حوار| وليد العلفي: اليمن أستديو كبير

حوار| وليد العلفي: اليمن أستديو كبير

وليد العلفي (ألترا صوت)

يقاوم المخرج اليمني وليد العلفي ظروف الحرب التي دمرت البلاد، وحوّلت الوطن إلى سجن كبير ينتعش فيه الموت فقط، وأصبح الحديث الأبرز في وسائل الإعلام اليمنية والدولية، التي غابت عنها أخبار الثقافة والفن وكل ما من شأنه أن يصنع الأمل لدى شعب بات يغرق في المأساة حتى أذنيه، ليواصل مشواره الفني حتى تحقيق أحلامه بالوصول إلى العالمية بأعمال يمنية، تنقل إلى العالم الوجه المشرق لليمن، حضارة وتاريخًا وثقافة.

ولد المخرج اليمني وليد العلفي في عام 1983 في منطقة الصفقين، بمديرية حفاش، في محافظة المحويت، شمالي اليمن، ونشأ مهووسًا بالفن والمسرح منذ طفولته، وقضى الكثير من وقته في متابعة الأفلام والمسلسلات والمسرحيات وقراءة الكتب، وكانت وجهته الدراسية فن الإخراج، وعمل في إنتاج وإخراج عدة مسلسلات، وعشرات الأفلام القصيرة والفلاشات في بلد لا تزال الأعمال الفنية فيه قليلة جدًا، على الرغم مما يمتلكه من عمق حضاري وثروة إنسانية، وكذلك بالمقارنة مع البلدان العربية الأخرى.

وخلال هذا الحوار مع "ألترا صوت"، يكشف وليد العلفي عن جانب من حياته الفنية، في ظل المجتمع اليمني المحافظ، وعن واقع الفن في اليمن الذي تحكمه العادات والتقاليد، ويفرض قيودًا على الأعمال الفنية والدرامية.


  • ما الذي دفعك إلى دراسة الإخراج التلفزيوني في ظل المجتمع اليمني المحافظ؟

ابتدأ شغفي بالمجال الفني منذ الطفولة بمشاركاتي في المسرح المدرسي، مرورًا بمرحلة الشباب وأيام الثانوية، حيث كنتُ مهووس بمتابعة الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، وقتها كنت في القرية وشجعني والدي د. محمد العلفي رحمة الله عليه، حيث كانت مكتبته تحوي مجموعة من المسرحيات العالمية لشكسبير وموليير وآخرين، إضافة إلى الروايات والقصص العربية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس ومحمد عبدالولي، إلى جانب ذلك مكتبة الأستاذ عبدالكريم المعاينة، مدّرس مادة التاريخ، الذي شجعني كثيرًا، وكانت مكتبته زاخرة بالعشرات من الروايات والكتب التي كانت متاحة لي على الدوام.

وليد العلفي: أكبر مشكلة نواجهها في اليمن هي أن الفنيين لا يتجاوزون عدد أصابع اليد

  • حدّثنا عن مسيرة تعليمك وأين درست الإخراج التلفزيوني؟

على الرغم من سخرية العديد من أصدقائي من هذا التخصص، الذي سيكون بوابتي إلى البطالة على حد زعمهم، لندرة فرص التوظيف في هذا المجال.

عقب تخرجي من الثانوية عام 2000، قرّرت دراسة الإخراج في العراق، ودعمني والدي وشجعني للدراسة على حسابه الخاص وقدّم ملفي إلى أحد أصدقائه للتنسيق، لكن الظروف السياسية بالعراق وقتها دفعتني للتراجع عن الفكرة، فالتحقت بكلية الفنون الجميلة بجامعة الحُديدة، غربي اليمن، قسم الفنون الإذاعية والتلفزيونية، لعدم وجود كلية للفنون في محافظة المحويت، عام 2002، حتى أنهيت الدارسة وحصلت على شهادة البكالوريوس في الفنون الإذاعية والتليفزيونية عام 2006.

