ختان الإناث في مصر.. صورة بانورامية لتشويه الأعضاء التناسلية

ختان الإناث في مصر.. صورة بانورامية لتشويه الأعضاء التناسلية

تأتي مصر في المرتبة الثانية عربيًا في عمليات ختان الإناث (CNN)

بدور وماري، أسيّو وديقة، هذه أسماء فتيات صغيرات من أفريقيا حُكم عليهنّ بالموت أثناء إجراء عملية الختان لهنّ (Female Genital Mutilation)، أو ما بات يعرف بـ"تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية".

تعتبر الصومال الدولة الأولى عربيًا التي ما زالت تستمر فيها عمليات ختان الإناث، تليها مصر والسودان في نفس المرتبة

هذا الداء الثقافي الذي ينتشر في أفريقيا وبعض دول آسيا، والذي انتقل بالهجرات إلى بعض مناطق أوروبا، يحصد أرواح فتيات صغيرات، ويؤثر على صحة أجساد فتيات أخريات مدى حياتهن. 

اقرأ/ي أيضًا: ختان الإناث في السودان.. "ختم العفة" باستئصال شأفة الحياة

يبرر بعض المدافعين عن عملية ختان الإناث بالمحافظة على النظافة والوقاية من الأمراض، إلى جانب سيطرة الأعراف والتقاليد الاجتماعية والخوف المجتمعي على الفتاة ومنها، إلاّ أن عملية بتر أو استئصال أجزاءٍ من الأعضاء التناسلية للإناث دون دواعٍ طبية، لن يزيد من احتمالية بقاء الفتاة نظيفة على الدوام أو سيحفظها مما يخاف منه المجتمع، بل سيضعها في اختبار ألم جسدي ونفسي لا ينتهي بعد أيام من العملية، بل يستمر طوال حياة الفتاة، وذلك بحسب الأطباء وشهادات نساء تعرضن للختان.

لماذا سمي بـ"الختان"؟

وتعتبر الصومال الدولة الأولى عربيًا التي ما زالت تستمر فيها عمليات ختان الإناث، تليها مصر والسودان في نفس المرتبة. وفي دول إفريقية أخرى تشهد مالي وأثيوبيا ارتفاعًا كبيرًا في نسب ختان الإناث، وفقًا لإحصاءات اليونيسيف لعام 2016.

وعلى الرغم من أن القضاء المصري جرّم الختان، وغلظ القانون العقوبة من السجن المشدد ما بين خمس لسبع سنوات، مع اعتبار الختان جناية وليس جنحة، إلى عصوبة قد تصل لـ15 سنة من السجن، حظر دار الإفتاء وتحريمها، في 2007، لختان الإناث، إلا أن هذه العمليات لا تزال مستمرة.

ما هي الأسباب والدوافع؟ وما هي الأثار الجسدية والنفسية التي تتركها عملية الختان على جسد الفتاة؟ وما دور الحكومة وبرامج التوعية في انخفاض معدلات الختان؟ ومن أين جاءت التسمية؟ وما هو وضع حملات التوعية في مصر اليوم؟ 

للوقوف عند تلك الأسئلة ومحاولة فهم الإصرار على التمسك بهذه العادة القديمة، تواصل "الترا صوت" مع فاطمة محمد توفيق، طبيبة الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة من مصر، والتي لفتت إلى أن "الاتفاق على تسمية تلك العمليات بالختان هو إجراء ضروري جدًا". 

وأوضحت: "في العامية يسمونه طهارة لإضافة القدسية والنوايا الحسنة على الأمر، ثم جاء مصطلح الختان في وقت لاحق، عندما بدأت حملات التوعية بدعم من الأمم المتحدة، والتي كانت تطلق عليه تسمية تشويه الأعضاء التناسلية. رفض العاملين في مجال التوعية هذه التسمية، لأن الناس قد لا تصدق مخاطره بسبب التسمية المنفرة، خاصة وأن هناك من سيكذب خطورة العمليات بحجة أنه يعرف، أو إذا كانت سيدة قد سبق وتعرضت للختان ستقول هذا كذب ودحض للحقائق، فتجنبًا لذلك تم اختيار مصطلح الختان كلفظ حيادي".

توعية الأطباء ضرورة

ماذا يعني توعية طبيب بمخاطر عملية مثل عملية ختان الإناث؟ تجيب الطبيبة فاطمة محمد توفيق قائلةً: "توعية الناس ضد العملية هي ضرورة لازمة لتجنب ارتفاع المعدلات وتجنيب الفتاة تلك التجربة التي ستؤثر على حياتها، غير أننا اكتشفنا بأن الأطباء أيضًا بحاجة لتوعية اتجاه المخاطر المترتبة على مثل تلك العمليات". 

