حين أخرجت أمريكا إصبعها الوسطى للعالم

حين أخرجت أمريكا إصبعها الوسطى للعالم

فوز دونالد ترامب يتصدر الصفحات الأولى من أشهر صحف العالم (Getty)

الصدمة الكاملة ربما كان هذا هو التوصيف المناسب لفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، فقد شكّل النجاح الكبير الذي حققه المرشح "المجنون" صدمة لأغلبية سكان العالم، وفي مقدمتهم سكّان مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية.

لم يكن يتوقع أحد، ولا ترامب نفسه، أن يفوز الرجل بتلك النسبة المريحة على مرشحة عتيدة في دهاليز السياسة الأمريكية تمتعت بحملة انتخابية سخية موّلها الجميع تقريبًا، بدايةً من ممالك الخليج العربي وحتى مهندسي السيليكون فالي في كاليفورنيا.

الصدمة غمرت الجميع من مراقبين ومحللين ومتابعين وحتى قادة وساسة العالم، وبخاصة الأوروبيين، الذين تنبّأوا بفوز هيلاري كلينتون. حتى استطلاعات الرأي الأمريكية أضحت أشبه بخيال مآتة لا تدري من أمرها شيئًا، وفشلت في قراءة معطيات "اللحظة الفارقة"، فجاءت نتائجها وتوقعاتها مُطرَّزة بالفشل الكامل.

لم يكن يتوقع أحد، ولا ترامب نفسه، أن يفوز الرجل بتلك النسبة المريحة على مرشحة عتيدة في دهاليز السياسة الأمريكية

يمكننا الحديث عن الملياردير زير النساء الذي لم يفكر بالسياسة قبل عام 2000 ولم يعتبر نفسه يومًا سياسيًا، ولم تتح له فرصة تبوؤ أي منصب سياسي في حياته، ويمكننا الإشارة إلى نشأته لأسرة غنية وتقلّبه في عالم المال والأعمال والحياة الليلة الصاخبة بين حسناوات يتغيّرن بتغيّر الليالي والأماكن والفصول، ويمكننا الاستفاضة في شرح عنصريته وصفاقته وعدم تحصله على المؤهلات اللازمة لمنصب الرئيس، لكنه أخرج لنا لسانه وأصبح رئيسًا بالفعل، ومن جانبها أخرجت أمريكا إصبعها الوسطى للعالم أجمع.

اقرأ/ي أيضًا: طوفان فوز ترامب يغمر مواقع التواصل الاجتماعي!

على من تقع مسؤولية الكارثة التي حصلت؟ من الذي أتى بذلك العنصري المجنون الخارج من أفلام هوليوود الرخيصة ليكون رئيسًا لأمريكا؟ سيتساءل الكتاب والمحللون وربّات البيوت لأيام، وربما لن يُشفى غليل أسئلتهم أبدًا.

في استبيان الخروج، وهو مسح بياني يستطلع آراء نسبة من الناخبين الأمريكيين بعد الإدلاء بأصواتهم، ويقوم بتحليلها تبعًا لعوامل عدة من بينها العرق والجنس والمؤهل الدراسي، يمكننا الوقوف على بعض الأسباب التي أدت لهذا الفوز غير المتوقع لترامب، حيث يشير الاستبيان إلى أن 63% من أصوات الأمريكيين البيض غير الحاصلين على درجة جامعية ذهبت لصالحه، وترتفع هذه النسبة في أوساط الذكور منهم.

كذلك يعطينا الاستبيان مؤشرات دالة حول طبيعة الناخبين الذي أدلوا بأصواتهم لصالح ترامب، فهم غالبًا ينتمون إلى تركيبة يمكن تلخيصها في المعادلة التالية: أبيض + أكبر من 40 عامًا + تعليم متدن أو متوسط + دخل متوسط أو مرتفع + متزوج + مسيحي (البروتستانت خصوصًا) + متدين + خدم بالجيش الأمريكي + من سكان الضواحي والأرياف. (ملاحظة جانبية: تصل نسبة الناخبين البيض إلى 70% من التركيبة التصويتية الأمريكية).

أما من حيث الاهتمامات والآراء، فإن من صوّتوا لترامب بأكثرية هم من يَرَوْن أن القضايا الأهم التي تواجه أمريكا هي الهجرة والإرهاب (على خلاف من تتصدر اهتماماتهم السياسة الخارجية والقضايا الاقتصادية).

وكذلك صوّت لترامب بأكثرية ساحقة من يعتقد بضرورة طرد المهاجرين غير الشرعيين من أمريكا. ويصرّح أكثر من صوّت لترامب أن من أهم دوافعهم هو أن ترامب سيجلب التغيير، وهم بأكثريتهم الساحقة يقيّمون سلبًا أوباما وسياساته، ويعتقدون أيضًا أن حرية التجارة العالمية أدت إلى انخفاض عدد فرص العمل في أمريكا، وبأن الحرب على داعش لا تسير على ما يرام.

بالنسبة لي، ولست خبيرًا على أي حال بالشأن الأمريكي، كان ترامب حصانًا رابحًا لأنه أتى من خارج صندوق السياسة الأمريكية التي يمكن القول بأن أطرافها متفقون على خطوط عامة ومبادئ أساسية لا يجوز الخروج عنها أو التعامل معها وكأنها غير موجودة.