اقرأ/ي أيضًا: أغنية "آنستنا يا عيد".. أيقونة الفرح في اليمن

  • متى بدأت مشوارك في العمل الفني وما هو أول عمل قمت به؟

تخرجت في 2005 -2006، وكان مشروع تخرجي فيلمًا روائيًا قصيرًا بعنوان "الإصبع الصغيرة"، مستوحى من حكاية شعبية، عرض ضمن برنامج أول خطوة على قناة اليمن الفضائية ولاقى استحسان الكثيرين، منهم المخرج د.فضل العلفي.

بدأت ثاني خطوة مهمة في حياتي الفنية، حيث عملت مع الدكتور فضل العلفي، كمتدرب بالجزء الثالث من السلسلة الكوميدية "كيني ميني"، ولم ينقضِ عام واحد، حتى كنت قد عينت كمدير للإنتاج ومدير تنفيذي لشركته روزانا التي يمتلكها المخرج فضل العلفي. كان أول عمل لي كمدير إنتاج في الفيلم الروائي "الرهان الخاسر"، ليستمر مشواري في مجال إدارة الإنتاج لسبعة مسلسلات من أهمها: "عيني عينك"، و"مننا فينا"، و"الفريق".

ثم توجهت إلى الإخراج بعد اكتسابي لخبرة لا بأس بها من خلال العمل بالميدان، من خلال الاستفادة من خبرة المخرج العلفي الذي لم يبخل عليَّ بكل ما يملك، وكانت أول تجربة لي في الإخراج التليفزيوني، في 2012 من خلال البرنامج التوعوي "خليك عسل"، لأقوم لاحقًا بإخراج العشرات من الفلاشات والإعلانات، بالإضافة إلى فيلم "أحلام بوزن الريشة" الذي حصلت فيه على المركز الثاني في مهرجان اليمن للأفلام بالعام 2013، لأخوض بعد ذلك تجربة مهمة، وهي التأليف إلى جانب الإخراج، وذلك من خلال مسلسل "ثمن الحرية"، الذي تم إنتاجه في 2015.

  • إلام ترجع ضعف اليمن في الإنتاج الفني والدرامي؟ ولماذا يرتبط هذا الإنتاج بشهر رمضان؟

الإنتاج الدرامي منظومة متكاملة من العناصر الفنية والإنتاجية، والتي تدفع بعجلة الإنتاج وترتقي به، وهذه العناصر الفنية تتنوع بين توفر عدد من المخرجين ذوي الخبرة والمصورين وفنيي الإضاءة والمونتاج والمكياج والديكور والملابس.

وهنا تكمن أكبر معضلة نواجهها في اليمن، فالفنيون المحترفون في مجال الإخراج والتصوير والإضاءة والمونتاج والصوت.. بعدد الأصابع، كذلك فنيو المكياج والديكور والملابس، وأيضًا نواجه عجزًا كبيرًا في إيجاد المحترفين الذي يلبون احتياج سوق العمل. كل ذلك ناتج عن عدم إقبال الشباب على دراسة هذه الفنون، وعدم وجود معاهد متخصصة أو ابتعاث طلاب للدراسة في الخارج، كما أن لدينا ندرة في كُتّاب الدراما.

إضافة إلى العديد من الإشكاليات المختلفة، منها أن القنوات التليفزيونية دائمًا ما تقوم بإنتاج الأعمال الدرامية بالوقت الضائع، قبل رمضان بأشهر قليلة، الأمر الذي يضاعف الجهد على فريق العمل، ويؤثر على جودة الإنتاج، ناهيك عن ميزانية الإنتاج الضئيلة، والأجور المتدنية للطواقم الفنية والممثلين.

وليد العلفي: البيئة اليمنية تشجّع الفن والدراما، ويظهر ذلك من خلال الصدى الكبير الذي يحدثه الإنتاج الدرامي المحلي

  • يُرجع الكثير من الناشطين والمتابعين قلة الأعمال الدرامية إلى أن البيئة اليمنية غير مشجعة للفن.. ما رأيك؟

