حين غابت المواطنة في مصر وأصبحت ليلى مراد ضحية للفرز الديني

حين غابت المواطنة في مصر وأصبحت ليلى مراد ضحية للفرز الديني

ليلى مراد في أحد آعمالها

قبل أشهر قليلة، قامت سيدة مصرية من مدينة الإسكندرية بنشر فيديو يوضّح تجربتها الشخصية في كونها "مسلمة غير محجبة". التجربة ببساطة أنها نظرًا لكونها غير محجبة، واسمها محايد، وتعمل بالتدريس، فكثيرًا ما كانت تصنَّف على أنها مسيحية، وبمنتهى البساطة تروي السيدة تجارب مما يمكن أن يُصنَّف على انه عدوان سلبي، وأحيانًا يتحوّل إلى عدوان إيجابي.

لقد كشفت التجارب في معظمها عن واقع متردٍ إنسانيًا بل ومنافق أحيانًا؛ واقع إن لم تجد فيه عدوانًا واضحًا على المختلف عنك في الدين، فلا أقل من "العدوان السلبي"، وهو عدوان وإن لم يحمل الشكل المتعارف عليه للفعل العدائي إلا أنه يمكن أن يؤدي إلى ما هو أخطر: الازدراء وإشعار المختلف عنك دينيًا أنه منبوذ لا مكان له، وأنك لوحدك صاحب البيت، ربما لدرجة استكثار أن يكون مصريًا مثلك.

مثل هذه "الظواهر" لم تكن منتشرة، وربما لم تكن موجودة أصلًا في مصر قبل سنوات بعيدة، غير أنها وجدت لها مكانًا ترعى فيه وتنمو وتتكاثر بطريقة مريبة. هنا حكاية أخرى بطلتها من الإسكندرية أيضًا، وإن اختلفت في تفاصيلها وشخوصها والهدف من ورائها إلا أنها تتشابه في إظهارها الوجه القبيح للاغتيال المعنوي القائم على الفرز الديني.

دشّنت ليلى مراد ظاهرة نادرة في تاريخ السينما المصرية حين أُنتجت عدة أفلام تحمل اسمها "ليلى"

مَن مِنا جميعًا لا يتذكر ليلى مراد؛ الحلم الجميل المتجسّد على شاشة السينما المصرية؟ لقد ارتبط الصوت العذب بالوجه الملائكي الذي أهدى لنا مجموعة من كلاسيكيات الأفلام الغنائية المصرية، ودشّنت هذه النجمة ظاهرة نادرة في تاريخ السينما المصرية حين أُنتجت عدة أفلام تحمل اسمها "ليلى". ولدت ليليان زكي مراد موردخاي في عام 1918 بمدينة الإسكندرية لأسرة مصرية يهودية، ولكن في مجتمع مصري يتسم بالتسامح وإعلاء قيم الإنسانية، حتى قبل صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

اقرأ/ي أيضًا: استعادة جبرا إبراهيم جبرا وبئره الأولى

اكتشفها محمد عبد الوهاب وآمن كثيرًا بموهبتها الغنائية وملاءمة وجهها لغزو شاشة السينما، لذلك أسند إليها في عام 1938 دور البطولة النسائية في فيلمه الشهير "يحيا الحب" من إخراج محمد كريم. لم تحرز ليلى مراد نجاحًا كبيرًا على مستوى الأداء التمثيلي في هذا الفيلم، ولكن الأهم أنه كتب شهادة ميلادها الفني. بعد ذلك، شهدت السينما المصرية انطلاقة ليلى مراد الكبرى، خصوصًا بعد تعاونها مع المخرج توجو مزراحي، الذي أخرج لها العديد من الأفلام الناجحة، حتى أصبحت ليلى مراد في الأربعينات فتاة أحلام الشباب المصري. لقد تحوّلت طريقة تصفيف شعرها إلى موضة بين الفتيات آنذاك، وحتى موديلات أزيائها في الأفلام سرعان ما وجدت طريقها للانتشار الواسع بين النساء "العصريات".

ازدادت شعبية ليلى مراد مع زواجها في عام 1945 من الممثل والمنتج والشاب الوسيم، فتى الشاشة آنذاك أنور وجدي، حيث اشتركا معًا في 6 أفلام. وبعد عام من زواجهما، أشهرت ليلى مراد إسلامها. وكان الوسط الفني آنذاك معتادًا على مثل هذه الأمور، ولا يشكّل هذا ضجة كبرى كما نشاهدها في هذه الأيام، لكن جاءت حرب 1948 وما تلاها من إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني لتعلن بدء حالة من الفرز الديني في المنطقة، وأصبح الحديث عن الديانة يأتي قبل المواطنة.

