07-أكتوبر-2020

الروائية عبير اسبر

تكتب الروائيّة والسينمائيّة السوريّة عبر اسبر لتفهم ما حدث ويحدث، هذا بالضبط ما يتّضح في روايتها الأخيرة "سقوط حرّ" (2019) التي وصفتها بأنّها مُجرّد مُبرّر لمقاربة الشام وتفكيك إرثها العمرانيّ، دون أن تغفل تفكيك الحالة النفسيّة لبشرها في سياق التحوّلات المُتعدِّدة والمُتسارعة والمُختلفة التي شهدتها المدينة.

دخلت اسبر إلى عالم الرواية عبر عملها الروائيّ الأوّل "لولو" (2003) الذي كان سيناريو لفيلم قبل أن يتحوّل إلى نصٍّ روائيّ بعد أن عرفت بوجود جائزة في وزارة الثقافة إن تمكّنت من حصد المركز الأوّل فيها، فيعني ذلك أن تتمكّن من امتلاك كاميرا لصناعة فيلمٍ ما منتظر. هذه الحادثة، على ما تنطوي عليه من فكاهة، كانت السبب وراء دخول عبير اسبر إلى فضاء الحكاية. هنا حوار معها.


  • لنبدأ حوارنا من السؤال التالي: بدأ مشوارك الأدبيّ بنشر روايتك الأولى "لولو" عام 2003، وهذا التاريخ هو تاريخ النشر، ولكن متى بدأت عبير اسبر الكتابة بشكلٍ فعليّ؟ ما الذي جاء بها إلى عالم الأدب؟ ولماذا الرواية تحديدًا؟ نسأل هنا عمّن وجّه خطواتك الأولى نحو الكتابة؟ وفجّر أسئلتها لديكِ أيضًا؟

بعد ما يقارب العشرين عامًا على كتابة "لولو"، لا أستطيع سوى تذكر تلك الخفة التي أتيت بها إلى دنيا الكتابة، حيث شعرت على الدوام أني أفّاقة وسأُكتشف من الآخرين أو سأكتشف أنا نفسي أني لا أستطيع الكتابة، إذ لم أعتقد أني أتيت ذاك العالم مسلحة بما يكفي من الرصانة، لكنّي  حكمًا قاربتهُ بالمعارف الكافية، حيث ما شكل أدواتي حينها وأنا في 27 هو خلطة عجيبة من اطلاع مرضيّ، عميق وثمين على الأدب العالمي، علاقة واعية ووثيقة بالنقد، بالمسرح بالتشكيل، والسينما بالطبع، والكثير الكثير من الثقة والتبجح، فـ"لولو" ليست كتابي الأول فحسب، بل هي نصي الأول أيضًا، فلم أكن قبل كتابتها قد خطيت حرفًا أدبيًا واحدًا، لا قصيدة، لا قصّة قصيرة، ولا خاطرة، أو حتّى رسالة غرام مراهقة أختبر قدراتي الأدبية فيها، ففي ذاك الوقت في 2001 عند التقدّم لـ"جائزة حنّا مينه"، كنت قد وطدت خطاي كمساعدة مخرج في مشاريع سينمائية كبيرة وكمخرجة أفلام قصيرة، لكن وبصدفة بحتة حضرت إعلانًا تدعو فيه وزارة الثقافة السورية الكتّاب ما دون الثلاثين إلى تسليم نصوصهم والحصول على جائزة مالية، وبنفعية شديدة كما أشرت مرارًا، كان محركيّ الأدبيّ الوحيد هو الحصول على الجائزة وشراء كاميرا كنت بحاجتها لإتمام فيلمي الوثائقي القادم.

عبير اسبر: كان محركيّ الأدبيّ الوحيد هو الحصول على الجائزة في 2001 لشراء كاميرا كنت بحاجتها لإتمام فيلمي الوثائقي القادم

  • لننتقل إلى قلق الجملة الأولى من الرواية، كيف تتعاملين معها عادةً؟ وكيف تبدئين روايتك؟

لم تقلقني اللغة مرة، أعرف تمامًا أنّي سأجد ما أرضى عنه كتابيًا، ما يقلقني حقًا، هو مخيلتي والتقاط شيفراتها شديدة التعقيد، أقلق من تلك الصورة التي تنطبع في رأسي طالبة حلحلة كراكيبها وعقدها وتفكيك رموزها إلى كلمات.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة عبير اسبر

