حين يصبح الرفض وقودًا: قراءة في قدرة اليمين المعاصر على إعادة إنتاج نفسه
2 ابريل 2026
منذ أيام قليلة شهدت الولايات المتحدة موجة احتجاج واسعة بشعار "لا للملوك"، في تعبير جماهيري رافض لسياسات إدارة دونالد ترامب.
لا يبدو هذا المشهد مجرد حشد عابر في الشوارع؛ بل لحظة سياسية يتجسد فيها القلق العام من مسار السلطة وحدودها، حين تتحول الساحات إلى لغة احتجاج بديلة عن المؤسسات. بلافتات تدعو إلى حماية الديمقراطية وترفض ما اعتبره المحتجون نزوعًا سلطويًا في الخطاب السياسي.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون اللافتات مجرد شعارات؛ إنها محاولة لتعريف اللحظة السياسية نفسها هل ما يحدث هو خلاف سياسي عادي، أم انزلاق نحو تصور أكثر تركيزًا للسلطة؟
لكن بينما يبدو المشهد، ظاهريًا، دليلًا واضحًا على اتساع دائرة المعارضة الشعبية، فإنه يكشف في الوقت نفسه مفارقة لافتة في السياسة المعاصرة، فالاحتجاج، الذي يفترض به أن يضعف التيارات اليمينية، يتحول كثيرًا داخل خطابها إلى مادة تفسيرية جديدة تؤكد سردية "الحصار" التي تقوم عليها.
وهنا يظهر السؤال، كيف يمكن لحركات احتجاجية واسعة، خرجت أساسًا لمواجهة خطاب سياسي بعينه، أن تتحول في الوقت ذاته إلى جزء من الآلية التي تعيد إنتاج ذلك الخطاب نفسه؟
أصبح اليمين كقصة لا كبرنامج سياسي، فكرة مركزية لفهم التحولات الحديثة في السياسة المعاصرة، لكنه ظل مؤثرًا بشكل ملموس في تحركات المجتمع الغربي
اليمين كقصة، لا كبرنامج سياسي
شكل اليمين السياسي منذ القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر وجودًا أساسيًا على الساحة السياسية، لكنه ظل مؤثرًا بشكل ملموس في تحركات المجتمع الغربي، مستندًا إلى خلفية تاريخية حافلة بنتائج الحركات اليمينية.
وأصبح اليمين كقصة لا كبرنامج سياسي، فكرة مركزية لفهم التحولات الحديثة في السياسة المعاصرة. لفترة طويلة، كان يُنظر إلى اليمين بوصفه تيارًا سياسيًا ذا برامج محددة، سياسات اقتصادية محافظة، تشدد في قضايا الأمن والهجرة، أو دفاع عن قيم اجتماعية تقليدية.
غير أن التحولات التي شهدتها السياسة في العقدين الأخيرين دفعت هذا التيار إلى تجاوز هذه الصيغة التقليدية، فبدل أن يُقدَّم بوصفه برنامجًا سياسيًا متماسكًا، أخذ يتشكل كسردية عامة عن عالم مهدَّد.
في هذا العالم، لا يكون الخطر اقتصاديًا فحسب، بل ثقافيًا وهوياتيًا أيضًا؛ المجتمع، بحسب هذا الخطاب، يتعرض لاختراق من قوى متعددة،
وهكذا، يتحول الخطاب اليميني إلى قصة عن مجتمع يشعر بأنه يفقد مكانه في عالم يتغير بسرعة، وليس مجرد برنامج سياسي يُطبق أو يُرفض.
هذا التحول مهم لأنه يجعل اليمين أقل اعتمادًا على نجاح سياساته الفعلية وأكثر اعتمادًا على قدرته في صياغة رواية مقنعة عن الخطر، فالقوة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكمن في دقة ما يطرحه من سياسات، بل في قدرته على تنظيم مشاعر القلق والاغتراب داخل إطار سياسي واضح.
اليمين المعاصر في الولايات المتحدة الأميركية
يرى ستيفن إريك برونر، المدير المشارك لـ"إنترناشيونال كاونسل فور ديبلوماسي أند ديا لوج"، أن أحداث السادس من يناير في "الكابيتول" تمثل لحظة كاشفة لطبيعة اليمين المعاصر في الولايات المتحدة.
ففي ذلك اليوم، تحولت مزاعم تزوير الانتخابات إلى سردية تعبئة سياسية قادرة على حشد آلاف المحتجين الذين اقتحموا مبنى "الكابتيول".
وبرغم غياب الأدلة على حدوث تزوير واسع، فإن قوة هذه المزاعم لم تكن في صدقيتها بقدر ما كانت في قدرتها على تنظيم مشاعر الغضب والاغتراب لدى قطاعات من الناخبين، حتى في ظل فوز الخصم بفارق ملايين الأصوات.
وهكذا تصبح الرواية نفسها، لا صحتها، أداة تعبئة، إذ تُصاغ بوصفها دليلًا على مؤامرة تُحاك ضد "الأمة الحقيقية".
