خارطة التنظيمات المتطرفة في سوريا.. سباق نهايات لن تكتمل

خارطة التنظيمات المتطرفة في سوريا.. سباق نهايات لن تكتمل

تشهد الخارطة العسكرية للتنظيمات المتطرفة في سوريا تغيّرًا مستمرًا (أحمد الروباي/ أ.ف.ب)

خلال الشهرين الماضيين طرأت تطورات جديدة على الخارطة العسكرية للتنظيمات الإسلامية المتطرفة في سوريا، لتفتح المجال أمام مجموعة أسئلة مرتبطة بمصير المدنيين المتواجدين في مناطق سيطرتها، وكذا السباق الأمريكي الروسي في سبيل القضاء عليها، وإن كان بالأساس يمكن القضاء عليها أم أنها مجرد انهيارات تساعدها على إعادة لملمة صفوفها المنهارة للنهوض من جديد.

منذ تشكيله، قُتل ما لا يقل عن 4500 مدني بهجمات التحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق

وتختلف الخارطة العسكرية لهذه التنظيمات في سوريا عن العراق، بتواجد هيئة تحرير الشام (هتش) في شمال سوريا، والتي تشكل جبهة فتح الشام ذات الصلة بتنظيم القاعدة عمادها الرئيسي، وفي الشرق بدأ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تجهيز مقاتليه تمهيدًا لمعركة محافظة دير الزور، التي أضحت أكبر معاقله بين جميع مناطق سيطرته.

إحصائيات وأرقام

منذ استلام دونالد ترامب مهامه في البيت الأبيض، كثّف التحالف الدولي بقيادة واشنطن، من ضرباته الجوية على مواقع داعش في سوريا، وباتت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تحاصر نحو ألفي مقاتل داخل أحياء مدينة الرقة من جميع الجهات، مع تأكيد المبعوث الأمريكي للتحالف، بريت ماكغورك، بأنهم "لن يغادروا المدينة أحياء".

اقرأ/ي أيضًا: مدنيو الرقة.. من مقصلة "داعش" إلى انتهاكات القوات الكردية

لكن تقدم التحالف الدولي على الأرض، رافقه ارتفاع في أرقام الضحايا المدنيين الذي قضوا بغارات جوية، قيل إنها استهدفت مواقع يتحصن داخلها عناصر التنظيم في البلدين المجاورين لبعضهما.

وذكرت منظمة "إير وورز" البريطانية، أن عدد الضحايا الذين قضوا منذ تولي ترامب الرئاسة، في 20 كانون الثاني/يناير الماضي، وحتى 13 تموز/يوليو الماضي، يقارب 2200 مدني، بينما قضى 2300 مدني منذ تشكيل التحالف حتى نهاية ولاية الرئيس السابق لأمريكا باراك أوباما، ما يعني أنه قتل نحو 4500 مدني بهجمات جوية منذ تشكيل التحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق.

أما روسيا فإنها لا تخفي أيًا من أعمالها العسكرية في سوريا، وعلى العكس من ذلك تنشر يوميًا عبر وسائل إعلامها الرسمية، أرقامًا تقول إنها توثق محاربتها للتنظيمات الإرهابية. وقبل أيام كشف رئيس غرفة العمليات في هيئة الأركان الروسية سيرغي رودسكوي، أن بلاده نفذت منذ 30 أيلول/سبتمبر 2015، نحو 28 ألف تحليقًا قتاليًا، و90 ألف غارة جوية في مختلف المدن السورية.

وفي تقارير متعددة، رصد "ألترا صوت" توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مقتل ما لا يقل عن 5484 مدنيًا في سوريا، على يد القوات الروسية، حتى نهاية تموز/يوليو الماضي، إذ اقتصر التدخل الروسي في البدايات على شن هجمات جوية ضد المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة المنضوية تحت لواء الجيش السوري الحر.

