حين لا تكفي النجاة في لبنان.. هل البشر أغلى من الحجر؟
4 ابريل 2026
"البشر أغلى من الحجر".. هل تكفي هذه العبارة لكي يشعر الذين خسروا منازلهم وأرزاقهم أنهم في حالٍ أفضل؟
تلقينا تهديدًا من خلال اتصالين منفصلين عبر الهاتف لإخلاء منزلنا في اليوم الأول من الحرب. خلال رحلة الهروب الطويلة إلى بيروت كتبت المنشور التالي على "فيسبوك":
"خمس دقائق لنفكر بالأشياء المهمة التي علينا أن نخرجها معنا من المنزل، ولنودّع البيت ونشبع منه لأنها قد تكون المرة الأخيرة التي نراه فيها. مفاضلة بين الأمور الأساسية وبين الحياة نفسها. خمس دقائق طويلة جدًا مرّت في لمح البصر".
"البشر أغلى من الحجر".. هل تكفي هذه العبارة لكي يشعر الذين خسروا منازلهم وأرزاقهم أنهم في حالٍ أفضل؟
معظم التعليقات يومها من الأصدقاء والمحبين كانت مهنّئة بالخروج الآمن من المنزل، ومؤكّدة على أن السلامة تأتي في المقام الأول وأن البشر أغلى من الحجر.
تزخر لغتنا المحكية وثقافتنا بالمفردات التي تُعلي السلامة البشرية على حساب أي ضرر مادي أو معنوي يمكن أن يصيبك: "الحمد لله حديد بحديد"، "صحتك بالدنيا"، "يا روح ما بعدك روح"، "كل شي بيتعوض إلا البني آدم".
المنزل يحتضن ذاكرة العائلة الجمعية
لا يؤمن "بشير" بأن البشر أغلى من الحجر، هو يرى أن العائلات ربما تتعافى بعد خسارة أحد أفرادها، ولو بعد فترة طويلة، لكن الحياة لا تعود كما كانت في حال خسارة المنزل الذي يحتضن الذاكرة الجمعية لأفراد العائلة.
يقول بشير إنه لو كان نصيبهم كعائلة من هذه الحرب صاروخًا واحدًا يدمر أحد المنازل، فهو يتمنى أن يكون منزله هو وليس منزل العائلة الذي تمّ بناؤه قبل أكثر من مئة سنة في بلدتهم قعقعية الصنوبر، المنزل المفتوح دائمًا للجميع.
شقيقه حسام نشر صورة لمنزلهم على "فيسبوك" وكتب: "بيتنا مش كبير وساحتنا مش أحلى من ساحات الضيع، بس بضيعتنا ما في داعي تدق باب حتى تسمع تفضّل".
صورة أخيرة مع المنزل
في إحدى حلقات المسلسل السوري "ضبّوا الشناتي"، وبعد أن ينجح "المهرّب" أخيرًا في تأمين هروب للعائلة خارج سوريا، تقترب الوالدة فيحاء (ضحى الدبس) من الحائط لتودّعه، تمرّر يديها على الحجارة وتبدأ بالحديث معها عن الذكريات والأيام التي عاشتها العائلة في المنزل. يسخر منها زوجها خليل (بسام كوسا): "أمكم عم تحكي مع الحيط. شو الحيطان بتفهم؟ بأي مدرسة متعلم الحيط الحكي؟"
خليل لم يكن أقل حزنًا من زوجته، لكنّ لكلّ منهما طريقته في التعبير عن الحزن. في الحلقة الأخيرة من المسلسل، وأثناء استعداد العائلة لمغادرة المنزل نهائيًا، تطلب منهم فيحاء أن يأخذوا صورة جماعية مع المنزل.
شاهدت هذه الحلقة بالصدفة قبل أيام، وكنت أتساءل: "من بين عشرات آلاف العائلات التي نزحت من جنوب لبنان مؤخّرًا، هل خطر لإحداها التقاط صورة وداعية للمنزل؟"
ربما لا، بسبب العجلة أولًا ومحاولة استغلال الوقت لجمع الحاجيات من المنزل، وربما أيضًا لأن جلّ هذه العائلات يحدوها الأمل بالعودة وهي مؤمنة بذلك، ولأن التقاط صورة وداعية أخيرة قد يكون فألًا سيئًا.
هل ينجو من يترك بيته؟
عن التهديد بإخلاء منزلها، كتبت رولا: "لكن هل ينجو من يترك بيته؟ أشجاره؟ شمسه وبحره؟ ألفيات زيته؟
هل فعلًا القرار السليم هو اعتماد العقل ليسهل علينا ترك أماكننا؟"
وعن لحظة المغادرة تقول: "ودّعت البيت والحديقة والمرسم بنظرات قصيرة، لو طالت لما غادرت."\تذكرت هنا أنني في البداية لم ألتفت إلى الوراء لحظة مغادرة المنزل، يحتاج الأمر إلى قدرات قوية لا أمتلكها، لكنني وبعد الابتعاد عنه تلفتّ نحوه، كان الظلام دامسًا وأصوات نفير السيارات وإنذارات الإسعاف تملأ الجو، وجدت المنزل غارقًا في لجّة من العتمة، كأنه كرة سوداء كبيرة، لا أريد أن تكون هذه آخر صورة له في رأسي".
