حوار| كاميليا عبد الفتاح: الرواية مجرّة الإبداع
30 ديسمبر 2025
قرر القائمون على جائزة أبي القاسم الشابي التي يمنحها البنك التونسي، والتي تأسست في العام 1984، منح جائزتها لهذا العام، والتي خصصت للرواية، للدكتورة كاميليا عبد الفتاح؛ المعروفة بالأساس كناقدة وشاعرة وأكاديمية، وقد شغلت منصب الأستاذة المساعدة في تخصص الأدب والنقد بعدد من جامعات المملكة العربية السعودية، سابقًا.
"أن يتأرجح بك" هي رواية تدور أحداثها بين الأقصر والإسكندرية، تقدم لنا قبسًا من روح المدينتين. هي رواية تمزق القلب بين المدن التي لم تخترها الساردة ولكنّها أحبتها وتعلق قلبها بها، وبين حياواتٍ اختارتها واحتملت بشجاعة تبعاتها. من المُلفت أن للدكتورة كاميليا عبد الفتاح دراسات متعددة عن الاغتراب، منها دراستها في شعر أبي العلاء المعرّي. وفي هذا الحوار لـ "لترا صوت" تتحدث كاميليا عن موضوعاتٍ متنوّعة وأفكار شتّى في الأدب والفكر والحياة.
الاغتراب فكرة محورية في عملك الإبداعي والنقدي. فهل يُمكن أن تحدثينا عنه؟
موضوع الاغتراب من الموضوعات التي تشغلني، لأنه لصيق الصِلة بوجودنا الإنساني، وهو وجود مغترب في جوهره. لم أفرض على عقلي الانشغال به، بل حدث الأمر بصورة طبيعية ومنطقية لأن الشعور بالاغتراب شعور حتمي تفرضه طبيعة الحياة التي يذّكرنا كل ما فيها أنها عابرة، وأنها مكان مزيف زائل. مأزق الوجود المؤقت هو العامل الأساسي في توطّن كثير من المشاعر السلبية في جبلتنا الإنسانية، وعلى رأسها: الحزن، القلق، الخوف. تشتد حدّة الشعور بالاغتراب عند ذوي الإبداع، لاستئثارهم بنصيبٍ كبير من رهافة الإحساس بالوجود، والتناقض المروع بين فكرة الحياة وحدث الموت. من هنا أزعمُ أنّ الاغتراب قضية، وإشكالية، جوهرية في كل إبداع فني أو أدبي أصيل. ومن هنا أيضا تستقطبني ملامح هذا الاغتراب في كل عمل أطالعه أو أعكف على قراءته نقديًا، حيث أرى الاغتراب نافذة تطل منها الذات على الوجود.
قضيتِ فترة ليست بالقصيرة خارج مصر. فهل نجحت المملكة العربية السعودية في نفي إحساس الغربة عنكِ؟
الشعور بالغربة عن الوطن شعور حتمي يولدُ مع ولادة فكرة السفر ذاتها. قبل أن تبدأ حركة الرحيل عن المكان ذاته. وقد عشتُ هذا المعنى، وعانيتُ هذا المذاق أكثر من مرة وأمكنني تأمله وإدراكه، لكني عجزتُ عن مقاومته أو دفعه عني رغم ذلك. استسلم والداي لرغبتي في العمل خارج مصر بعد رفض شديد تسبب في إصابتي بالمرض والإجهاد وملازمتي الفراش. لكن، حين فوجئت بموافقتهما وأدركتُ أني سأسافر بالفعل دقت أجراس جنائزية في قلبي، وبدأتُ رحلة بكاء صامت طيلة الشهر الذي سبق مغادرتي لمصر. كنتُ أنظر لكل شيء بعين الوداع، وأرى كل ما كنتُ أنتقد جميلًا عزيزًا، كل ما كان مزعجًا صار مؤنسًا غاليًا، ادخرتُ كل التفاصيل ادّخار البخيل، وكنت أستعيد هذا كل طيلة البعد فأبتسم أو أبكي أو أنطلق في سرد ذكرياتي كأني أرى مصر وأرى ذاتي لأول مرة.