سباق روسي أمريكي

وكان من أبرز نقاط برنامج ترامب الانتخابي، القضاء على داعش خلال فترة زمنية قصيرة، ولطالما انتقد سياسة سلفه أوباما فيما يخص التعامل مع التنظيم المتشدد، في أكثر من مرة. لكن التسريبات التي شهدتها وسائل الإعلام الأمريكية تكشف فيها تدّخل روسيا في مسار الانتخابات الرئاسية، اضطرته للتعجيل من مهام التحالف الدولي دون أن يأخذ مسألة حماية المدنيين على رأس أولياته، وفي نفس الوقت وجد أنه دخل في سباق غير مباشر مع روسيا لمنعها من تقوية نفوذها على السواحل السورية المتاخمة للبحر المتوسط.

في المقابل، استفادت روسيا من عاملين رئيسين بتدخلها لدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد، فهي في المقام الأول بدأت بالعود للساحة الدولية كقوة عظمى فاعلة، وثانيًا لتحويلها سوريا لمختبر تجرب فيه أسلحتها الحربية الجديدة، وقد كشف مسؤول روسي أنهم عملوا على تجريب أكثر من 200 نموذج من الأسلحة الروسية، "خاصة تلك التي لا تزال قيد الاختبار"، حسبما قال.

التدخل في سوريا، ضَمن لروسيا إعادة الاعتبار لها كقوة عظمى فاعلة، فضلًا عن الفرصة التي حظيت بها لتجريب أكثر من 200 سلاح في سوريا

التبدلات التي شهدتها الخارطة العسكرية السورية دفعت بترامب لحث قواته على إنهاء عملية الرقة سريعًا حتى يتسنى لـ"قسد" التوجه لمدينة دير الزور، قبل أن تصلها قوات الأسد والمليشيات الأجنبية المدعومة إيرانيًا، كونها المدينة التي تحقق لإيران حلمها بالسيطرة على طريق "دمشق بغداد" السريع، أي أن الولايات المتحدة، وبالإضافة إلى حربها على داعش، صار ضمن أولوياتها أيضًا منع طهران من التوسع في سوريا، والذي سيزيد من نفوذها في الشرق الأوسط.

اقرأ/ي أيضًا: حرب البادية السورية.. ماراثون البوابات الحدودية

ومن الممكن أن يُغطي الإسراع في تنفيذ العمليتين على انتقادات وسائل الإعلام لإدارة ترامب التي استقال أو أُقيل منها كثير من رجاله الذين رافقوه خلال حملته الانتخابية، لكن في البداية قد يكون مضطرًا لإنشاء تحالف مع روسيا، وهو الأمر المستبعد حاليًا بعد أن طردت موسكو مئات الدبلوماسيين الأمريكيين، كما أنّ روسيا لا تواجه ضغوطًا كبيرة في سوريا الفترة الحالية، بل إنها استطاعت إنجاز اتفاقيتي وقف إطلاق نار في أقل من 10 أيام وبعيدًا عن الولايات المتحدة، ما يعني أن وضعها أكثر استقرارًا في سوريا الفترة الحالية. 

هل تقضي الدول الغربية على داعش؟

ذكرت تقارير للتحالف الدولي، أن غالبية قادة الصف الأول في داعش توجهوا لمدينة الميادين بريف دير الزور، التي أعلن التنظيم فيها النفير العام، ما يطرح تساؤلًا مهمًا حول إمكانية نجاح واشنطن أو موسكو في سباقهما للقضاء عليه.

هذا وتجاهل سباق الدول الغربية للقضاء على داعش، مسألة حماية المدنيين من انتهاكات القوات المدعومة على الأرض، أو من غارات الطائرات في السماء، مكتفين بإعلان التعاطف معهم. وقد أظهرت عشرات مقاطع الفيديو تعرض كثير من المدنيين لانتهاكات مختلفة من قبل عناصر قسد، فضلًا عن التقارير التي تتحدث عن منع السكان الأصليين من العودة إلى منازلهم، واعتقال الرجال على نقاط التفتيش لحجج مختلفة، من بينها زعم قتالهم مع داعش دون التأكد من ذلك.

