حين يمَّم تارانتينو وجهه شطرَ تل أبيب

حين يمَّم تارانتينو وجهه شطرَ تل أبيب

(Getty) كوينتن تارانتينو وزوجته الإسرائيلية دانييلا بيك

ما يعرفه الجميع هو أن كوينتن تارانتينو ليس مخرجًا عاديًا. وإذا كانت السينما حرفة تقدّم منتجًا قابلًا للتسويق والبيع، فهو واحد من الأفضل في تاريخ هوليوود. لديه بصمة يتركها في معظم أفلامه: العنف. وتقريبًا، سيتفق الجميع. لكنه لا يحبّ الحديث المتكرر عن العنف في أفلامه، وينزعج من السؤال عنه. لكن أفلامه ليست لها أي قيمة أو معنى من دون هذا العنف، الذي لا يحبّ الحديث عنه. وهو نفسه، لا قيمة له، من دون أفلامه.  وهي ليست "قيمة ثابتة" في أي حال.

ذات مرة انفعل في وجه محاوره. أخرج من داخله كل عنف "الرجل الأبيض"، معترضًا وصارخًا ضدّ السؤال عن العنف في أفلامه. ما يعرفه السينيفيليون أيضًا، أن طبيعة أفلام المخرج، ليس بالضرورة أن تعكس شخصيته بالضرورة. مايكل هاينكي يحظى بحياة سعيدة رغم أن أفلامه سوداوية، وعباس كيارستمي قاوم المرض حتى آخر لحظة وظل متمسكًا بالأمل رغم أنه في "طعم الكرز" كان يرّوج لنوع خاص وفريد من اليأس. مبدئيًا، ليس بالضرورة أن يكون تارانتينو عنيفًا. ليس بالضرورة أن يكون حقيرًا مثل أبطال أفلامه. لكن هاينكي وكيرستامي مخرجين حقيقيين. تارانتينو ليس حقيقيًا. إنه كما وصفته الصحافة الفرنسية تمامًا: الابن الرهيب لهوليوود. لا يوجد شيء حقيقي يخرج من هوليوود. والآن، صار تارانتينو الإبن الرهيب لإسرائيل أيضًا. حسب الصحافة الفرنسية، سيذهب للعيش هناك مع زوجته الإسرائيلية دانييلا بيك. صار مثل أبطال أفلامه.

هل قاد العنف تارانتينو إلى إسرائيل، أم أن علاقته بما تمثله إسرائيل قادته إلى العنف الذي يحبّه في أفلامه؟

هل قاد العنف تارانتينو إلى إسرائيل، أم أن علاقته بما تمثله إسرائيل قادته إلى العنف الذي يحبّه في أفلامه، ويظن أن بإمكانه تفادي الحديث عنه. ليست تلك القصة العاطفية التي جمعته مع دانيلا بيك، ولا "خيارات شخصية". بل تاريخ طويل من العنف، في شخصية تتنفس العنف، وتبحث عنه بدون أي ضوابط أخلاقية. وحتى لا يكون السرد سردًا اعتباطيًا، قد يكون من المفيد الإشارة إلى مسألتين أساسيتين في خيارات المخرج الهوليوودي.

اقرأ/ي أيضًا: "Reservoir Dogs" تارانتينو الذي لا يبالي

المسألة الأولى، نشأته في ضواحي لوس أنجلس. تلقى تعليمًا كاثوليكيًا، لكنه أظهر منذ سنواته الأولى، بعد تركه المدرسة، ميلًا واضحًا إلى السينما العنيفة. حتى الآن، لا جديد. تقريبًا هذا معروف عنه. ولكن، قلما أن ينتبه كثيرون، إلى أن أوائل الأفلام التي استرعت "بطل إسرائيل" الجديد، هي أفلام تنافس على بطولتها ممثلون من نوعية آرنولد شوارنزيغر وسيلفستر ستالون، إضافة إلى نجم هذه السلسلة التافهة، أي تشاك نوريس. ليس غريبًا أن تكون هذه الفئة تولت مهمة الترويج للدعاية ضدّ الشيوعية، وليس غريبًا أن يكون ميل تارانتينو إلى الدعاية هو ما يقنعه بأن الحياة ممكنه في بلد قائم على الاحتلال. تنافس أبطال تلك الحقبة، مثلما تنافس أبطال تارانتينو لاحقًا، على التفوق في مجموعة عناصر، تحتاج إلى تفصيل، كالذكورية وتمجيد القوة والنمط الرأسمالي. لولا اخراجه Django Unchained، وحتى بعد إخراجه، هناك كثيرون يعتقدون أن النزعة العرقية البيضاء تهيمن على أفكار تارانتينو، لكن ما هو مؤكد أن النزعة الذكورية في أفلامه ظاهرة. ما كان يشفع له دائمًا هو الانتماء إلى هوليوود التي تبيع وتشتري وتجيد التسويق، من دون أن يلغي ذلك حرفته العالية كمخرج صاحب إمكانات تقنية رهيبة.

