خارطة الطريق الأممية الجديدة.. "فرصة أخيرة" أمام ليبيا؟
23 أغسطس 2025
كشفت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، عن تفاصيل خارطة الطريق الجديدة التي أعدتها الأمم المتحدة بشأن الأزمة الليبية. وجاء الإعلان في إحاطة قدّمتها تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي هذا الأسبوع، موضحة أن تنفيذ الخارطة يستغرق ما بين 12 و18 شهرًا.
وتهدف خارطة الطريق إلى تسوية الأزمة السياسية المستمرة منذ أكثر من عقد، نتيجة الانقسام الذي أعقب آخر انتخابات نُظمت عام 2014، والذي أدى إلى وجود أكثر من حكومة في شرق البلاد وغربها، وامتداد الانقسام إلى باقي المؤسسات المدنية والعسكرية.
ويرى الفريق الأممي العامل في ليبيا أن الخارطة الجديدة يمكن أن تتيح تجاوز حالة الانقسام، عبر التمهيد لإجراء انتخابات توافقية تشمل البرلمان والرئاسة.
تهدف خارطة الطريق إلى تسوية الأزمة السياسية المستمرة منذ أكثر من عقد، نتيجة الانقسام الذي أعقب آخر انتخابات نُظمت عام 2014
ويأتي التمهيد لخارطة الطريق الأممية في ظل تغييرات شهدتها المؤسسة العسكرية شرق ليبيا، أبرزها تعيين أبناء خليفة حفتر في مناصب قيادية عليا، في ما اعتُبر هندسة للتمكين أو للتوريث. كما يتزامن ذلك مع المرحلة الثانية من الانتخابات المحلية، التي عجزت لجنة الانتخابات عن استكمالها في كل البلديات بسبب الانقسام والفوضى وأعمال العنف التي مارستها بعض الأطراف أمام مكاتب الاقتراع، إضافة إلى رفض مناطق معينة إجراء التصويت من الأساس.
ويُشار إلى أنّ الجهاز التشريعي في ليبيا يتكون حاليًا من مجلسين: مجلس النواب في طبرق برئاسة عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة ومقره طرابلس. أما السلطة التنفيذية فتتوزع بدورها بين حكومتين: الأولى في بنغازي برئاسة أسامة حمّاد والمدعومة من مجلس النواب، والثانية المعترف بها دوليًا في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والتي تستمد شرعيتها من اتفاق الصخيرات.
وفي ظل هذا الانقسام المؤسسي والسياسي، يُطرح التساؤل حول ما إذا كانت خارطة الطريق الأممية الجديدة ستنجح في إنهاء حالة التشرذم وتأسيس وضع سياسي موحد يتيح إدارة الخلافات وفق قواعد الممارسة الديمقراطية.
مكونات خارطة الطريق الأممية
ترتكز الخارطة التي أعلنت عنها هانا تيتيه على ثلاث ركائز أساسية: أولًا، إعداد إطار انتخابي متماسك تقنيًا وقابل للتنفيذ؛ ثانيًا، تشكيل حكومة تنفيذية موحدة تدمج مؤسسات الشرق والغرب؛ وثالثًا، إطلاق حوار شامل لمعالجة القضايا الخلافية، خصوصًا الأمنية والاقتصادية والانتخابية. ومن المقرر أن تنتهي هذه العملية خلال فترة لا تتجاوز 18 شهرًا، أي مع مطلع عام 2027 على أبعد تقدير.
وتقترح البعثة الأممية تنفيذ الخارطة على مراحل، تبدأ بمرحلة أولى مدتها شهران تشمل إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات وإقرار التعديلات الدستورية والتشريعية، ثم مرحلة ثانية تستغرق ما بين 8 و12 شهرًا وتشمل تشكيل حكومة موحدة جديدة تتولى الإشراف على الانتخابات.
وأشارت تيتيه في إحاطتها أمام مجلس الأمن يوم الخميس إلى أن الخارطة استندت إلى استبيانات شملت شرائح من المجتمع، ومداولات لجنة استشارية تضم مدنيين ونشطاء وممثلين عن المجتمع المدني.
غير أن هذه الآلية كانت محل انتقاد من بعض الفرقاء السياسيين، الذين اتهموا البعثة بمحاولة الانفراد برسم مستقبل العملية السياسية في ليبيا. ويخشى مراقبون أن يقود ذلك إلى تعطيل الخارطة أو إفشالها، رغم ما تضمنته من "ضمانات بديلة" صُمّمت لمواجهة أي عراقيل محتملة.
كما ستوفّر الأمم المتحدة منصة حوار تجمع مختلف الفاعلين السياسيين وممثلي الشعب بهدف الوصول إلى صيغة توافقية حول الملفات الخلافية.
وتحظى هذه المبادرة بدعم قوي من مجلس الأمن، وتعوّل البعثة الأممية على هذا الدعم لضمان التزام الأطراف السياسية بخارطة الطريق الجديدة.
عقبات
أبدت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، في إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، جملة من المخاوف، على رأسها الجانب الأمني، محذّرة من رصد البعثة لتزايد وتيرة التسليح وتصاعد الخلافات بين الأجهزة والفصائل المسلحة، إضافة إلى ملف المرتزقة.
كما أشارت إلى الملف المالي والفساد الإداري، معتبرة أن الحاجة ماسة إلى "اعتماد ميزانية موحدة بمرجعية الاتفاق السياسي، كشرط لتعزيز كفاءة إدارة المال العام وتخفيف حدة الانقسامات بين المؤسسات المالية".
تقترح البعثة الأممية تنفيذ الخارطة على مراحل، تبدأ بمرحلة أولى مدتها شهران، ثم مرحلة ثانية تستغرق ما بين 8 و12 شهرًا
فرصة أخيرة
اعتبرت الدول الغربية في مجلس الأمن، ممثلة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أن خارطة الطريق الأممية تمثل "فرصة أخيرة لتوحيد المؤسسات وتنظيم الانتخابات" في ليبيا.
وعلى صعيد المواقف المتفرقة، حذّرت المندوبة الأميركية من "الانتهاكات المتكررة لحظر السلاح والاتجار غير المشروع بالنفط"، ملوّحة بفرض عقوبات مستقبلية على "المعرقلين".
أما المندوب الروسي فشدد على ضرورة أن ينطلق أي مسار سياسي من توافق داخلي بين الليبيين، مترافق مع انسحاب متوازن للقوات الأجنبية، فيما اعتبر المندوب الصيني أن الأولوية تظل للحوار الداخلي بما يحفظ السيادة الوطنية.
المواقف الليبية
جاءت مواقف الفرقاء الليبيين، وفق المعلن، إيجابية بشكل عام تجاه خارطة الطريق. فقد رحّب بها المجلس الرئاسي والحكومة الموازية المدعومة من مجلس النواب، في حين اعتبرت حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة أن العقبة الأساسية تكمن في "القوانين الانتخابية"، مؤكدة أن الحل يتمثل في التوجه مباشرة إلى الانتخابات.
وفي هذا السياق، دعا بيان صادر عن المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي، إلى وضع "جدول زمني ملزم" وحسم الخلافات بشأن القوانين الانتخابية عبر الاستفتاء أو مسارات بديلة. أما بخصوص مقترح تشكيل حكومة موحدة، فقد أبدى مجلس النواب دعمه له، بينما لم تُعلن بقية الأطراف موقفًا واضحًا بعد.







