حول زيارة أردوغان لواشنطن.. خفّة

حول زيارة أردوغان لواشنطن.. خفّة "ترامبية" تسود العالم

من المؤتمر الصحفي المشترك لترامب وأردوغان (بلومبيرغ)

قبل أيام قليلة، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، لمناقشة قضايا تتعلق بسوريا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) ومصير السجناء الجهاديين.

بدا تعامل ترامب مع أردوغان، خلال الأسابيع الماضية، فوضويًا على أقل تقدير، ما أثار تساؤلات حول إستراتيجيته طويلة الأمد في سوريا

اللقاء الذي تم الأربعاء، 13 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، جاء بعد أسابيع من توتر العلاقات، والارتباك بين البلدين، وداخلهما في بعض الأحيان.

اقرأ/ي أيضًا: مأزق العلاقات الأمريكية التركية.. خيارات أردوغان وقرارات ترامب

وكما يبدو فقد أصرّ الرئيس الأمريكي على عقد المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره التركي، بالتزامن مع حدث كبير آخر في واشنطن، ألا وهو أول جلسات استماع علنية في الكونغرس للتحقيق حول إجراءات العزل المحتمل لترامب

هذا وقد بدا تعامل ترامب، مع أردوغان، خلال الأسابيع الماضية، فوضويًا على أقل تقدير، ما أثار تساؤلات حقيقية حول إستراتيجية الرئيس الأمريكي طويلة الأمد في سوريا.

 فبعد إعلان دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، شنت أنقرة في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر هجومًا عسكريًا ضد القوات الكردية المتحالفة مع التحالف الدولي في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الأمر الذي أغضب الكثير من المسؤولين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، حيث صرح مسؤول كبير بوزارة الخارجية، طلب عدم الكشف عن هويته: "أليست هذه هدية لرجب طيب أردوغان  يستلمها في البيت الأبيض؟".

المسألة الأرمنية في دهاليز السياسة

انتهز أردوغان الفرصة للتعبيرعن استيائه بعد التصويت في أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي على نص قانون في مجلس النواب الأمريكي، حول الإبادة الجماعية لمئات الآلاف من الأرمن على يد الإمبراطورية العثمانية، وهو مصطلح ترفضه تركيا. وقال أردوغان إن هذه الخطوة "أضرت بشدة بالأمة التركية"، ملوحًا بإمكانية أن تضر بالعلاقات بين أنقرة وواشنطن.

لكن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، كان قد أعاق تمرير مشروع قرار إدانة تركية في مجلس الشيوخ الأميركي. وجاء موقف غراهام بعد ساعات من لقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل البيت الأبيض، ضمن وفد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين.

الناتو في حالة اضطراب

من جهة أخرى، أثارت مماطلة دونالد ترامب والهجوم التركي، توترات داخل حلف الناتو، الذي يخشى تجدد نشاط داعش رغم مقتل زعيمه المؤسس أبو بكر البغدادي.

وقد أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أسفه الشديد للافتقار التام للتنسيق مع الولايات المتحدة بشأن هذه القضية، معتبرًا أن الناتو في حالة "موت سريري"، ما دفع بترامب وأردوغان للتعبير عن استيائهما من هذه التصريحات، فدعا الرئيس الأمريكي الدول الأوروبية -فرنسا وألمانيا في الصدارة- إلى إعادة مواطنيها من الجهاديين الذين ينتمون إلى داعش الموزعين ما بين الجانب التركي والكردي، على الرغم من أن اللقاء بين الزعيمين تم عشية اجتماع في واشنطن لوزراء التحالف الدولي المناهض للتنظيمات الجهادية الإرهابية، بناء على طلب عاجل من قبل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان.

على جانب أخر، ورغم اعتراضات واشنطن، أتمت تركيا صفقة أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز "إس 400" من روسيا. وردًا على ذلك، أزاحت الولايات المتحدة تركيا من برنامج تطوير مقاتلة الشبح الأمريكية "إف 35"، دون الأخذ بالاعتبار الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها أنقرة في هذا المشروع. ورغم طرح هذه النقطة في المؤتمر الذي جمع أردوغان بترامب، إلا أن التصريحات التي أدلى بها لا توحي بأن الطرفين قد توصلا إلى تسوية حول هذه المعضلة.

الحلفاء الأكراد على شاشة "آيباد"

بالإضافة إلى أردوغان، قام دونالد ترامب بدعوة خمسة أعضاء جمهوريين ممن ينتقدون غزو تركيا لسوريا، فقام الرئيس التركي ببث مقطع فيديو دعائي أمام الحاضرين في مكتب الرئيس الأمريكي، يصور الأكراد على أنهم إرهابيون.

و من خلال مقطع الفيديو الذي بثه على جهاز الآيباد الخاص به، حاول الرئيس التركي التأثير على المشاهدين. وفي نهاية الاجتماع الذي استمر حوالي 90 دقيقة، لم يبد أنه نجح في إقناع أعضاء مجلس الشيوخ، رغم الإخراج المتقن الذي تمتع به الفيلم التسجيلي.

ترامب وأردوغان

"ما لم نتمكن من فعله مع الأمريكيين، نفعله مع الروس"، هكذا يفسر المسؤولون الأتراك نشاطهم في شمال سوريا، حيث كانت تركيا قادرة على تأمين حوالي 130 كيلومترًا فقط بين تل أبيض ورأس العين، على عمق 32 كيلومترًا، الأمر الذي تم نتيجة لانسحاب الجانب الأمريكي من المنطقة، وسمح بقطع الطريق السريع بين الشرق والغرب. 

فيما أتاح الاتفاق الموقع في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بين تركيا وروسيا، بتسيير دوريات مشتركة لقوات البلدين، على عمق 10 كيلومترات، في باقي مناطق شمال شرق سوريا شرق الفرات، باستثناء مدينة القامشلي حيث أقامت القوات الروسية قاعدة عسكرية مؤخرًا.

أردوغان يعيد رسالته لترامب

وأثار المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين، مشهدًا لافتًا، عندما سأل صحفي أردوغان عن رأيه في رسالة ترامب التي أرسلها إليه بشأن الملف السوري، والتي تضمنت: "لا تريد أن تكون مسؤولًا عن مقتل آلاف الأشخاص، ولا أريد أن أكون مسؤولًا عن تدمير الاقتصاد التركي؛ وسوف أدمره". وأنهى ترامب الرسالة بقوله: "لا تكن رجلًا متصلبًا. لا تكن أحمق"، قبل أن يضيف: "سوف أتصل بك لاحقًا"؛ ليعلق عليها أردوغان من العاصمة الأمريكية واشنطن، بقوله: "أعدتها إلى السيد الرئيس اليوم".

بدا أن تفاصيل زيارة أردوغان لواشنطن، لم تخرج عن المناخ الهزلي وحالة الخفة التي فرضها ترامب على مستوى العلاقات الدولية

بالنسبة لمراقبين، بدا أن تفاصيل الزيارة التي أجراها أردوغان لواشنطن، لم تخرج عن المناخ الهزلي الذي فرضه ترامب على مستوى العلاقات الدولية، من جهة السياق الذي جاءت فيه، ومجرياتها، ونتائجها، فكما الرئيس الأمريكي الذي لم يجد الوقت لمشاهدة جلسات محاكمته العلنية، كانت الكثير من شعوب العالم مهتمة أكثر بمتاعبة عواصم أخرى تحتج على حال من الخفة تسود العالم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ملف الشمال ينتقل إلى موسكو.. ما مستقبل التواجد الأمريكي في سوريا؟

أسباب ستَحُول دون فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية 2020