تتجلى خطورة المشهد في مصر في اتساع الشرخ الطبقي، فبينما تعيش شرائح واسعة واقعًا اقتصاديًا خانقًا، تستعرض الشرائح الأكثر ثراءً مظاهر رفاهية فاقعة عبر الإعلانات ووسائل التواصل، هذه الفجوة الصارخة تصنع شعورًا طاغيًا بالمرارة والضغينة، يتجاوز حدود الأحياء والطبقات.​

وحين يلتقي هذا الاحتقان الطبقي مع أي اضطراب سياسي—سواء كان عفويًا أو مُحرَّكًا—يصبح المجتمع مهددًا بشرخ عميق يصعب رأبه، ويتهدد نسيجًا اجتماعيًا ظلّ لسنوات مصدر قوة وتماسك.

عند هذه النقطة، لا يبقى الفقر قضية معيشية فقط، بل يتحول إلى ملف أمن قومي وإنساني في آن واحد، يتوقف عليه شكل مستقبل البلاد والأجيال القادمة.

كلمات مفتاحية
صورة تعبيرية

دراسة بريطانية للكشف عن تأثير الحد من استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي

تأتي الدراسة في وقت تتصاعد به المناقشات السياسية في بريطانيا، حول حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون 16 عامًا

خطبة الجمعة

توحيد خطبة الجمعة في المغرب.. انتقادات لـ"ضبط الوعظ"

أثار قرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب اعتماد خطبة جمعة موحدة، ضمن ما أطلقت عليه "خطة تسديد التبليغ"، جدلًا واسعًا في البلاد

صورة تعبيرية

دراسة بريطانية: السوشيال ميديا لا تزيد مشاكل الصحة النفسية لدى المراهقين

تابعت الدراسة 25,000 طالب تتراوح أعمارهم بين 11 و14 عامًا على مدى ثلاث سنوات دراسية

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية