خبراء باريس في مجلس الشعب.. تعاون قانوني مع دمشق واستعادة موقع قديم
16 أغسطس 2026
نادرًا ما تحمل الزيارات البرلمانية طابعًا بروتوكوليًا خالصًا، فهي تمثل في العادة مؤشرًا على تحولات أوسع في توجهات السياسة الخارجية وإعادة تعريف المصالح الوطنية. أما بالنسبة لسوريا، التي خرجت لتوّها من أتون حرب طاحنة وتسعى إلى تشكيل مؤسساتها بما يضمن حسن العمل والترتيب العام، فتأتي الزيارة المرتقبة للوفد البرلماني الفرنسي إلى سوريا باعتبارها إحدى إشارات التحول في مقاربة باريس لدمشق، في توقيت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم لخرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية. ومن هنا، تكتسب الزيارة أبعادًا تتجاوز برنامجها الرسمي، لأنها تعيد فتح ملف العلاقة الفرنسية السورية بوصفها علاقة تشكلت عبر تاريخ طويل من التداخل السياسي والثقافي، وتدخل اليوم مرحلة جديدة ترتبط بإعادة الإعمار وتعافي مؤسسات الدولة وإعادة توزيع النفوذ في المشرق.
يعود تاريخ الحياة النيابية السورية إلى المؤتمر السوري العام الذي عُقد في دمشق في 8 آذار/مارس 1920 برئاسة هاشم الأتاسي وبحضور الأمير فيصل، وشارك في جلساته 120 عضوًا صاغوا رؤية لدولة مدنية نيابية ملكية. قبل أن تحسم معركة ميسلون في 24 تموز/يوليو من العام نفسه مصير تلك التجربة المبكرة، لتدخل على إثرها القوات الفرنسية إلى دمشق، ويُفرض الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم رسميًا عام 1922.
مرت المؤسسة التشريعية السورية منذ تلك اللحظة بدورات متعاقبة من التشكيل والحل، عكست طبيعة الصراع بين الطموح الوطني والوصاية الفرنسية؛ إذ انتُخب مجلس نيابي جمعيةً تأسيسيةً عام 1928 برئاسة هاشم الأتاسي، ووضعت لجنة برئاسة إبراهيم هنانو مسودة دستور اصطدمت برفض هنري بونسو، المفوض السامي الفرنسي، لبعض موادها، فحُلّ المجلس في 5 شباط/فبراير 1929 نتيجةً لذلك. إلى أن نشر بونسو دستور عام 1930، مضيفًا إليه المادة 116 التي منحت سلطة الانتداب امتيازات واسعة، الأمر الذي أثار رفضًا برلمانيًا متكررًا دفع فرنسا إلى تعطيل الدستور وحل المجلس مجددًا في تشرين الثاني/نوفمبر 1932، ثم مرةً أخرى في حزيران/يونيو 1939 عشية الحرب العالمية الثانية.
يمنح هذا التاريخ من الشد والجذب بين البرلمان السوري والإدارة الفرنسية الزيارة الحالية عمقًا رمزيًا مضاعفًا، ويجعل عودة التواصل عبر البوابة البرلمانية بالذات محمّلةً بذاكرة مؤسسية ثقيلة، تمتد من مرحلة صياغة الدستور الأول وصولًا إلى معاهدة 1936 التي مهدت لانضمام دولتي اللاذقية وجبل الدروز إلى الجمهورية السورية، مرورًا بمرحلة ما بعد إعلان الاستقلال في الأول من كانون الثاني/يناير 1944 في عهد الرئيس شكري القوتلي، وانتهاءً بجلاء القوات الفرنسية في 17 نيسان/أبريل 1946، وهو التاريخ الذي غدا عيد الجلاء والعيد الوطني السوري.
اليوم، يجد مجلس الشعب السوري نفسه أمام محطة تأسيسية جديدة تحمل شبهًا بنيويًا مع لحظة 1928-1930، إذ تتطلب المرحلة الراهنة إعادة صياغة الإطار التشريعي للدولة برمته، وسط حاجةً ماسةً إلى قوانين تواكب متطلبات الاستثمار وإعادة الإعمار وتنظيم القطاعات الاقتصادية والخدمية. وتتشكل ملامح المؤسسات من جديد، بالتوازي مع الحاجة إلى كفاءات تشريعية وإدارية قادرة على استيعاب حجم التشريعات المطلوبة خلال فترة قصيرة نسبيًا.
تبدو زيارة الوفد البرلماني الفرنسي، بهذا المعنى، امتدادًا طبيعيًا لزيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق، ومحاولةً فرنسيةً لنقل العلاقة من مستوى التواصل السياسي الرفيع إلى مستوى التعاون المؤسسي
تعاون تشريعي بواجهة برلمانية
يأتي الوفد الفرنسي، حاملًا معه نوابًا وخبراء قانونيين مهتمين بشؤون البرلمانات ومستشارين تشريعيين، في خطوة تعكس اهتمامًا فرنسيًا بتطوير التعاون مع مجلس الشعب في المجال القانوني. ويُفترض أن يجري هؤلاء الخبراء سلسلة لقاءات مع أعضاء المجلس والمتخصصين والأكاديميين والحقوقيين، بهدف بحث آليات تبادل الخبرات في إعداد وصياغة التشريعات المرتبطة بالإدارة العامة والاستثمار، وإعادة تنظيم القطاعات الاقتصادية ومراكز صنع السياسات العامة في البلاد.
ربما يحمل هذا التعاون طابعًا مريحًا نسبيًا بحكم القرابة التاريخية بين النظامين القانونيين، إذ استلهم القانون المدني السوري عند صياغته جانبًا مهمًا من المدرسة القانونية الفرنسية، تمامًا كما استلهم دستور 1928 السوري، بحسب ما وثقته دراسات تاريخية، نظامًا برلمانيًا يشبه نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة. فيما شكّل دستور 1950 لاحقًا محطةً توفيقيةً استعادت الفصل بين السلطات على النسق الذي عرفته التجربة الدستورية الفرنسية والغربية عمومًا. ويخلق هذا الإرث المشترك أرضيةً نصّيةً وفكريةً وإجرائيةً بين المتخصصين في البلدين، ويسهّل تبادل الخبرات الفنية في مجالات الصياغة التشريعية.
ما هو أبعد من المعلن
يمكن قراءة خلف العنوان التشريعي البرلماني طبقةً أعمق من الحسابات الفرنسية، أو ربما طبقةً تستحضر إرث فرنسا الطويل في بلاد الشام، الذي تعود جذوره إلى الحروب الصليبية وحماية الأقليات المسيحية في المنطقة، وتجدد لاحقًا عبر تكليف مؤتمر سان ريمو فرنسا بمهمة الانتداب في نيسان/أبريل 1920، حيث رأت باريس حينها في هذا الدور رصيدًا استراتيجيًا لتثبيت نفوذها في شرق المتوسط ومواجهة الهيمنة البريطانية في مصر والعراق.
ومن خلال هذه اللمحة التاريخية، يمكن ملاحظة عودة فرنسا اليوم إلى الانخراط في الشأن التشريعي السوري بوصفها استعادةً لدور تقليدي طالما مارسته في المنطقة، أي دور الراعي المؤسسي الذي يشارك في صياغة القوانين والدساتير. تمامًا كما فعلت حين أشرفت حكومة سالونيك المؤقتة على تنظيم الانتخابات النيابية عام 1930، وكما فعل الجنرال كاترو حين كلّف الشيخ تاج الدين الحسني رئاسة الجمهورية عام 1941، بعد تعذر إقناع هاشم الأتاسي بتولي المنصب، في خطوة عكست استمرار التأثير الفرنسي في إدارة المرحلة الانتقالية، رغم الخطاب الرسمي الذي رفع شعار الاستقلال والسيادة، مواكبةً لمرحلة انتقالية شهدت تدريجيًا نقل مصالح مدنية وقطاعات حيوية كالبرق والبريد وسكك الحديد من الإدارة الفرنسية إلى الجانب السوري.
أما الفارق الجوهري بين تلك الحقبة والمرحلة الراهنة، فيكمن في طبيعة العلاقة ذاتها؛ إذ قام الحضور الفرنسي آنذاك على صك انتداب صادرت بموجبه فرنسا القرار السيادي، وفرضت دستورًا، وحلّت برلمانًا كلما تعارضت مصالحها مع رغبة النواب الوطنيين. بينما يأتي الحضور الفرنسي اليوم بصيغة الشريك المستشار الذي يقدم الخبرة ضمن إطار تعاون طوعي بين دولتين متكافئتين شكليًا ومؤسسيًا (رئاسيًا وحكوميًا). ويخدم هذا التحول مصلحة الطرفين معًا؛ إذ تستعيد فرنسا موطئ قدم مؤسسيًا في ملف كانت جزءًا أصيلًا من تاريخه، وتحصل سوريا على خبرة تقنية متراكمة، بصيغة تحفظ لها كامل صلاحية القرار النهائي.
