حين تصبح الإغاثة سياسة.. واشنطن و"شَمْلَة كنيزة" لتغطية حرب السودان
6 فبراير 2026
في ظل انسداد الأفق السياسي في السودان، وتآكل الثقة في جميع مسارات الوساطة الإقليمية، بدا مؤتمر المساعدات الإنسانية الذي استضافه "معهد السلام" في واشنطن وكأنه تحرّك خارج السياق التقليدي للأزمة. غير أن هذا المؤتمر، عند تفكيك دلالاته، لا يمكن فهمه بوصفه فعلًا إنسانيًا محضًا، بل باعتباره أداة سياسية محسوبة تراهن عليها واشنطن لإحداث اختراق محدود، لكنه مؤثر، في واحدة من أعقد الحروب الأهلية في العالم.
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023، فشلت جميع المبادرات السياسية في وقف القتال، أو حتى تخفيض حدّته بصورة مستدامة. والرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر)، التي طُرحت بوصفها مظلة تنسيق وضغط، فقدت تدريجيًا قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول. فالجيش السوداني يرفض الإمارات بوصفها داعمة لخصمه، بينما ترفض قوى مدنية وقوات الدعم السريع الدور المصري بسبب انحيازه الواضح للجيش. وهكذا تحوّلت الرباعية نفسها إلى جزء من الأزمة، لا إطارًا لحلّها.
في الذاكرة الشعبية السودانية، تُروى حكاية "شَمْلَة كنيزة" بوصفها مثلًا على الشيء الذي لا يصلح للاستعمال كما هو، ولا يمكن إصلاحه دون تفكيكه بالكامل: شملة "تلاتية وقدّها رباعي"، لا تستر ولا تُرتَّق، وكل محاولة للرتق تُوسّع الفتق. هذه الاستعارة تكاد تنطبق حرفيًا على مشهد الوساطة الإقليمية في حرب السودان، حيث أصبح الوسيط ذاته موضع شك ورفض من أطراف الصراع.
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023، فشلت جميع المبادرات السياسية في وقف القتال، أو حتى تخفيض حدّته بصورة مستدامة
الإمارات.. الحرب بالوكالة
قبل الحرب، لم تكن الإمارات لاعبًا خفيًا في السودان. فقد تصاعد حضورها السياسي منذ السنوات الأخيرة لحكم عمر البشير، وتعمّق بعد الإطاحة به في عام 2019، عبر استثمارات زراعية كبرى، وطموحات في موانئ البحر الأحمر، ونفوذ متواصل في قطاع الذهب وسلاسل التوريد. لكن مع اندلاع الحرب، انتقل هذا الدور من الاستثمار إلى التأثير العسكري غير المباشر.
اتهمت الحكومة السودانية أبوظبي بالانحياز إلى قوات الدعم السريع وتوفير ظهير لوجستي لها، وهي اتهامات عززتها تقارير أممية واستخباراتية دولية دعت إلى وقف التدخلات الخارجية شرطًا أساسيًا لوقف الحرب. وكشفت تقارير صحفية، من بينها تحقيقات لوكالة "رويترز"، أن مطار الكفرة في جنوب شرق ليبيا تحوّل إلى شريان لوجستي رئيسي لقوات الدعم السريع، مع تجديد مدرجاته، وتكثيف الرحلات الجوية، واستخدام طائرات نقل روسية الصنع، إلى جانب مسارات صحراوية مفتوحة تتجاوز أي رقابة دولية.
هذا الواقع منح قوات الدعم السريع قدرة على الصمود بعد خسارتها الخرطوم، ومكّنها من ترسيخ سيطرتها في دارفور، خصوصًا في الفاشر، ما حوّل الإقليم إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة. وفي منطق الدولة، لا يمكن القبول بوسيط يُشتبه في أنه يموّل ويُسلّح الطرف الذي تحاربه. وهكذا أصبحت الإمارات، في نظر الجيش، "شَمْلَة كنيزة"»، وجودها في الوساطة يُفرغها من أي مصداقية.
مصر.. التدخل المباشر
على الضفة الأخرى، تقف مصر في موقع لا يقل إشكالية. فالعلاقة بين القاهرة والخرطوم علاقة تاريخية معقّدة، ظلّت محكومة باعتبارات الأمن القومي المصري أكثر من كونها شراكة متكافئة. تنظر القاهرة إلى السودان من زاوية مؤسسات الدولة القائمة، وتخشى أي تحولات جذرية قد تعيد صياغة العلاقة على أساس الندية، أو تمس ملفات حساسة مثل مياه النيل وسد النهضة.