انطلقت "لولو" من صورة رأيتها عندما مات حافظ الأسد في سنة 2000، ففي ذات اليوم، عند مروري من أمام المدينة الجامعيّة، رأيت ما بين الزعيق والإغماءات المفبركة، الصورة التي ستصنع الرواية، إذ عند إعلان وفاة الرئيس سارع الجميع إلى مخازن المدينة الجامعية لجلب صور "الأب القائد" من احتفالات سابقة، ثم بلحظة ماركيزية شديدة التكثيف، لم يكن هناك من وقت لطبع صور جديدة، فحملت الفتيات صورًا من الانتخابات الأخيرة التي سكرت الباب على أي انتخابات قادمة بجملة حملنا وزرها جميعنا تقول "نبايعك إلى الأبد" ومع أن الرجل مات، لكن اجتمعت في صورة واحدة تناقضات بلد بحاله، أبدية وموت! ومن هنا انطلقت "لولو" لتحكي عن خدعة المسميات وضلال اللغة.

وهذا ما سيتكرر بالطبع في كتبي القادمة، ففي "قصقص ورق"، لطالما فتنتي صورة بنت تتأرجح على حافة فرندا عالية ببيجاما قطنية مطبوع عليها أرنب وجزرة فكانت عهد داغر الأفاقة لاعبة سيرك الوسط الثقافيّ بفساده وشيطنته. في "سقوط حر" كانت صورة رجل هاذٍ يصعد درجًا يمدّ يده لابنته، فيلتقط الهواء ويهوي لتعيش البطلة مع الذنب ويحضر مفهوم المسؤولية بتعقيداته، في "منازل الغياب" سيحصل ذات الشيء، هناك شاب ثلاثيني، يتناول كمية كافية من حبوب منومة، يجلس في البانيو بملابس مستعيدًا حكايات أربع شخصيات مجنونة شكّلت عائلته.

  • في رصيد عبير اسبر اليوم عدد من الأعمال الروائيّة، سؤالنا لك: منذ أن صدر عملك الروائيّ الأوّل وحتّى اللحظة، ما الذي تغيّر في تجربتك الأدبيّة، وما الذي ظلّ ثابتًا فيها أيضًا، ولماذا؟ ما الذي يظلّ قابلًا للتغيير دائمًا؟ وما الذي يُكتب لهُ أن يظلّ ثابتًا في تجربة الكاتب؟

الذي تغير وبعمق هو اعتناقي لصفة الروائية وهذا حصل مؤخرًا جدًا، مع كتابتي لـ"سقوط حر"، حيث وللمرة الأولى يكتب نص لي من داخل فعل الكتابة ذاته، نص نقي ومجرد لا يبغي أن يصبح شيئًا آخر، فكتبي الثلاثة السابقة كتبت لأسباب لا روائية، إن جاز التعبير. فهي أفلام لم يتح لها أن تنفذ فُكتبت روايات.

عبير اسبر: في "سقوط حر" كانت صورة رجل هاذٍ يصعد درجًا يمدّ يده لابنته، فيلتقط الهواء ويهوي لتعيش البطلة مع الذنب ويحضر مفهوم المسؤولية بتعقيداته

بينما الثابت والخيط اللاضم لتجربتي مع كتبي الأربعة، هو بالطبع ذاك الهاجس المقيم في كل عمل لي، حيث تقود الذاكرة كل الأفعال الأخرى، وتتحول النصوص بسببها إلى نص كبير عملاق يسأل ذات السؤال عن وظيفة الذاكرة مشرّحًا دورها، بينما تتابع النصوص بسرديتها الموحدة طرح هاجسها الدائم: في المآسي وعند انعطافات التاريخ العظمى ومفاصلها المؤسسة، في الدروب وفي الانكسارات الشخصية والعامة، هل من الأفضل أن نتذكر، أم من الأجدى والأشد انسانية أن ننسى علنا ننجو من ثقل المعرفة، وعبء التذكر؟

اقرأ/ي أيضًا: عبير اسبر في رواية "سقوط حر".. دمشق كمكان لأزهار الشر

  • "أنا ياسمينا ابنة خليل داغر"، بهذه الجملة تُعرِّف بطلة "سقوط حرّ" نفسها، هل يمكن القول إنّ هذا التعريف نفي لحضور هويّة أخرى؟ مثلًا: أنا لست عبير اسبر؟ وإلى أيّ حدٍّ تُعوِّلين على تجاربك الشخصيّة في بناء عمارتك الروائيّة؟ ماذا بشأن المكان وموقعه في أعمالك؟