تتضح أبعاد هذا الحضور المتجدد عند النظر إلى الشق الاقتصادي؛ فإعادة إعمار سوريا ستعتمد إلى حد بعيد على البيئة القانونية التي ستنظم عملية الاستثمار، وسيشكّل تحديث قوانين الشركات والعقود والإدارة المحلية والمالية العامة جزءًا أصيلًا من عملية إعادة البناء نفسها. تمامًا كما شكّل مكتب الحبوب ومكتب الإحصاء والارتباط، الذي أسسته سلطات الانتداب خلال الحرب العالمية الثانية، ركيزةً استخدمتها الحكومات السورية لاحقًا في إعداد قوائم الناخبين وإصدار المجموعة الإحصائية السنوية بعد الاستقلال. وقد بنت فرنسا خلال عقود الانتداب خبرةً فنيةً في مؤسسات الدولة السورية، تركت—رغم سياقها الاستعماري—بنيةً تحتيةً إداريةً وتشريعيةً استمر الجانب السوري في توظيفها لعقود لاحقة، وهو ما يمنح باريس اليوم موقعًا مريحًا للعودة إلى الملف ذاته بصيغة تعاونية.
إحياء علاقة قديمة
يبقى المشهد الراهن ثمرة تقاطع مصالح حقيقي بين الطرفين؛ إذ تسعى دمشق، من جهتها، إلى تنويع شراكاتها الدولية بعد سنوات من العزلة، والانفتاح على قوى أوروبية قادرة على الإسهام في إعادة الإعمار ونقل الخبرات وتطوير مؤسسات الدولة ولمّ شمل البيت السوري، تمامًا كما سعت الحكومات السورية المتعاقبة بعد الجلاء عام 1946 إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وتبدو زيارة الوفد البرلماني الفرنسي، بهذا المعنى، امتدادًا طبيعيًا لزيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق، ومحاولةً فرنسيةً لنقل العلاقة من مستوى التواصل السياسي الرفيع إلى مستوى التعاون المؤسسي، حيث تتحول البرلمانات والخبراء والمؤسسات إلى أدوات لبناء الثقة بين البلدين. وتستعيد هذه الصيغة عمق العلاقة التاريخية بين باريس ودمشق، وتعيد تقديمها هذه المرة في إطار الشراكة والمصالح المتبادلة، تمهيدًا لمرحلة يأمل الطرفان أن تحمل عنوان ما بعد إعادة بناء سوريا.
ويمتد الأثر الفرنسي في بنية الدولة السورية إلى ما هو أبعد من صياغة الدساتير المتعاقبة، ليصل إلى تأسيس مرافق تعليمية وقضائية شكّلت، لعقود طويلة، قاعدة تكوين الكوادر القانونية السورية. وقد استمرت كلية الحقوق في دمشق، التي تعود جذورها إلى مطلع القرن العشرين، في اعتماد المنهج الفرنسي في تدريس القانون المدني والإداري خلال سنوات الانتداب وما بعدها، ونشأ على أثر ذلك جيل كامل من القضاة والمحامين والمشرّعين السوريين على مزيج من الفقه الفرنسي والاجتهاد المحلي. وهو المزيج الذي بقي حاضرًا في صياغة القانون المدني السوري الصادر عام 1949 برئاسة عبد الرزاق السنهوري، والذي استند، إلى حد بعيد، إلى المدرسة اللاتينية الفرنسية مع مراعاة خصوصية الشريعة والعرف المحليين.
يمنح هذا التداخل التاريخي بين المنظومتين خبراء التشريع الفرنسيين اليوم أرضيةً مشتركةً مع نظرائهم السوريين، ويجعل الحوار حول قوانين الاستثمار والشركات والعقود أقرب إلى استئناف مسار قديم منه إلى بداية تجربة مستحدثة.
الأداة الاقتصادية
شكّلت المؤسسات المالية التي أنشأتها سلطة الانتداب ركيزةً مبكرةً للبنية الاقتصادية السورية الحديثة؛ فقد تأسس بنك سوريا ولبنان عام 1924 بامتياز فرنسي، وتولى إصدار العملة الموحدة "الفرنك السوري-اللبناني" وإدارة السياسة النقدية للبلدين طوال عقود الانتداب وما بعدها. وبقيت تبعات هذا الإرث المالي حاضرةً في بنية النظام المصرفي السوري حتى بعد الاستقلال وتأميم القطاع المصرفي في ستينيات القرن الماضي.