اقرأ/ي أيضًا: "صديقتي المذهلة": فندق فقراء نابولي

لم تسلم ليلى مراد من تلك الكارثة، على الرغم من إشهارها الإسلام في عام 1946، إذ روّجت بعض الصحف العربية، السورية تحديدًا، وبعض الصحف المصرية في عام 1952 لإشاعة تستند على خلفية الأصول اليهودية لليلى مراد، حيث ترددت أنباء زعمت أن الولاء الحقيقي لليلى مراد ليس لوطنها مصر، وإنما للدولة الجديدة إسرائيل، وأن إشهارها الإسلام كان شكليًا، وأنها أخفت يهوديتها طمعًا في الشهرة وخطف قلوب المصريين. والأكثر من ذلك، أن تلك الصحف زعمت أن ليلى مراد تبرّعت سرًّا بمبلغ ضخم من المال لصالح الجيش الإسرائيلي، قدّره البعض بنحو 50 ألف جنيه، بل ادعى البعض أنها قامت بزيارة سرّية لوطنها الأم إسرائيل!

 أثبت أنور وجدي حسن نواياه عندما صرّح بأن ليلى مراد كانت "مسلمة عربية صميمة، يحبها كل العرب وتبادلهم هي بدورها هذا الحب"

انزعجت ليلى مراد كثيرًا لهذه الشائعات المغرضة التي كانت بمثابة اغتيال معنوي لـ"معبودة الجماهير"، واضطرت للخروج على الملأ لتعلن أنها "مسلمة مصرية"، كما طلبت شهادة زوجها السابق أنور وجدي، الذي تردد أنه هو الذي يقف وراء هذه المكيدة بعد طلاقهما المفاجئ في عام 1950. لكن في الحقيقة أثبت أنور وجدي حسن نواياه عندما صرّح بأن ليلى مراد كانت "مسلمة عربية صميمة، يحبها كل العرب وتبادلهم هي بدورها هذا الحب". حينها، أجرت السلطات المصرية تحقيقًا موسعًا في هذا الشأن انتهى إلى براءة ليلى مراد من كل هذه الإدعاءات.

والحقيقة، أن التاريخ نفسه يثبت دناءة مثل هذه الادعاءات التي تنسف فكرة المواطنة بين المصريين أمام الخلفيات الدينية للأفراد. ففي إطار الدور الوطني للسينما المصرية أثناء حرب 1948، تبرّع المشتغلون بها لصالح الجيش المصري، وعندما ننظر لقائمة التبرعات والمتبرعين نجد اسم ليلى مراد يحتل المرتبة الثالثة فيها، إذ أتى في المقدمة الأخوان رئيسي وهما أصحاب سينمات رويال وإيديال وديانا وركس وباراداي، وتبرّعوا بمبلغ ألف جنيه، وجاء في المرتبة الثانية كوكب الشرق أم كلثوم، حيث تبرّعت بمبلغ 820 جنيهًا، ثم تأتي ليلى مراد بتبرع قدره 500 جنيهًا، وهو نفس قيمة التبرع الذي قدّمه كل من محمد عبد الوهاب ويوسف وهبي وأيضًا شركة مصر للتمثيل. كما كان تبرع ليلى مراد أكبر من تبرع زوجها آنذاك أنور وجدي، الذي لم يتبرع إلا بمبلغ 200 جنيه.

هكذا تعرّضت ليلى مراد للاغتيال المعنوي في أيلول/سبتمبر 1952 بشائعة تبرعها لإسرائيل، ولم يتذكر أحد ممن هاجموها تبرعها للجيش المصري أثناء حربه ضد إسرائيل. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد فتحت مسألة ليلى مراد بابًا خطيرًا لمسألة الفرز الديني على حساب المواطنة، وتعرّض لهذا الاغتيال المعنوي بعض الفنانين المصريين بعد ذلك، أشهرهم عمر الشريف الذي ترددت شائعات حول يهودية مولده، رغم أنه كان مسيحي المولد في الحقيقة. على أي حال، استمرت أعمال ليلى مراد ممنوعة في سوريا حتى عام 1958، عندما تمت الوحدة بين مصر وسوريا، إذ أصدر جمال عبد الناصر أمراً شخصياً بإلغاء مقاطعة سوريا لأغاني وأفلام ليلى مراد، وكانت هذه الجميلة ضحية الفرز الديني الذي يبدو أنه مستمر معنا إلى حين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ليست مكيةً فقط.. ماذا تعرف عن فتوحات ابن عربي المدنيّة؟

"الثورة بلا قيادات".. كيف يصل العامّة إلى سدة الحكم؟