الحقيقة لم يعنني مرة من أكون أو لا أكون داخل الرواية، وظهرتُ في "قصقص ورق" باسمي الكامل أنا عبير اسبر، وفي لولو غبت تمامًا وكتبت حكاية مختلقة بالكامل عن المراهق الريفي خالد الذي حولته بعثة سينمائية مصرية إلى "لولو" واعتمدت في رصد تحولاتها الشخصية على معرفتي وتجربتي بـ "باب الشمس" الفيلم السينمائي الذي أخرجه يسري نصرالله، وفي "منازل الغياب" حملت اسم خالي وسردت حكاية عائلتي بصوت أخي وبصفته كمحامي، وبخصوص سكب تجاربي الشخصية في كتابتي، فهذا صحيح جدًا، من يعرفني سيجد شذرات وتفاصيل كثيرة من حياتي الشخصية داخل كتبي، فأنا أحبّ هذه اللعبة جدًا، خاصة أنّي لا أتحفظ أبدًا في استخدام كل ما حصل لي، بإحراجه، بألمه، بفجائعيته وبأسئلته.

أنا كائن غير متحفظ بطبعي، وأكتب بمساحة كبيرة من الحرية، لم أعانِ من دور ذاتي للرقابة، وأعيد قص الحكايات مشرعة حياتي للريح، مهلهلة كلّ السلطات حتى تلك الذاتية، فبهذه الطريقة فقط أستطيع مواجهة الرعب، فأحكي كلّ ما يوجع ليصبح لفعل القص لدي دور تطهيري بالمعنى الإغريقي.

  • في الرواية نفسها، يُحاول نبيل إقناع ياسمينا بجمال كندا وضرورة العيش والتأقلم، ولكنّه يُقدم فيما بعد على حزّ شرايينه في البلد نفسه. كيف تُفسِّرين هذه المفارقة؟ ما الغاية منها؟ أو ما الذي أردتِ قولهُ عبرها؟

انتحار نبيل في "سقوط حر" هو تجسيد للحظة درامية أردت اعطائها ذروة شديدة التكثيف، فكل مهاجر، لاجئ أو غريب يعلم تمامًا أنّه ليس بخير، يقول دائمًا أنه بخير وهو ليس كذلك، موضوع الهجرة والمنفى والغربة موضوع كبير ومتجذر ومعقد، ولم ولن يكون عابرًا في تاريخ البشرية، ولطالما وجدنا تجلياته في كل أنواع الفنون، وتجدده الآن يحتل الوجدان الإنساني بمنحوتاته وصوره وقضاياه، خاصة مع الهجرات الكبرى، وهذا ما سيعطيه دومًا ألقًا جديدًا، ويفتح نقاشًا متواترًا ومتجددًا حول تلك المعاني.

عبير اسبر: فللمكان والهوية إحالات بعيدة في التجربة الإنسانية، إحالات تتجاوز فكرة إحساسنا الكوزموبوليتناني الذي بدأت البشرية بالتنظير له مع انطلاق الثورة الرقمية

فللمكان/الجذر والهوية إحالات بعيدة في التجربة الإنسانية، إحالات تتجاوز فكرة إحساسنا الكوزموبوليتناني الذي بدأت البشرية بالتنظير له مع انطلاق الثورة الرقمية، وهي برأيي من أهم وأعقد الثورات التي عشناها وما زلنا نعيشها حتى نخاعنا، ثورة مستمرة يقودها مجانين العلماء وشركات المال دون أن يسيل من أجلها نقطة دماء، بل تسيل حياتنا وتتلغمط دون كيان أو شكل معرف، حيث تبدو تجربتنا الآن ككيان بلا خصوصية لكتلة بشرية هائلة الحجم.