ويفسّر استحضار هذا الإرث جانبًا من الاهتمام الفرنسي الراهن بالبيئة التشريعية المصاحبة لإعادة الإعمار؛ إذ تدرك باريس أن نجاح أي حضور اقتصادي مستقبلي يرتبط، إلى حد كبير، بمدى استقرار قوانين الاستثمار الأجنبي وحماية الملكية وتسوية النزاعات التجارية. وستحدد هذه الملفات، إلى درجة كبيرة، قدرة الشركات الفرنسية على الدخول إلى السوق السورية بثقة، أسوةً بما سعت إليه باريس تاريخيًا عبر امتيازات السكك الحديدية والمرافئ والمرافق العامة التي حصلت عليها الشركات الفرنسية خلال فترة الانتداب.
تراهن فرنسا، في خضم هذا الازدحام، على عنصر التمايز الذي يمنحها إياه عمقها التاريخي والمؤسسي في سوريا، محاولةً تحويل هذا الرصيد الرمزي إلى موقع تفضيلي فعلي في مرحلة توزيع فرص إعادة الإعمار وعقود الاستثمار
وتدرك باريس أن تمهيد الطريق أمام كبرى شركاتها للدخول إلى السوق السورية يمر أولًا عبر البوابة التشريعية، قبل أي حديث عن عقود أو مشاريع فعلية. وتتقدم في هذا السياق شركات مثل (TotalEnergies) في قطاع الطاقة، و(EDF) و(Engie) في الكهرباء، و(CMA CGM) في الموانئ والخدمات اللوجستية، و(Vinci) و(Bouygues في) مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى (Alstom) في قطاع النقل، بوصفها الجهات الأكثر ترقبًا لنتائج هذا التعاون التشريعي. إذ تحتاج كل واحدة منها إلى إطار قانوني واضح ومستقر ينظم عقود الامتياز، وضمانات الاستثمار، وآليات فض النزاعات، قبل الإقدام على أي التزامات مالية طويلة الأمد داخل السوق السورية.
وتسعى باريس، من خلال الاستشارة التشريعية التي يقدمها وفدها، إلى وضع اللبنات الأولى لهذا الإطار القانوني، بما يخدم لاحقًا حصول شركاتها على موقع تفضيلي داخل السوق، بالتوازي مع اهتمام فرنسي بربط هذا التحرك التشريعي بمشاريع الربط التجاري بين الخليج وشرق المتوسط. وهي مشاريع تمنح سوريا موقعًا محوريًا في حركة التجارة الإقليمية، وتجعل استقرار تشريعاتها الاقتصادية شرطًا مسبقًا لنجاح أي من هذه المشاريع مستقبلًا.
سياق إقليمي مزدحم بالفاعلين
يأتي هذا التحرك الفرنسي في وقت تتزاحم فيه قوى إقليمية ودولية متعددة على استعادة موطئ قدم في الملف السوري، بين دول خليجية تسعى إلى توسيع استثماراتها في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، وتركيا التي تحتفظ بحدود مشتركة طويلة ومصالح اقتصادية وأمنية وعسكرية مباشرة، وقوى أوروبية أخرى بدأت هي أيضًا تعيد تقييم علاقتها بدمشق بعد سنوات من التحفظ.
وتراهن فرنسا، في خضم هذا الازدحام، على عنصر التمايز الذي يمنحها إياه عمقها التاريخي والمؤسسي في سوريا، محاولةً تحويل هذا الرصيد الرمزي إلى موقع تفضيلي فعلي في مرحلة توزيع فرص إعادة الإعمار وعقود الاستثمار، بما يمنحها الأسبقية على منافسين يفتقرون إلى هذا العمق التاريخي المشترك مع المؤسسة التشريعية والقانونية السورية.
ويظل نجاح هذا التوجه مرهونًا بعوامل عدة تستحق المتابعة في الأشهر المقبلة، وتتصدرها قدرة مجلس الشعب السوري، وهو مؤسسة في طور إعادة بناء ذاتها المؤسسية بعد مرحلة انتقالية طويلة، على استيعاب وتيرة التعاون الفني التي تقترحها باريس. ويلي ذلك مدى تحوّل الاستشارات القانونية إلى تشريعات فعلية قابلة للتطبيق، وقدرة الطرفين على المواءمة بين النموذج القانوني الفرنسي ومتطلبات الخصوصية السورية الراهنة، بما يشمل موازين القوى السياسية الداخلية والتوازنات المجتمعية التي تحكم عملية سن التشريعات الجديدة.
ويبقى مصير هذا المسار مرتبطًا أيضًا بمدى استمرار الزخم السياسي الذي أطلقته زيارة الرئيس ماكرون، في ظل بيئة إقليمية ودولية سريعة التبدل، تفرض على باريس ودمشق معًا وتيرة عمل تحول التفاهمات المعلنة إلى نتائج ملموسة قبل تبدد الفرصة التاريخية الراهنة.