ويرى مراقبون أن الخسائر التي مني بها داعش سواءً في العراق أو سوريا، تمثل ضربة لقياداته، لكن في مقابل ذلك قد تكون هذه الخسائر بداية لمرحلة جديدة، بالأخص أن التنظيم بات يعتمد على من يلقبهم بـ"أشبال الخلافة" في عملياته العسكرية، وهم العناصر الأصغر سنًا وكثيرٌ منهم أطفال، وزاد من نسبة ظهورهم ضمن المقاطع المصورة بشكل لافت، وهذا الاعتماد جاء بعد فقدانه العديد من مقاتليه، ويرافق ذلك أن معركة دير الزور تختلف عن باقي المعارك كونها محط أنظار أكثر من دولة إقليمية على عكس باقي المناطق.

ماذا عن "تحرير الشام"؟

أما في شمال سوريا فقد مثل إعلان هيئة تحرير الشام سيطرتها على أكثر من نصف الشمال السوري، تطورًا جديدًا، فتح الاحتمالات أمام تدخل غربي في المنطقة، كونها مدرجة على قائمة التنظيمات الإرهابية لدى الأمم المتحدة. وبحسب التقديرات الروسية، فإن عدد مقاتلي هتش تجاوز 25 ألف مقاتل، لكن الأمر لا يشبه مناطق داعش بسبب محاذاة المنطقة للحدود مع تركيا، إذ ستحاول أنقرة جاهدة تجنيب المنطقة عملية عسكرية، كونها تؤوي نحو مليوني مدني، زيادةً على إيواء المخيمات الحدودية لمئات الآلاف من المدنيين.

ويوم الجمعة الماضي أعلن القائد العام لهتش، هاشم الشيخ (أبوجابر)، استعداد الهيئة حل نفسها، شريطة أن تحل كافة الفصائل نفسها أيضًا، وأن يحدث اندماج ضمن جسم عسكري واحد. لكن هذا القرار قد يعرض كافة الفصائل في الشمال للقصف الغربي، بسبب رفض موسكو وواشنطن أي جسم عسكري تكون جبهة فتح الشام (النصرة سابقًا) من مكوناته، والذي من الممكن أن يعرقل جهود أنقرة المبذولة لتجنيب المنطقة عملية عسكرية.

من المرجح ألا نشهد انحسارًا كبيرًا في نفوذ التنظيمات المتشددة في سوريا، على المدى القريب على الأقل

ويظهر أن هتش تحاول بشتى الطرق أن تنجح في تجنيب الشمال السوري عملية عسكرية من القوى الغربية، وأن تقود مفاوضات توحد فصائل المعارضة ضمن جسم واحد حتى تبقى الفصيل المسيطر على المنطقة، إلا في حال شنت القوى الغربية عملية عسكرية ما يدخل الشمال السوري ضمن توقعات مجهولة النتائج.

اقرأ/ي أيضًا: 4 سيناريوهات محتملة ينتظرها الشمال السوري

إجمالًا، ومع كل هذه التطورات، فإنه مرجح على المدى القريب على الأقل، ألا نشهد انحسارًا كبيرًا لنفوذ التنظيمات المتطرفة في سوريا، كونها بشكل أو بآخر تُحاول تفادي أخطاء تجاربها السابقة، كما أنّ تنظيم داعش بدأ منذ شهر يُعد مقاتليه لمعركة دير الزور التي تحدد نتائجها جزءًا مهمًا من مصير التنظيم في سوريا، أما هتش فإنها ستتابع مناورتها ريثما تتفق الدول الغربية على قرار يجنب المنطقة حربًا طاحنة بين جميع القوى المتحاربة في سوريا، وهو أيضًا ما تسعى فيه تركيا حثيثًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لا يؤدي قتل قادة الإرهابيين إلى القضاء على منظماتهم؟

نماذج من "الحرب الناعمة" ضد الإرهاب