يا رايح صوب بلادي
رحل "أحمد قعبور" قبل أيام، كنا نتحدّث عن الجنوب في المقهى في ساعة متأخرة، تذكرنا منشورًا لفاطمة يشير إلى مفارقة تزامن موت كاتب ومغني "يا رايح صوب الليطاني دخلك وصلّي السلام صبّح أهالي النبطية وطلّ شوي عالخيام" مع هذه الحرب المؤلمة والمدمّرة.

الخيام التي شهدت أقسى المعارك، ونهر الليطاني الذي يردّ اسمه ألف ألف مرة كل يوم في الإعلام والنبطية بأهلها وناسها وسوقها، أم القرى التي يدفق خيرها على البلدات التي تحيط بها من كل جوانبها.
في المقطع نفسه يقول أحمد قعبور: "قلها إنو الحج محمد مشتاق لأهله ورفقاتو…. بحي السلم ما تهنى اشتاقت عينه لتراباته… قلها عيونو نامت لكن صاحي قلبو ما بنام".
لا يمكن لقلب أبي محمد أن ينام إلا في منزله وفي بلدته، كيف يمكن القول إذًا أن الحجر لا أهمية له ومن الممكن تعويضه؟ يقول علي إن أكثر ما يقلقه هو منزلهم في القرية، فوالده لن يحتمل خبر فقدانه.
يقول أيضًا إن والده يتابع أخبار الطقس باهتمام اليوم، ويتأكد أن الأمطار تهطل في القرية التي تركها، لكي لا تموت مزروعاته وحيدةً في حديقة المنزل.
بيتي منحوت من أضلعي
عن منزلهم الذي خسروه في الحرب الماضية كتبت حوراء: " سقط بيتنا في الجنوب نهار الاثنين في الثالث والعشرين من أيلول 2024، سقط يوم جنّ جنون إسرائيل.
وبعد أكثر من نصف عام، في الأسبوع الأوّل من نيسان، أتى إلينا والدي والغبطة تُغرق عينيه، لقد استعاد ألبومات صورنا العائلية مع بداية عمليّة رفع الأنقاض، نسي والدي أسى فقدان بيتنا الفتي الذي مات قبل أن
يتمّ العشرين عامًا، جنى عمره هو وأمّي، وزواياه التي تهاوت على بعضها بعد أن اختزنت الكثير من الذكريات، تغلّبت سعادته باستعادة الصور على كل ذلك".
تقارن حوراء في النص نفسه بين والدها الذي ندم لأنه لم يخرج ألبوم الصور قبل ترك المنزل إثر ورود إنذار، وبين بشار الأسد الذي ترك ألبوم صوره في القصر وتحوّل لمادة سخرية في العالم بسببه.
المنزل يحتضن ذكريات العائلة وألبوم الصور هو دليل حسي على أن العائلة هي عائلة لا مجرد مجموعة من الأفراد. خسر علي منزله قبل أيام، نشر صورته قبل الغارة وبعدها وكتب: "هنا كان بيتي، 45 سنة حتى اكتمل بناؤه. حملت له الحجارة بمنقاري، حجر حجر من مقالع الصبر ومن نهار عينيّ، إذا أحببته فلأنه عانى معي الانتظار المرّ، ولأنه حمل أولادي وأحفادي يرتعون في جنباته، أحببته لأنه منحوت من أضلعي".
بيت مكسور
خسرت أختي منزلها في الحرب الماضية، حوّلته غارة حربية إلى كومة من الرمال. غابت ابنتها "تالين" عنه 66 يومًا هي مدة النزوح في بيروت، وعندما شاهدت الكومة التي كانت بيتها قبل شهرين قالت " بيتنا تكسّر"، سنواتها الثلاث يومها لم تتح لها فهم ما حدث، ظنّت فقط أن البيت تكسّر من تلقاء نفسه، كما يسقط كوب زجاجي على الأرض ويتكسّر.
قالت لها والدتها إن المنزل سيعود كما كان، كانت تالين تنتظر "الصلّاح" ليصلّح لها المنزل، وكلما رأت شاحنة أو آلة حفر أو جرافة كانت تسأل إن كانت قادمة لتصليح منزلها. لو أننا نملك جميعًا عقل فتاة في الثالثة من العمر، عقل يقنعنا أن كل شيء يمكن أن "يتصلّح" ويعود كما كان.