توضح فاطمة أن حجة الأطباء الذين يجرون هذه العمليات هي أن الأهل يريدون ذلك، موضحةً أنه في كثير من الأحيان الأطباء الذين يرفضون إجراء هذه العمليات، تلحق بهم سمعة تضر بهم ماديًا في الوسط المحلي، لذا قد يضطر الطبيب لإجراء العملية، كي لا يقال إنه طبيب غير محترف!

وتضيف: "هناك الكثير من الدورات التدريبية التي يجريها أطباء اختصاصيون لأطباء في مصر بهدف التوعية ضد مخاطر عمليات الختان. الدورة الأخيرة كانت تحت إشراف الدكتور مجدي حلمي، منسق البرنامج القومي لتمكين الأسرة ومناهضة ختان الإناث، والذي يعمل على التوعية منذ 30 عامًا بهدف نشر مخاطر تلك العمليات وإحراز فرق في النسب المرتفعة لتلك العمليات في مصر".

ختان الإناث في مصر
تأخذ عمليات التوعية ضد ختان الإناث عدة أشكال بعد تفاقم الظاهرة في مصر

 جانب آخر في تورط بعض الأطباء في إجراء هذه العمليات، هو الجانب الثقافي، فبحسب الطبيبة فاطمة، فإن بعض الأطباء يعتقدون بضرورة الختان من منظور ديني، رغم أن دار الإفتاء حرّمته، والكثير من فتاوى الأزهر تحرمه، غير أنه في المقابل، الكثير من مشايخ الدين، خاصة المحسوبين على التيار السلفي، يفتون بوجوب ختان الإناث!

درجات الختان ومدى خطورتها

من الضروري شرح عملية الختان ودرجاتها، فهي لا تُجرى بطريقة واحدة، بل للعملية أشكال ودرجات، تختلف بحسب طريقة تفكير أهل الفتاة التي تتعرض للختان، فعند البعض يجب ختان الفتاة من أجل "النظافة"، وعند البعض الآخر يجب ختنها من أجل "حمايتها من الشهوة"، وبالتالي تختلف نسبة تشويه الأعضاء التناسلية بحسب ما يراه الأهل مناسبًا لابنتهم.

الدرجة الأولى وتسمى "Clitoridectomy"، وفيها يقطع جزء من البظر، والدرجة الثانية "Excision" وتعني قطع الشفرات والبظر، أمّا الثالثة والأخطر على حياة الفتاة فهي "Infibulation" وفيها يقطع كل الأجزاء والإبقاء على فتحة صغيرة من أجل التبول.

وقد يترتب على هذه الدرجة الثالثة، تشويه كامل للفتاة، بالإضافة لربط قدميها ببعض لمدة قد تتجاوز 10 أيام وعليه لا يمكن للفتاة الحركة والمشي، تبقى مستلقية حتى يندمل الجرح ويلتصق الجلد، ليتم عند الزواج إحداث شق في المنطقة بواسطة الموس. لهذه الدرجة أثار خطيرة على حياة الفتاة لما فيها من ألم لا يمكن تحمله، كما وإنّها قد تتعرض للموت أثناء الولادة بسبب التصاق الجلد وصعوبة إخراج الطفل.

كما أن هناك طريقة أخرى يلجأ إليها غالبًا من يقوم بعملية الختان، وهي كيّ الأعضاء التناسلية للفتاة فتفقد الإحساس بتلك المنطقة، وبالتالي تفقد رغبتها بشكلٍ كليّ. ولهذا النوع آثار خطيرة جدًا على حياة المرأة وطفلها عند الولادة، بسبب التصاق الجلد المكوي. 

ويُشار أيضًا إلى أنّ هذا النوع من عمليات الختان، قد يسبب العقم عند بعض السيدات، وأمراض أخرى كمرض السكري الناتج عن الصدمة والخوف، وسلس أو احتباس بول وبراز مدى الحياة. وقد يؤدي إلى الموت.

أمّا عن الجوانب النفسية لعملية ختان الإناث، فتخبرنا الطبيبة فاطمة محمد توفيق، أن هذا الأمر لا يمكن التغلب عليه إلا بجلسات للعلاج النفسي الدوريّة عند طبيب مختص، إذ تعيش الفتاة طوال حياتها خائفة من هاجس الزواج والإنجاب، وتشعر بالخوف من العلاقة الجنسية، وقد تبدأ بالتفكير باحتمالية أن تحظى بـ"علاقة جنسية غير سلسلة"، على حد تعبيرها.