لازمتني هذه الحالة طوال سنوات عملي في المملكة العربية السعودية، وسارت جنبًا إلى جنب رحلتي المعنوية والفكرية داخل جنبات المملكة، عفيف ثم الباحة، أعني: علاقاتي الإنسانية الجديدة، تأملي ثم شغفي بالمكان والناس والطقوس وذاتي الجديدة التي صار لها ذكريات هناك لا تكف عن مزاحمة ذكرياتي هنا في مصر، وتغريني بها.
أي مدينة هي مدينة قلبكِ؟
تتنازع المدن قلبَ من يغترب، وتدّعي كل واحدة منها انتسابه إليها، فالمدينة الأم تحتجُ بأني رضيعة حكاياتها وفجرها ومعابدها، ومدينةٌ ارتحلتُ إليها احتجّت بأني أتيتُها لا أحمل إلا سمرة الصعيد وحكايات المعابد وأنها هي من منحتني القُدرة على احتساء فنجان القهوة والتحديق في اضطراب الموج والمشي في شوارعها وطرقاتها المؤنسة والموحشة. مدينة أخرى تؤكد أنها ربتت على روحي المجهدة وقدمت لي الحياة في سردية مغايرة امتزج فيها الاغتراب بعمق الرؤية وعنفوان الحزن. مدن كثيرة سكنت قلبي وتركت فيه بناياتها وشوارعها وملامح ناسها، لكن مدنًا أخرى تسكني ولم تطأها قدمي بعد. سؤال مدهش وجميل.
تبدو لي الرواية مكتوبة في وقت زمني سابق بإحساس بنت ما زالت محبطة من نكران جامعتها لها وفشل قصة حبها الأولى.
هذه رؤية إيجابية لمقدار الصدق الفني الذي تتسم به الرواية إلى درجة أشعرتكِ بوجودي في شخصية ليلى: مرحلتها العمرية وعاطفتها ومواقفها. هذا جانب. جانبٌ آخر لابد أن ألقي عليه الضوء، هو تأزمي وألمي من تأزم العملية التعليمية وتراجع مستوياتها عن سابقتها وعن ما أرجو لها كأستاذة جامعية مارست التدريس الجامعي، وشغلتْ كثيرًا من الوظائف الإدارية المتعلقة به لسنوات طويلة، ولديها كثيرٌ من الخبرات والحكايات حول كواليس العملية التعليمية وكيفية تطويرها ومعالجة مشكلاتها.
"أن يتأرجح بك" رواية، لكن تشابه الكثير من صفات ليلى وطبيعة دراستها مع حياتكِ الشخصية قد يدفع القراء لاعتبارها سيرة ذاتية. هل أقلقتكِ فكرة التلصص؟
الأمر الوحيد الجدير بإثارة قلق الكاتب هو تعثر وصول الرواية ذاتها إلى القارئ، أو فشل الكاتب في تمييز ذاته الإبداعية عن غيره من الكُتّاب. أما غير ذلك فأمور تحتمل النقاش حولها، ويمكن تركها دون إجابة لأن مهمة الآداب والفنون إثارة الأسئلة، لا طرح الإجابة، مهمتها فتح الباب للتوقع والدلالات المحتملة، لا لليقين.
هل كتبت الرواية لأنها تحظى برواج أكبر من الشعر، أم لأنها تتيح فرصة بناء عالم بتفاصيله الكثيرة؟
الكتابة لا تُستدعَى من عدم، لا بد أن تكون موجودة لتطل برأسها. لا يكفي أن يقرر الأديبُ الكتابة في جنس أدبي ما لينصاع له هذا الجنس وينتقل معه من حيّز الخفاء إلى التجلي. الكتابة الأدبية فعل مدفوع بذاته، له إرادة كافية لإجبار الأديبِ على الانصياع له، لكن ذلك لا يتم إلا بعد اختمار أدوات هذا الفعل، أعني: الوعي بالعالم، نشاط التخييل إلى الحدّ الذي يستطيعُ فيه الأديبُ تصوير العالم وفق رؤية خاصة وسمات جمالية متفردة.