اقرأ/ي أيضًا: "سقوط حرّ" لعبير اسبر.. صراع على الموتى والقبور

  • المُلفت أنّ شخصيات "سقوط حرّ" تُعاني، في الغالب، من اضطرابات أو أزمات نفسيّة تتحكم بعلاقاتها بالآخرين ورسم مسارات حياتها أيضًا، الأمر الذي جعل من العمل أقرب إلى ميدان لعلم النفس بحسب بعض القرّاء، ما رأيك؟

أن توصف شخصيات رواياتي بأنها مضطّربة أو متأزمة نفسيًا، أعتقد أنّ هذه المقاربة غريبة بعض الشيء بالنسبة لي، أشعر الآن بالحمية وغليان الدم بالعروق وأودّ الدفاع بشراسة عن تلك الشخصيات كوني أحبها كثيرًا "أمزح بالطبع"، لكني لم أكن أريد أن تقرأ الشخصيات من هذا البعد، ولكنّه شيء لا أستطيع التحكّم به، أليس كذلك؟

لكن سؤالي أنا لك هذه المرة، هل من باستطاعتنا أن نكتب شخصيات عميقة ودرامية والأهم غير مملة، دون أن نعطيها أبعادًا نفسية مركبة؟ أعتقد لرسم هذا النوع من الشخصيات يجب اضافة طبقات كثيرة لجعلها قابلة للتصديق أو على الأقل مثيرة لاهتمام، فما يهمنا حقًا هو رسم شخصيات فنية، درامية، وهذا يناقض الطبيعة المعتدلة لمعظمنا، حيث حياتنا العادية هي حياة حيادية مملة، فليس هناك من جاذبية كبيرة في فعل الخير، وممارسة الروتين الاعتيادي والنوم الباكر، والحسد الخفيف، وتربية الأولاد بصفاء، أو بفشل حينًا وبنجاح أحيانًا.

عبير اسبر: ندعي دومًا أن خياراتنا بمجملها واعية، لأنّنا نتمنى أن نكتشف آلية عمل عقلنا التي تعذبنا بغرائبيتها

شخصياتي عاشت حياة غير اعتيادية جعلت لردود أفعالها ولصفاتها وجوهًا ومساحات غير تقليدية أو اعتيادية أيضًا. بكلّ الأحوال، عند الكتابة لا أضع في اعتباري أني أكتب عن مضطربين أو أصحّاء، كل ما يعنيني أن أحكي عن شخصيات تحاول مواجهة هذا الكون بأسلحتها مهما بدت هذه الأسلحة غير أخلاقية، فرواياتي تتحدث عن ناجين، وعلينا التمهل كثيرًا عندما نحكي عن أفعال النجاة والثمن الذي ندفعه أخلاقيًا لننجو.

اقرأ/ي أيضًا: عن الأماكن وبروتكولات الفقد

  • لعبت دور البطولة في رواياتك "لولو" و"منازل الغياب" شخصيّات ذكوريّة، ثمّ تبدّل الأمر فيما بعد حيث ذهبت هذه الأدوار إلى شخصيّات أنثويّة. سؤالنا لكِ هنا: هل هناك فكرة أو غاية خلف اختيارك شخصيّات ذكوريّة في بداياتك ثمّ الاعتماد على شخصيّات أنثويّة فيما بعد؟ هل للأمر علاقة بالمتغيّرات التي طرأت ربّما على نظرتك للكتابة خلال هذه السنوات؟ كيف تُفسِّرين الأمر؟ وما الأقرب إليكِ عادةً أو ربّما الأسهل عند الكتابة، الشخصيات الذكوريّة أو الأنثويّة، ولماذا؟

نحب ككتاب أن ندعي دومًا أن خياراتنا بمجملها واعية وآتية من منطقة شعورية مكتشفة، مدروسة ومسلّط الضوء عليها، لأنّنا نتمنى ولو قليلًا أن نكتشف آلية عمل عقلنا وتلك "اللعبجات الخنفشارية" التي تعذبنا بغرائبيتها. نحبّ أن نراقب لحظة إلهامنا، أو منجزنا كي نسيطر على تلك العملية المرعبة التي اسمها الكتابة، فتشعل حواسك كلّها لتصبح رادارات عملاقة تستشعر لحظة جلوسك وحيدًا، عاريًا أمام صفحة بيضاء وتبدأ برسم كيان ما يعيش في عالم ما، لكنّك بعد حين تكتشف أنك لن تستطيع خط سطر واحد ذو قيمة إلا إن أفلتت روحك وتركتك من ذاك الهراء، وتركت خزان وجدانك اللاواعي ليعمل بما يعرف!

ولهذا ولزمن طويل لم أستطع اكتشاف سبب اختياراي لجنس الراوي والآن لم أعد أهتم، ما علمته مثلًا أن البطل في "لولو" يجب أن يكون في عمر يتيح الدهشة ويحيي الفضول، في عمر الاكتشافات، العمر الذي توجعنا فيه المعارف. وكان هناك صوت واع خافت جدًا، يقول لي لا تكتبي عن نفسك وخاصة في عملك الأول.