"يتم تشويه الفتيات بمشرط داية أو حلاق، أو امرأة من نسوة العائلة، أو حتى طبيب منعدم الضمير"، تقول فاطمة، مضيفةً أنّ أغلب النساء اللواتي تعرضنّ للختان إن لم يكن جميعهنّ، لا يشعرن بالإشباع ولا النشوة في علاقتهنّ مع أزواجهنّ، ما يخلف آلامًا جسدية ونفسية. 

الضرر النفسي بين الفهم وعدم الفهم

في سياق حديثها عن الأثار النفسية لعملية الختان على الفتيات صغيرات السن، تطلعنا الطبيبة فاطمة على أثار أخرى قد لا ينتبه لها الأهل.

عدد لا بأس به من الفتيات اللواتي تعرضنّ للختان لم يتجاوزن التجربة، حيث تساق الفتيات دون علمهنّ إلى مكان مجهول سيتم فيه تشويههنّ، هذا ما تتذكره الفتيات عن ذكرى الختان.

ختان الإناث في مصر
ما بين عامي 1995 و2014 انخفضت نسبة ختان الإناث في مصر 5% فقط

 وفي أغلب الأحيان، وإن كان الختان من الدرجة الأولى، ينتهي الأمر بعد وضع ليمون وملح على الجرح النازف، ويُطلب من الفتاة أن تكتم ألمها لأسباب اجتماعية وللتأكيد على حيائها. وفي حال تم إعلام الفتاة بضرورة عملية الختان، فهذا على الرغم من كونه لا يبدد الألم، فهو يدخل الفتاة في دوامة نفسية ستكون بغنى عنها في عمر مبكر.

انخفضت النسب والسبب هو الصحافة

تناقصت نسب عمليات ختان الإناث في مصر بين عامي 1995 و2014 بنسبة تقارب 5% فقط بين اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عامًا، وذلك بسبب إدراج فقرة ختان الإناث إلى المسح الصحي السكاني الذي يُجرى كل أربع سنوات في مصر.

وفي عام 1994، وبعد أن عرضت شبكة "CNN" الأمريكية فيلمًا عن ختان الإناث في مصر، أثار الفيلم ضجةً كبيرة، عندها التفتت الدولة إلى هذه العادة لإنقاذ ماء الوجه وتسجيل موقف رسمي عن الموضوع.

وتتابع الطبيبة: "لم يكتشفوا أيّة إحصائيات تابعة لوزارة الصحة عن عمليات ختان الإناث، وعلى إثر ذلك جرّم وزير الصحة عام 1995 إجراء أي عملية ختان خارج المشافي، فانتقلت تلك العملية من الهامش إلى الضوء، وهذا أدى لزيادة الأرقام المحصورة حول الختان"!

ختان الإناث في مصر
من عمليات التوعية ضد ختان الإناث في مصر

توضح الطبيبة فاطمة، أن بهذا القرار شعر الأهالي بالطمأنينة أكثر، أن من سيجري عملية الختان لفتياتهن هن أطباء مختصون.

لم يشفع الطب لمن يريد  إجراء عملية ختان لابنته حتى لو كان من سيجريها طبيب مختص في مشفى، فحتى عام 2007 لم تكن العملية مجرمة من قبل السلطات المصرية، إلى أن جاءت حادثة أليمة أعادت موضوع ختان الإناث إلى مقدمة القضايا التي تحتاج للحسم.

تناقصت نسب عمليات ختان الإناث في مصر بين عامي 1995 و2014 بنسبة تقارب 5% فقط بين المرحلة العمرية من 15 إلى 49 عامًا

في 14 حزيران/يونيو من عام 2007، والذي أصبح فيما بعد اليوم الوطني للقضاء على ختان الإناث في مصر، توفيت الفتاة بدور في قرية مغاغة في محافظة المنيا أثناء إجراء عملية الختان لها، كانت بدور في عيادة طبيبة أخصائية وتحت إشرافها، لكن الأخيرة لم تكترث لحالة بدور والانهيار العصبي الذي أصابها، فماتت الفتاة إثر إجراء العملية والإهمال الطبي.  دفعت تلك الحادثة إلى تجريم عملية ختان الإناث بغض النظر عن المكان الذي تقام به ومن يقوم بها. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

فوبيا النساء في العالم العربي

10 دول هي الأكثر خطرًا على النساء في العالم