الرواية مجرةٌ الإبداع، عالم رحب تنهض فيه الحياة كأنها هي، بشخصياتها وأحداثها ومآسيها وبهجتها القاصرة وأحلامها الممتدة التي يئدها التناهي البشري ونقصان الزمان. الرواية هي الميدان الذي يمنح الكاتب الفرصة لتأمل حركة التاريخ الإنساني وحركة الذات، ذاته الفردية والذات الإنسانية، من الماضي إلى الحاضر، هي المضمار الذي يتيح له الاضطلاع ببناء حياة كاملة في صورة هندسية دقيقة تتيح له تأمل علاقة الإنسان بفضاءين يحاصرانه وينالان منه: الزمان، والمكان. الرواية عندي هي الفعلُ الإبداعي الذي يمنحُ الكاتب قدرًا كبيرًا من التوازن والسلام من جهة إيهامه بامتلاك القدرة على خلق حياة ما وإدارة المصائر الإنسانية فيها بحبكة فنية بارعة محتشدة.
أبو القاسم الشابي جائزة ينظر إليها البعض بتقدير أكبر من جوائز أخرى عربية، كونها غير مسيسة إلى حدٍّ كبير. فهل كان ذلك في خلفية اختياركِ للترشح لها؟
هذه الفضيلة التي تحظى بها جائزة أبي القاسم الشابي كانت بالفعل من أسباب حرصي على التقدم إليها، لأنّ استعلاء الجائزة على الانحيازات السياسية والأيديولوجية، وغير ذلك، يكفل للنصّ الأدبي المُشارك أن يحظى بلجنة تحكيم نقدي، وهذا حقه الطبيعي، لا أن يخضع لأي منظور آخر. إلى جانب هذا، دفعتني أمور أخرى للمشاركة في جائزة الشابي، منها رئاسة الشاعر الكبير الدكتور منصف الوهايبي للجنة التحكيم، فمكانته الإبداعية التي حازها بجدارة واستحقاق تبعث على الشعور بالثقة في آليات التحكيم والرضا بنتائجها في كل حال. أضيفي إلى ما سبق نشاط حركة السرد الروائي في تونس وقدرتها على لفت الانتباه في أكثر من موسم أدبي بأسماء متميزة بارعة.
أي الأدوار أقرب إلى قلبك: الكاتبة، أم الأكاديمية، أم الناقدة؟
سؤال مرهق وإجابته ليست هيّنة. يُطرحُ الأمرُ كأن كل واحدة من المشار إليهنّ ضيفة عندي أو زميلة دراسة، لكن الحقيقة أنّهن يشكّلن ملامحي وجوهر شخصيتي. كل مجال من هذه المجالات يحمل ملمحًا من هويتي ويصفُ ذاتي. أنا أكتبُ مجبرة مدفوعة بفعل الكتابة ذاته لا بالاختيار الحر أو الإصرار على هذا الفعل، لكني أندفع للكتابة بإغراء كبير هو أن أرى كاميليا عبد الفتاح وألتقي بها وجهًا لوجه وأدير معها حوارًا صادقًا أحاول من خلاله أن أمرّر إليها اعتذاري لها وتجديد ثقتي فيها بصفتها مقاتلة عنيدة، وأرجو منها في الوقت ذاته أن تفتح نافذة غرفتها المسحورة لأطّلع على رؤاها للعالم. كاميليا الناقدة تضبط لي إيقاعي بحدة وعيها فتحول بيني وبين تهويم الإبداع وتحليقًا أجنحته. كاميليا الأكاديمية هي المثابرة والرسالة والمسؤولية والدأب. هناك كاميليا الأم، وهي قلب قلبي.