ويشير برونر إلى أن هذا النمط من الخطاب لم يظهر فجأة، بل تشكّل عبر مسار سياسي طويل شهدته الولايات المتحدة منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
ففي أعقاب الحرب في العراق والأزمة الاقتصادية العالمية، برزت حركة باعتبارها تعبيرًا مبكرًا عن غضب محافظ موجَّه ضد الدولة الفيدرالية والضرائب والنخب السياسية.
وقد اكتسب هذا الخطاب زخمًا إضافيًا مع انتخاب بارك أوباما عام 2008، حين امتزجت الاعتراضات الاقتصادية بمخاوف ثقافية وهوياتية، لتنتج خطابًا سياسيًا يفسر التحولات الاجتماعية بوصفها تهديدًا مباشراً لأسلوب الحياة الأمريكي التقليدي.
وفي هذا السياق، يلفت برونر الانتباه إلى الدور الذي يلعبه الخيال التاريخي في تشكيل الوعي السياسي لليمين المتطرف. فالسردية التي يعتمد عليها هذا التيار كثيرًا ما تستدعي صورة أسطورية عن "العصر الذهبي" للأمة، حيث تُربط قوة الولايات المتحدة بهيمنة ثقافية واجتماعية للرجل الأبيض المسيحي.
وتجد هذه الصورة جذورها في إنتاجات ثقافية قديمة مثل فيلم (The Birth of a Nation)، الذي قدّم رواية تمجد جماعات التفوق العرقي الأبيض، ومن خلال إعادة تدوير مثل هذه الصور التاريخية، يُعاد بناء تصور انتقائي للماضي يُستخدم لإضفاء شرعية رمزية على خطاب سياسي معاصر.
كما يؤكد برونر أن هذه السردية تعتمد بصورة متزايدة على خطاب المؤامرة بوصفه إطارًا تفسيرياً شاملاً للعالم، فالصراع السياسي يُعاد تصويره باعتباره مواجهة بين "الشعب الحقيقي" وقوى خفية تسعى لتقويضه.
وفي ترسيخ هذا التصور، تلعب وسائل إعلام حزبية دورًا مهمًا، مثل شبكة "فوكس نيوز"، إضافة إلى منصات رقمية متطرفة تنتشر عبر الإنترنت، وفي ظل هذا المناخ الإعلامي، يصبح تداول "الحقائق البديلة" جزءًا من الحياة السياسية اليومية، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع حول تفسير الواقع ذاته.
ويرى برونر أن تنظيم هذه السرديات لا يقتصر على المجال الإعلامي، بل يمتد إلى العمل السياسي المحلي أيضًا. فقد نجحت جماعات محافظة منظمة في تحقيق حضور مؤثر عبر الانتخابات المحلية منخفضة المشاركة..
مثل انتخابات مجالس المدن وإدارات المدارس. وفي هذا الفضاء، تنشط جماعات يمينية متشددة مثل (Proud Boys) و(Oath Keepers)، التي برز اسمها في سياق أحداث السادس من يناير. وبرغم أن هذه الجماعات تمثل أقلية عددية، فإن قدرتها على التعبئة والتنظيم تمنحها تأثيرًا سياسيًا يفوق حجمها الفعلي.
ويخلص برونر من ذلك إلى أن قوة اليمين المتطرف لا تكمن فقط في سياساته أو في حجمه الانتخابي، بل في قدرته على إنتاج سردية سياسية متماسكة تفسر التحولات الاجتماعية بوصفها أزمة وجودية.
فحين تتحول السياسة إلى قصة عن الحصار والتهديد، يصبح من الممكن لتيار سياسي أن يحافظ على تماسكه حتى في مواجهة رفض واسع، لأن هذا الرفض نفسه يمكن دمجه بسهولة داخل الرواية التي يقوم عليها.
الاحتجاج بوصفه وقودًا للخطاب اليميني
الاحتجاج بوصفه وقودًا للخطاب اليميني، ليس مجرد فكرة نظرية، بل واقع سياسي واضح في ممارسات اليمين الشعبوي المعاصر، بهذا تتحول الاحتجاجات إلى عنصر يزيد من تماسك القاعدة السياسية ويعزز شعورها بأنها تخوض معركة دفاعية ضد قوى أكبر منها.
تتضاعف فعالية هذه الآلية عندما ترافق الاحتجاجات مشاهد عنف أو تخريب، حتى لو كانت محدودة أو هامشية. ففي مثل هذه الحالات، يركز الخطاب اليميني على هذه المشاهد بوصفها الدليل الحقيقي على طبيعة خصومه.
وبدل أن يظهر المحتجون باعتبارهم معارضين سياسيين، يُعاد تصويرهم كقوى فوضوية أو متطرفة تهدد الاستقرار العام، وفي المقابل يقدم اليمين نفسه بوصفه الطرف الذي يدافع عن النظام والأمن الاجتماعي، محولًا لحظة الاحتجاج إلى فرصة لتعزيز شرعيته لدى قطاعات تخشى الفوضى وعدم الاستقرار.