أرى أن البيئة اليمنية أكثر تشجيعًا للفن والدراما، ويظهر ذلك من خلال الصدى الكبير الذي يحدثه الإنتاج الدرامي المحلي، الذي نلاحظه من خلال حديث الناس في الأماكن المختلفة، إضافة إلى نسبة المشاهدة المرتفعة لهذه الأعمال على اليوتيوب، فاليمن أستديو كبير مفتوح، وأينما اتجهت ستلحظ ذلك، في الريف والسهل والجبل والمناطق الساحلية والجزر وحتى المدن أيضًا، فلا نحتاج إلى بناء لوكيشنات، كل شيء لدينا جاهز والناس متفاعلون أينما ذهبنا، ونجد تسهيلات كبيرة، ناهيك أن لدينا موروثًا اجتماعيًا وحضاريًا لم يستهلك لكتابة المئات من الأعمال المتنوعة والمختلفة. كل ما نحتاجه هو أن تتوجه الحكومة لدعم الفن، والمزيد من الاهتمام من قبل القنوات الخاصة.

اقرأ/ي أيضًا: النكتة السياسية في اليمن.. آخر زفير زمن الحرب

  • تغلب الكوميديا على معظم الأعمال الفنية في اليمن، لماذا برأيك؟

أحدثت السلسلة الكوميدية "كيني ميني"، ابتداء من العام 2002، تحولًا كبيرًا في مسار توجه القنوات الفضائية لنوعية الأعمال التي تنتجها، فقد نجحت جماهيريًا وتجاريًا بسبب عائدات الإعلانات، وسارت على نفس هذا التوجه السلسلة الكوميدية "همي همك" للمخرج فلاح الجبوري، والعديد من المسلسلات بمختلف القنوات الحكومية والخاصة. لذا صار مطلب أي قناة كوميديًا بحثًا عن الربح وتلبية لرغبة الجمهور، لكننا في مسلسل "غربة البن" وكذلك "الدلال"، مزجنا بين الكوميديا والتراجيديا، وكانت التراجيديا هي الأغلب، وخاصة في مسلسل "غربة البن" الذي عرض على قناة يمن شباب خلال شهر رمصان الماضي، وحقق نجاحًا كبيرًا.

  • هناك من ينظر للمسلسلات أنها مفسدة للإنسان اليمني في ظل المجتمع المحافظ، عقب ظهور الممثلات في "غربة البن" بدون الحجاب، في خرق لعادات وتقاليد المجتمع.. ما هو ردك على ذلك؟

نحن أبناء هذا المجتمع وملتزمون بالأعراف والعادات والتقاليد والقيم، وإن تم كشف الحجاب في مشهد معين؛ فهذا تفرضه الضرورة الدرامية.. البعض استنكر ذلك، ونحن نقول إن هذا شيئًأ طبيعيًا. في النهاية، كل عمل له محبون، ومعارضون أيضًا.

وليد العلفي: لدينا في اليمن موروث اجتماعي وحضاري لم يستهلك بعد، ويصلح لكتابة المئات من الأعمال المتنوعة والمختلفة دراميًا

  • ما هي الصعوبات التي واجهتك خلال مسيرتك الفنية؟

كانت الصعوبة الأكبر أن تحجز لك مكان كمخرج مسلسلات وتكسب ثقة القنوات والمنتجين، وخاصة أنني لا أزال في سن صغير، لكن بفضل الله وبفضل تشجيع ودعم والدي، رحمه الله، وبفضل أستاذي ومعلمي المخرج د.فضل العلفي استطعت أن أكسب ثقة العديد من المؤسسات الإعلامية، بالإضافة الى الصعوبات والمعوقات التي يوجهها كل يمني في ظل الحرب.

اقرأ/ي أيضًا: الفنانون في جنوب اليمن.. حرمان من الفنّ ومن الحياة!

كان اجتماعي بأخي وصديقي الفنان صلاح الوافي نقطة تحول كبيرة في مسيرتي الفنية، فقد شكلنا ثنائيًا مميزًا، حيث قدمنا سويًا عددًا من المسلسلات لشركة "الوافي" حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.

نتمنى للدراما اليمنية الانطلاق، والمنافسة عربيًّا، وهذا ليس مستحيلًا إذا وُجدت النوايا وتوفر الدعم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أرشيف عبدالرحمن الغابري.. اليمن في نصف قرن بمليوني صورة

رقية الواسعي.. فنانة يمنية ترسم لوحاتها على حطام الحرب