سيدافع كثيرون عن خياراته بالذهاب للعيش في دولة الاحتلال. وسيقولون بالسذاجة ذاتها إن هذا سوء تقدير لمخرج مهم، وإن محاولة تبخيس أعماله سببها "أيديولوجي". طبعًا لا أحد يملك الوقت لتوضيح هذه التفاهة لمن يحتاج إلى توضيحات. النقطة الوحيدة الصحيحة في هذا كله، هو أن العنف مفهوم، وأنه ليس سببًا بحد ذاته لاتخاذ موقف سلبي من العمل الفني بسبب طبيعته العنفية، لأن هذا سيكون ضربًا من ضروب التبسيط. أفلامه ستبقى هامة. الموقف ليس أيديولوجيًا، أو كيديًا ضدّ العنف، بل في حالة تارانتينو هو موقف من مسببات العنف، التي لا يفسّرها إلا الذهاب للمشاركة في اضطهاد شعب مُحتل، والتخلي عن إرث الاستيطان الأوروبي الأبيض في أمريكا، للمساهمة في استيطان آخر.

بعد كل شيء، صار عنف تارانتينو مفهومًا، وقابلًا للصرف، اذ يتجه ليعيش في دولة تنتج نفسها بالعنف، وتعتقد أنها تكتسب شرعية عبره. حسب المعلومات الصحافية، ينوي "روميو الجديد" تعلم اللغة العبرية بجدية تامة. هكذا يمكنه التحدث مع ليبرمان بكل سلالة ربما، وأن ينتج فيلمًا معه. ويمكننا أن نتوقع فحوى الفيلم بكل سهولة. سيكون لدينا بطل من العهد القديم، غالبًا، وسيقتل آلاف الفلسطينيين. وقد يكتشف تارانتينو مسيحيانيته في تل أبيب أيضًا، وقد يقدّم إلينا النقاد الليبراليين هذا العمل، كمقترح للتطبيع!

ليس غريبًا أن يكون تارانتينو متحمسًا لنتنياهو، فهو يرفض ترامب انطلاقًا من "ماينستريم" سائد في هوليوود. يعتقد فعلًا أن نتنياهو مختلف

ليس هو فقط من يدعو للغثيان، بل محاوريه الغربيين البِيض. في الموضوع الطويل الذي أفردته "لوموند" الفرنسية، لم يُسأل أو تتم الإشارة إلى سؤاله عن أي جوانب أخلاقية متعلقة بانتقاله للعيش في دولة احتلال، بل سُئل عن مدى "خوفه من الصواريخ الآتية من غرة"، بدلًا من الحديث عن آلاف الفلسطينيين الذين تهدم جرافات الاحتلال بيوتهم، أو يموتون برصاص جنود الاحتلال، إضافة إلى عـشرات الانتهاكات اليومية (للمناسبة هذه مشاهد عنيفة يمكن أن تهم أي مخرج حقيقي) ما يهم المحاور الغربي هو التأكد بأن تارانتينو سيكون بأمن وبمأمن عن أي صواريخ قد تأتي من غزة.

اقرأ/ي أيضًا: Once Upon A Time in Hollywood.. حنين تارانتينو إلى زمن ضائع

بعد كل شيء، ليس غريبًا أن يكون تارانتينو متحمسًا لنتنياهو، فهو يرفض ترامب انطلاقًا من "ماينستريم" سائد في هوليوود. يعتقد فعلًا أن نتنياهو مختلف. والأمر ليس مزحة. عندما سُئل عن الصواريخ، أجاب مثلما كان ليجيب آرنولد أو سيلفستر ستالون أو أي بطل مصارعة حرّة: "أنا لا أخاف إطلاقًا، أنا مثل الجميع هنا، لا أهتم". حسنًا، هذا ليس مخرجًا يمكن مشاهدة أفلامه، عندما يتجاوز الإنسان سنين المراهقة. مهرّج عنيف. أما الإعلان عن ذهابه إلى دولة الاحتلال ليستقر هناك، فليس تهريجًا أو عنفًا بحد ذاته، بل تتويج لمسيرة عنف طويل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تارانتينو: لا أعتزم الاستمرار في إنتاج الأفلام

فيلم "The Hatefull Eight": العدالة الكاملة والعدالة الناقصة