من خلال هذه العملية، يتوسع أيضًا خطاب الضحية الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية للشعبوية اليمينية. كثيرًا ما تقدم هذه التيارات نفسها باعتبارها مستهدفة من قبل المؤسسة السياسية والإعلامية والثقافية، وعندما تتصاعد الاحتجاجات ضدها، تصبح هذه الرواية أكثر إقناعًا داخل دائرتها المؤيدة.
وجود معارضة صاخبة يُقدَّم بوصفه دليلًا على أن هذه القوى تخشى صعود التيار وتسعى لإيقافه قبل أن يغير موازين القوة في المجتمع. وهكذا تتحول الاحتجاجات إلى دليل رمزي على "خطر" هذا التيار في نظر خصومه، معززًا شعور أنصاره بأنه يمثل قوة متمردة على نظام سياسي يسعى إلى تحجيمه.
ولا يقتصر أثر الاحتجاجات على البعد الرمزي فقط، بل يمتد أيضًا إلى إعادة تشكيل الأجندة السياسية نفسها. غالبًا ما ينتقل النقاش العام، بفعل تصاعد التوتر في الشارع، من تقييم السياسات الحكومية إلى الحديث عن شرعية الاحتجاجات وحدودها أو عن الفوضى المحتملة التي قد تنتج عنها. وبذلك يتحول موضوع النقاش: بدل مساءلة السياسات، يصبح الجدل منصبًا على سلوك المحتجين أو ضرورة فرض النظام في المجال العام. هذا التحول يسمح لليمين بإعادة توجيه النقاش السياسي نحو القضايا التي يبرع في استثمارها، مثل الأمن والاستقرار والنظام الاجتماعي.
تستفيد التيارات الشعبوية من خطاب قائم على تقسيم المجتمع إلى "نحن" و"هم"، أي شعب أصيل في مواجهة خصوم يُنظر إليهم بوصفهم غرباء عن إرادته ومصالحه
مفارقة الرفض الشعبي وحدود الاحتجاج التقليدي
تساهم هذه الديناميكية أيضًا في تعميق الاستقطاب السياسي داخل المجتمع. كلما اتسعت الاحتجاجات واشتد الخطاب المتبادل بين الأطراف المختلفة، أصبح المجال العام أكثر انقسامًا بين معسكرات متعارضة، وفي بيئة كهذه تقل المساحات الوسطية ويتزايد الميل إلى الاصطفاف الحاد بين معسكرين متواجهين.
وغالبًا ما تستفيد التيارات الشعبوية من هذا المناخ؛ لأن خطابها قائم على تقسيم المجتمع إلى "نحن" و"هم"، أي شعب أصيل في مواجهة خصوم يُنظر إليهم بوصفهم غرباء عن إرادته ومصالحه.
يستطيع هذا التيار أن يعيد إدراج هذه الاحتجاجات داخل روايته الكبرى عن الصراع مع النخب والمؤسسات، فيصبح الرفض الشعبي ذاته جزءًا من المادة التي يستمد منها شرعيته، لا علامة على تراجعه.
وفي عالم سياسي يتشكل بقدر كبير عبر السرديات والرموز، تتحول لحظة الاحتجاج إلى لحظة لإعادة إنتاج الخطاب الذي يُسعى إلى معارضته. تكشف هذه الديناميكية عن مفارقة سياسية معاصرة: وجود رفض شعبي واسع لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع التيار الذي يواجهه، بل قد يعزز شعور أنصاره بأنهم يخوضون معركة دفاعية ضد قوى أكبر.
لا يعني هذا أن الاحتجاجات بلا قيمة سياسية؛ فهي تظل أداة مهمة للتعبير عن المواقف العامة والضغط على المؤسسات. غير أن فعاليتها في مواجهة اليمين المعاصر تبدو محدودة إذا اقتصرت على منطق الإدانة الأخلاقية أو التعبئة الرمزية.
طالما ظل الخطاب اليميني قادرًا على إعادة تفسير هذه الاحتجاجات ضمن سرديته الخاصة، يظل تأثيرها ملتبسًا، وقد تتحول أحيانًا إلى عنصر يعزز التماسك داخل القاعدة المؤيدة له.
من هنا يفتح المشهد سؤالًا أوسع حول طبيعة الصراع السياسي في عصر الاستقطاب، مواجهة خطاب قائم على السردية والهوية لا تبدو ممكنة بالوسائل التقليدية وحدها، بل تتطلب بناء روايات سياسية بديلة قادرة على تفسير القلق الاجتماعي نفسه الذي يستثمر فيه هذا التيار.
في النهاية، ربما تكمن أهمية الاحتجاجات المناهضة لليمين ليس فقط في قدرتها على التعبير عن الرفض، بل في كشف حدود أدوات السياسة القديمة في عالم تتشكل فيه الصراعات السياسية بقدر كبير حول القصص التي يرويها المجتمع عن نفسه. في عالم كهذا، لا يكفي أن يكون الخطاب مرفوضًا على نطاق واسع، بل يبقى السؤال الأهم: أي رواية قادرة على تنظيم هذا الرفض وتحويله إلى قوة سياسية مؤثرة؟