لكنّي ولابتغاء الأمانة فإن الشيء الوحيد الذي أعيه بدقة: أنّ الشخصيات الأنثوية هي جحيمي الخاص، أستصعب التقاطها والدخول في عوالمها، والهروب منها، شخصية جوزفين في "منازل الغياب" تطلّبت ثلاثة أشهر من الانتظار وعشرات الكيلومترات من المشي كي تلتقط، أمّا مارلا في "سقوط حر" فلا أتمنى أن أعيد رسم ذاك الكابوس قريبًا!

  • كيف تعاملت عبير اسبر مع تغيير بيئتها ومكانها؟ الانتقال من أرضها الأولى إلى مكانٍ مُختلف كُليًّا لجهة البيئة والثقافة، بالإضافة إلى غياب القمع والخوف والموت وإغلاق الأفواه؟ كيف تعاملت مع كلّ هذه المُتغيِّرات؟ وكيف كان انعكاسها عليكِ أدبيًّا؟

بعد سكنى مدن وعواصم عدة، بات التفكير بالمكان موجعًا بقدر فكرة الاغتراب، حيث ستأخذ فكرة الحيز معانيها من معنى المنفى ذاته، فيصبح تناولنا الاغترابي لمفهوم المدينة/ المتروبول ملحًا وفجائعيًا بقدر الابتعاد عن المكان/ الذات.

عبير اسبر: الشخصيات الأنثوية هي جحيمي الخاص، أستصعب التقاطها والدخول في عوالمها، والهروب منها

في "سقوط حر" مررت بشكل طفيف فوق تلك الأرض الجديدة بمعانيها الوجدانية والنفسية، وأعتقد أنّ هذه المعاني ستتبلور وتأخذ شكلها كاملًا في الكتاب القادم الذي ستلعب فيه مونتريال دورًا أساسيًا، فأنا أسكن هذه المدينة منذ ما يقارب الخمس سنوات، وأعتقد أنها باتت تستحق حكايتها بعد أن شكلت أسئلتها وخمّرت روائحها، وطقسها في وجداني وذاكرتي، فالآن وكلّما تجولت في شوارعها، واستعملت مرافقها، وكنت طالبة في جامعاتها، أتذكر إحساسي بالمساحة في مدينة كالشام، أو دبي، أو بيروت، أو القاهرة، حيث كنت أفرد حركتي كاملة على إيقاع حركة مدن هائلة الحياة، شاعرة بنبضها، بحياتها، ببصمتي على أمكنتها، كأنني واحدة من مسننات آلة حركتها العملاق، وهذا مالا يحصل هنا، فالإحساس بالطفو مقلق، ومؤذٍ، خاصة مع وعيك أنك لا تخربش حرفًا فوق وجه هذه المدينة، مع أنها ليست مدينة معقدة.

اقرأ/ي أيضًا: هواجس الثلج

فمونتريال مدينة قابلة للقراءة ببساطة وجه طفل، اتجاهاتها معَرّفة، شمال شرق غرب وجنوب، لا تعقيد في بنيانها لا العمراني ولا الاجتماعي بالمعنى السوسيولوجي، ومع ذلك لغاية الآن أترقب حركتي مع حركة المهاجرين أمثالي واحتلالهم أو عدم احتلالهم للفضاء في أركان هذه المدينة، فأنت تريد بأقصى طاقتك أن تصبح جزءًا من إيقاع هذا المكان، لأنّك تريد أن تتابع حياتك هنا، تريد أن تنتمي، تريد أن تكون صوتًا من أصوات هذه المدينة، لكنك لا تفعل ولأسباب معقدة ومبعثرة وكثيرة.

هذا ما يقوله صوت العقل، لكن للقلب رأي آخر، رأي بسيط وواضح يهمس به إليك، كما يهمس لكل لاجئ أو مهاجر، هو سبب أعيه لكني لا أريد الاعتراف به: إذ كل ما فيّ يصرخ لا أريد البقاء هنا، لكني في النهاية سأفعل! ومن هذا الشرخ، وذاك الوعي بالفجيعة تنبثق روايتي التي أعمل عليها الآن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| يولاندا غواردي: مهمة الأدب تدمير الكليشيهات

حوار| طارق إمام: المدن الأكثر حداثة تبدو لي وثنيةً