حين تشهد جنازتك في الإعلام العربي

حين تشهد جنازتك في الإعلام العربي

قناص يرصد التظاهرات بساحة التحرير في بغداد (الأناضول)

قبل أيام قُتل المدون الإلكتروني خالد العكيلي، الذي يسكن في إحدى مناطق شرقي العاصمة بغداد. في تلك الليلة المزعجة لم ينم أحد من أصدقائه، لا الواقعيين ولا الافتراضيين في العالم الأزرق. بوستات كثيرة كُتبت عن مقتله، وادعى أغلب المدونين أنه قضى اغتيالًا. هذه الحادثة خلقت حالة من قلق لدى بعض الناشطين، خشية أن يتعرضوا للاستهداف في أية لحظة، فهم في بلد لا يأمن فيه أحد على نفسه، فكيف بالذي ينشط ضد الفساد والمحاصصة المذهبية أن يستشعر الأمان.

يعاني الإعلام العربي من التسابق على توقيت نشر الخبر على حساب مصداقيته

كثيرون نعوه، وأكثر منهم من استذكروا مواقفهم معه، لكنهم لم يبحثوا عن سبب مقتله. وسائل الإعلام راحت تتسابق في نقل الأخبار، وكتبت في عناوين نشراتها الاخبارية "مقتل ناشط مدني في بغداد بسبب التظاهرات"، وزادت على ذلك بأن "عملية استهداف منظمي التظاهرات والوجوه البارزة فيها بدأت". ونحن هنا لسنا بصدد تبرأة ساحة أي من المتورطين في ملاحقة النشطاء، لكن أن تعلن مقتل من هو حي يرزق، هنا من حق المتابع العربي أن يستنكر الاستخفاف بقدرته على التمييز بين الخبر السليم والمفبرك.

قناة سكاي نيوز عربية، كتبت في مقدمة تقرير لها، "تشهد محافظات عراقية، حملات اغتيال طالت الناشطين المشاركين في التظاهرات وشيوخ العشائر الداعمين لها، من بين هؤلاء الناشط المدني خالد العكيلي الذي قتل بنيران مجهولين، أمام منزله في مدينة الكوت، مركز محافظة واسط".

الخطأ الذي وقعت به "سكاي نيوز" أنها قالت إن "العكيلي قُتل بنيران مجهولين أمام منزله بمدينة الكوت، جنوب بغداد". بينما خالد قُتل في بغداد، وعلى أيدي شخصيات غير مجهولة، فهم على خلاف سابق اتسع ليصير عشائرياً.

رغم أن خطأها لم يقل عن ما ارتكبته نظيرتها "سكاي نيوز"، إلا أنّ قناة الجزيرة نجحت في تحديد مكان مقتل العكيلي، لكنها ذهبت وراء المعلومة ذاتها أن الحادثة كانت "اغتيالًا"، وليس شجارًا عشائريًا، تبادل خلاله العكيلي إطلاق النار مع الآخرين.

وراحت "الجزيرة" إلى أبعد من حدود العاصمة العراقية بغداد، حيث محافظة ذي قار، جنوبي البلاد، وأعلنت عن مقتل شخصين اسمهما وليد الطائي ومسلم الركابي، عندها ماجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتساؤلات وبالأخبار غير المؤكدة عن مقتلهما، فجاء الخبر اليقين من الطائي الذي أعلن لـ"ألترا صوت" أنه على قيد الحياة ولم يتعرض لأي شيء.

وبالنسبة للطائي فإن "هناك من عمل على بث خبر مقتلي في وسائل الإعلام، في محاولة منه لإثارة الشارع العراقي وإشغال الناس بأخبار مغلوطة". كما اتهم الطائي بعد ذلك فضائيتين مثيرتين للجدل في العراق، وهما "الشرقية" و"البغدادية" في إثارة الأمر.

موقع العربية نت، كتب هو الآخر عن العكيلي في خبر نشره على موقعه " قتل الناشط المدني خالد العكيلي مساء السبت بنيران مسلحين مجهولين أمام منزله في مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، في العراق". كرر هذا الموقع الخطأ الذي وقعت فيه قناة سكاي نيوز، عندما كرر جملة "مسلحون مجهولون، وأمام منزله في مدينة الكوت".  

وزارة الداخلية العراقية، استشعرت الخطر الذي قد ينتج عن اليوم التالي لحادثة مقتل العكيلي، وما هي النتائج التي قد تترتب على الحراك المدني والوضع العام في العاصمة، فسارعت عبر متحدثها الرسمي العميد سعد معن، إلى الإعلان، بأن التحقيقات الأولية في مقتل الناشط المدني خالد العكيلي، تظهر أنه قضى مع اثنين آخرين بسبب نزاع عشائري في منطقة المعامل شرقي العاصمة بغداد. كما أن بعثة الأمم المتحدة في العراق زادت القلق في الشارع، عندما عبّرت عن قلقها، إزاء عمليات الاغتيال التي طالت ناشطين، محذرة من كيانات مجهولة تستهدف المتظاهرين المطالبين بالإصلاح. ومن ناحية مبدئية فاغتيال الناشطين أو تهديد حياة أي شخص بسبب آرائه ومواقفه السياسية من مجمل المرفوض، لكن توقيت الحديث وكيفيته وصدقية المعلومات التي يستند إليها تبقى هي الفيصل.

كذلك لم يختلف الخطأ الذي وقعت به وسائل الإعلام الأخرى عن الذي وقعت به صحيفة القدس العربي، عندما أكدت أخبار مقتل العكيلي، بأنه هجومًا تعرض له وهو في منزله.

وجاء ذكر محافظة بابل كثيرًا في عدد من وسائل الاعلام، حول مقتل ناشطين فيها، لكن حيدر البدري، وهو أحد قادة التظاهرات هناك، نفى وجود أية عملية اغتيال أو تهديد قد تعرض لها الناشطين. يتضح من تقارب المعلومة التي تنقلها وسائل الاعلام، رغم عدم دقتها، أن هناك إهمالًا كبيرًا في عملية التقصي عن الحقيقة والاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي وما يُنشر فيها، أو عن مصادر ثانوية غير معنية بالحدث، مما خلق حالة من الفوضى، افتقدت إلى أساسيات الخبر، وهما الزمان والمكان، والحدث.

يذكر أن الوسائل الإعلامية المذكورة ليست هي فقط من تناول الخبر، بل إنّ هناك الكثير غيرها، والمؤسف حقًا أن خبرًا بهذه الحساسية، ينتشر بحجم مهول كالذي شاهدناه في الأيام الأخيرة، دون أن تكلف أي جهة نفسها عناء التساؤل عن تبعات الموقف، أو حتى عن أخلاقيات المهنة.