في الحرب الأخيرة، بدا الانحياز المصري لمصلحة الجيش السوداني واضحًا، وهو ما تعزّز بتقارير إعلامية، أبرزها تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" حول قاعدة جوية سرية في شرق العوينات، تنطلق منها طائرات مسيّرة تركية الصنع لتنفيذ ضربات داخل السودان. بهذا المعنى، ينتقل الدور المصري من الدعم السياسي والاستخباراتي إلى شبهة التدخل العسكري المباشر، وربط مصير الجيش السوداني عضويًا بالأمن القومي المصري.
تحالف "تأسيس"، الظهير السياسي لقوات الدعم السريع، رأى في هذه التطورات دليلًا قاطعًا على فقدان مصر صفة الوسيط المحايد، وأعلن رفضه وجودها في آلية الرباعية، أسوة برفض الجيش للإمارات. وهكذا، يصبح كل طرف في الحرب رافضًا لوسيط إقليمي بعينه، بينما تشكك القوى المدنية في الطرفين معًا.
الرباعية: وساطة بلا ثقة
النتيجة أن الرباعية الدولية تحوّلت إلى وساطة منزوعة الثقة بالكامل: الجيش يرفض الإمارات، وقوات الدعم السريع ترفض مصر، والقوى المدنية تشكك في الطرفين معًا. إنها "شَمْلَة" لا تستر أحدًا، ولا يمكن ترقيعها دون إعادة تفصيل شاملة.
واشنطن: هدنة وظيفية
في هذا الفراغ، جاء مؤتمر المساعدات الإنسانية في واشنطن ليكشف عن تحوّل في التفكير الأميركي: الانتقال من محاولة فرض تسوية سياسية شاملة، إلى إدارة الصراع عبر بوابة إنسانية. هذا التحول لا يعكس تعاطفًا أخلاقيًا فقط، بل إدراكًا واقعيًا بأن السياسة، بصيغتها التقليدية، فقدت أدواتها في السودان.
الرهان الأميركي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في آثارها: إذا كان من المستحيل إقناع أطراف الحرب بوقف القتال لأسباب سياسية، فيمكن دفعهم إلى وقف نار وظيفي ومؤقت لأسباب إنسانية. الغذاء، الدواء، الممرات الآمنة، وإجلاء المدنيين، مطالب يصعب على أي طرف رفضها علنًا دون دفع ثمن سياسي وأخلاقي.
جاء مؤتمر المساعدات الإنسانية في واشنطن ليكشف عن تحوّل في التفكير الأميركي: الانتقال من محاولة فرض تسوية سياسية شاملة، إلى إدارة الصراع عبر بوابة إنسانية
هنا تتحوّل الإغاثة إلى آلية ضغط غير مباشرة. فالسماح بدخول المساعدات، أو عرقلتها، يصبح معيارًا لتصنيف الأطراف، وأداة تُستخدم لاحقًا في تصميم العقوبات، وتجميد الأصول، وربما في بناء ملفات قانونية مستقبلية. كما يسمح هذا المسار لواشنطن بتجاوز الرباعية دون إعلان تجاوزها؛ فالرباعية لا تُلغى رسميًا، لكنها تُفرغ عمليًا من مركز القيادة، مع انتقال القرار الفعلي إلى واشنطن عبر أدوات التمويل والتنسيق مع الأمم المتحدة.
التمويل هنا ليس مجرد دعم إنساني، بل وسيلة لإعادة ضبط إيقاع الحرب، عبر إضعاف اقتصادها، وتقليص قدرة الأطراف المسلحة على التحكم في الموارد، ومنح الفاعلين المدنيين مساحة أوسع خارج منطق السلاح.
السودان بين شملتين
من واقع تجربتها في التعامل مع الأزمة السودانية، بات واضحًا أن واشنطن لا تراهن على سلام شامل في المدى القريب، بل على إدارة خفض العنف وتقليل عدد الضحايا دون إنهاء الحرب. ويبدو السودان اليوم عالقًا بين شملتين: شملة التدخل الإقليمي وشملة الانقسام الداخلي. كلتاهما لا تصلحان للستر، ولا يمكن ترقيعهما دون إعادة تفصيل كاملة.
وما لم يُفكك منطق الحرب بالوكالة، ويُعاد تعريف الوساطة على أسس الحياد الحقيقي، ستظل كل المبادرات، مهما حسنت نواياها، مجرد محاولات فاشلة لرتق فتقٍ أوسع من القماش نفسه. إنها "شَمْلَة كنيزة"، والسودان هو الجسد الذي يُترك عاريًا في البرد.