هو نفسه اعتمد على تلك الفكرة لتصدير نفسه لمؤيديه ولطالما سخر من الساسة المتأنقين الذي يقولون كلامًا مُرتّبًا ومُنمّقًا ولا يعرفون شيئًا عن المشاكل الحقيقة للمواطن الأمريكي.

على من تقع مسؤولية الكارثة التي حصلت؟ من الذي أتى بذلك العنصري المجنون الخارج من أفلام هوليوود الرخيصة ليكون رئيسًا لأمريكا؟

ترامب الذي يؤمن بأن "الدعاية دعاية، سواء كانت جيدة أو سيئة" هو بطل مثالي لعصر السوشيال ميديا ووحش الترافيك؛ حيث ترتبط أهميتك وقوة تأثيرك بما تستطيع إحداثه من ضجة وجلبة على أوسع نطاق ممكن.

لو طبّقنا تلك النظرية على سباق الانتخابات الأمريكية بين ترامب وكلينتون فسيمكن لأي متابع أن يلاحظ تفوق ترامب في هذا الصدد، فقد أخرج من جرابه أعاجيب كثيرة، وصنع الحدث بتصريحاته العنصرية واحتقاره للنساء والمهاجرين والمسلمين والأقليات عمومًا وفضائحه وتهديداته بشنّ حرب عالمية ثالثة وملاحقة داعش بأي طريقة، والكثير والكثير من الترهات الأخرى.

ولكن هنا مربط الفرس فهذه "الترهات" هي ما أكسبته شعبية في أوساط عديدة بين المواطنين الأمريكيين، وهؤلاء يختلفون تمامًا عمن يظهرون على شاشات التلفزيون الأمريكي والذين يمكن اعتبارهم ناطقين باسم "نخبة" أمريكا وممثلين لتوجهاتها واهتماتها.

هناك استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب مؤخرًا أظهر أن 32% فقط من الأميركيين، يثقون بوسائل الإعلام. وتمثّل النسبة الأخيرة، تدنيًا غير مسبوق، بدأ بالانحدار منذ العام 2003، وكان يبلغ العام الماضي 40%.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا الخوف من صعود ترامب؟

ما كشفه فوز ترامب هو استفادته من العداوة التي رعتها أغلب وسائل الإعلام الأمريكية تجاهه، ففي هذه اللحظة الغريبة والمربكة على المستوى العالمي والأمريكي لم يكن غريبًا أن ينحاز "الشعب" الأمريكي إلى ذلك الرجل الذي يتفوّه بكل تلك الترهات التي تخاطب منطقة بعيدة رابضة في الوعي الأمريكي. كما أن الإلحاح الدائم والفجّ من جانب الجميع تقريبًا على تأكيد فوز كلينتون ربما يكون قد أتى بنتيجة عكسية لدى الناخبين المترددين، فكان التصويت لصالح ترامب "انتقامًا" من ذلك الاستهزاء الذي تتعامل به النخبة الأمريكية مع الأمريكيين البسطاء، أو أيًا كان توصيفهم.

المصيبة لا تنحصر في شخص ترامب أو هتلر ولكن في هؤلاء الذين أوصلهم تفكيرهم إلى الوثوق بأمثالهم للوصول بهم إلى سدّة الحكم

كذلك لا يمكن إنكار أن خطاب ترامب أكسبته تأييد نسبة محترمة من كتلة اليمين المتطرف التي لم تستمع من قبل إلى خطاب كراهية عنصري متطرف بهذا الشكل الذي يقدّمه، وجعلهم يتغاضون عن فضائحه الأخلاقية، رغم أن أغلبهم من المحافظين، في مقابل مرشحة ديمقراطية تؤيد حقوق الإجهاض وتحظى بدعم جماعات يكنّ لها اليمين المتطرف كراهية عميقة ودائمة.

هنا يمكن التذكير بأن هتلر جاء أيضًا عن طريق انتخابات ديمقراطية نزيهة، لكن المصيبة لا تنحصر في شخص ترامب أو هتلر ولكن في هؤلاء الذين أوصلهم تفكيرهم إلى الوثوق بأمثالهم للوصول بهم إلى سدّة الحكم.

وقبل كل ذلك، هناك الحملة الانتخابية الفاشلة لهيلاي كلينتون والتي صارت في الأيام الأخيرة قبل التصويت أشبه بالدب الذي قتل صاحبه، فتوقيت أزمة "بريد كلينتون" كان قاتلًا، وهي نفسها لم تكن كفئًا للدفاع عن نفسها والتعامل مع الضغوطات التي من المفترض أنها على علم مسبق بها.

وأخيرًا، لا بد لنا من التذكّر بأن المقدمات السيئة لا تأتي بنتائج طيبة أبهدًا، فقد شهدت السنة الحالية سباقًا انتخابيًا تجاوز أسوأ التوقعات، ووصل فيه مستوى الحوار إلى قاع بعيد يليق بوصلات الردح بين راقصتين في ملهى ليلي رخيص، أو برجل وامرأة يملؤهما الخوف والشعور بعدم الأمان، على حد تعبير الكاتبة مورين داود.

أمريكا تتغيّر ولديها رئيس جديد اسمه دونالد ترامب. علينا قبول ذلك، ولا حيلة لنا في ما هو قادم.

اقرأ/ي أيضًا:
السيسي يهنئ ترامب.. وعود وكيمياء متبادلة
من الملام على فوز ترامب؟