حين كنا صغارًا

حين كنا صغارًا

منيف عجاج/ سوريا

حين كنا صغارًا اعتدنا سماع قصص الأنبياء وانتقامات الآلهة ممن يغضبها. لم نكن نهتم لمصداقية القصة، ولا لأي حقبة زمنية تنتمي، فقد كانت مجرد محرّض ساذج لأحلامنا ليلًا، فنبدع في رسم الله، وفي تفاصيل دخول الذبابة رأس العاصي، وكيف غرق من مشى قاع البحر محاصرًا بجدران من مياه بأمر من عصا.

لم تكن هذه القصص والروايات سببًا في إيماننا أو كفرنا، لم تصل إلى أعماق التفكير في دهاليز العقل، لكنها وسمت فينا قواعد خفية لم ندركها طواعية فقد كنا صغارًا.

حين كِبرنا قليلًا اصطدمنا بصور الأب القائد، مئات من صور التربيت والعناق والتقبيل، تارة للخد وتارة للرأس. ظلت مجرد صور حينها، ولم نكن نفكر بها أيضًا، لكنها كانت تلاحقنا طوال الوقت. في الشتاء كنا نستمد من اللهيب العذري لعينيه الدفء، وفي الصيف كنا بيادق أرذل العمر ننتظر هطوله.

الكثير من العلاقات المحرمة بين أحجار الأرصفة ولافتات الإعلانات عن فوزه، كانت تمارس على تراب هذي الأرض. المشاهدون حزموا أعينهم وركبوا باصات الجفون، وتجاهلوا مشهد مضاجعة الموت لحسناوات بقائهم، واقنعوا أنفسهم بان زجاج الباصات لا يتجرأ على اختراقه البصر.

مفتاح الصول الموسيقي تنسك في جسد راقصة اشترط عليها الرقص تحت الحجر المركزي لمنتصف القوس، وإلا سيتوقف انبعاث الحب فيغلق بابًا من أبواب دمشق.

أخشاب المسرح مدمنة منشطات تشتم غبار العاشقين سُذًّجُ، الحياة تنتظر هطول الستائر لتلملم بقايا القبل المنشقة وتنام.

في صالات السينما، تلك الراية المتعالية في الوسط تأٌذن غضبًا، من مخرج أعلن أنه الله وأفسد قصة عشق بمزج بين الخيانة والطيش، ترتجف أطرافها والرايةُ هنا المقصودة، بكاء حين رمت أغرن كبدها في خيبة البحيرة هربًا من ضحالة الحياة.

التلفاز خردة ثقافية تمارس الرذيلة في العقول، وتسبح بحمد الأب القائد.

أما نحن أصحاب الصور عن الله في رؤوسنا، أصبحنا يتامى ملاعين يطؤنا القاصي والداني لنبكي ندمًا، فندمن الصراخ. نحرّض سكون الهواء فننتشي ألمًا، آملين أن نلتقي في طريق واحدٍ وعبثية الحياة لنعقد صفقة تضمن الارتياح.

صغارنا اليوم يتعجبون شكل التفاح لكننهم فلاسفة في مفاهيم الألم والبرد والبقاء. يشتمون أمهاتهم فهم ما أرادوا مدرسة الحياة، لكنهم رغبوا بصفوف ملأى بمقاعد وردية اللون، وغبار طباشير يتظاهرون بنفخه أنهم يشعلون سيجارة المعرفة.

أما الاحتلال فمرغ الضلوع وأقام أبراج استطلاعه أسرة تضيء ظلام ليلنا سخرية، وتشبع غليلنا وعودًا لتنفيذ وعودٍ قديمة مُلئت أكوابها إصرار.

أبانا القائد في السماء صبّ غليل ابنه علينا، وأكمل جر عربة العار عقابًا إلَهِيًّا، أشغل الله عن دمنا، دمنا المدنس اغتصابًا ينبض، خارج القلوب مجتمعًا في يومه الثامن يسعى خلق الأرض قلبًا ينبض فينا... فنكبر.

 

اقرأ/ي أيضًا:​

القلب المدرّب على الأسى

تجارة الموتى

:دلالات