حوار| دان لابوتز: اليسار أقوى الآن ويمكن التغلب على ترامب

حوار| دان لابوتز: اليسار أقوى الآن ويمكن التغلب على ترامب

الكاتب والنشاط الأمريكي دان لابوتز (فيسبوك)

إنها سنة "الأحلام الخطيرة" بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وهي تصرف أيامها نحو معركة انتخابية رئاسية جديدة. بينما يتقدم ترامب باحثًا عن ولاية رئاسية ثانية، يحمل الديموقراطيون مهمة دحر هذا الرئيس اليميني المتطرف. والديمقراطيون أنفسهم لم يحسموا بعد تمهيديات لا تقل استعارًا عن الرئاسية، حيث تصطف كل مؤسسة الحزب ضد المرشح اليساري المتصدر إلى الآن؛ السيناتور بيرني ساندرز الذي يمثل سابقة في تاريخ البلاد، بالنظر إلى البرنامج الراديكالي المطروح من قبله.

دان لابوتز: لا أظن أنه يمكننا اعتبار بيرني "اشتراكيًا"، بل هو "نيو ديلي" ديموقراطي، لكن حتى في هذا الخيار فهو منحاز أكثر إلى اليسار، وهذا حقًا تغيير كبير في المجتمع الأمريكي

فيما البلاد بأسرها تعرف صعود حركات واسعة مناهضة للشعبوية، سابقة هي الأخرى في تاريخ الأمة، تدفعنا للتساؤل عن أسباب هذا الصعود المفاجئ. للخوض في كل هذه الأحداث، بأداة التحليل والتفسير، يستضيف "ألترا صوت" في مقابلة حصرية دان لابوتز، الناشط والمناضل النقابي الأمريكي وعضو منظمة "الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون".

اقرأ/ي أيضًا: بعد فوز ساندرز بجولة نيفادا.. كيف أصبحت خريطة التنافس؟

دان لابوتز، الاسم المعروف في البلاد لا فقط عبر نضاله النقابي والسياسي، بل كذلك لكونه أحد أبرز الكتاب والأكاديميين اليساريين، كما يشغل منصب مدير تحرير الموقع الإعلامي New Politics. وله كتابات عديدة، منها "الشعبوية الجديدة في أمريكا"، "اشتراكية القرن 21" و"الديموقراطية في المكسيك: من ثورة الفلاحين إلى الإصلاحات السياسية".

  • أولًا بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وثانيًا بعد إعلان خطة السلام في فلسطين المعروفة بـ "صفقة القرن"، ماذا يحاول دونالد ترامب أن يسوق للداخل الأمريكي خصوصًا في فترة الانتخابات التمهيدية التي تعرفها البلاد؟

يمكن القول إن أهم رسالة يود ترامب إيصالها في هذه الفترة هي أنه سيحمي أمريكا من "أعدائها الخارجيين" بأخذ مبادرة مهاجمة هؤلاء الأعداء. فمن وجهة نظر ترامب قاسم سليماني وإيران كانوا أعداء، بمهاجمتهم يحاول تسويق فكرة أنه حامي العرين الأمريكي.

بالمقابل، وفي رأيي أن الشعب الأمريكي لا يأبه كثيرًا للأجندات السياسية الخارجية لبلاده، هو بالأحرى يهتم أكثر لواقعه الاقتصادي، للوظائف التي تطعمه، والرعاية الصحية وأسعار التعليم المرتفعة. إذًا هم يهتمون للعديد من المشاكل الداخلية لا السياسات الخارجية، وما يؤكد ذلك الاستطلاعات التي أجريت مؤخرًا وأجمعت نتائجها على أن الشعب الأمريكي لا يرغب في حرب جديدة.

هذا الأمر يعرفه ترامب بنفسه، بل وأعمله في حملته الرئاسية قائلًا: أنا ضد الحرب، وأنا ضد سياسة تغيير أنظمة الدول. وحتى الآن ونحن في التمهيديات الرئاسية، ترامب أثبت أنه رجل مال وأعمال بدرجة أولى، ولا زال مصرًا على عدم إقحام الجيش الأمريكي في أي نزاع مسلح في الشرق الأوسط، حتى ضربته الأخيرة واغتياله سليماني فسرها على هذا النحو: أن الأمر سيقف عند بعث إشارة لأعدائنا.

  • وبالنسبة لصفقة القرن؟

فيما يخص صفقة القرن، فترامب يحاول استمالة دعم اليهود الأمريكيين. فهذه الجالية تضم بعض - وليس كلها- الأغنياء والمؤثرين في المشهد الأمريكي، مع أن الساكنة اليهودية في أمريكا هي صغيرة جدًا، ولا تتعدى حسب تقديري 1 في المئة. إذًا ترامب ذهب إليهم يقول: "أنا هنا لأضمن خطة سلام لإسرائيل، ونسيبي كوشنر هو الذي سيتكفل بهذا الأمر".

لكن مرة أخرى، أظن أن الشبيبة اليهودية الأمريكية الآن أقل صهيونية من الجيل السابق، والكثير منهم لا يدعمون الصهيونية، بل يريدون سلامًا في الشرق الأوسط ويريدون حلًا سياسيًا. أقول حلًا سياسيًا حقيقيًا، وليس دولة تمييزٍ عنصري كتلك التي يقدمها ترامب.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإلى جانب اليهود يحاول ترامب استمالة الطائفة الإنجيلية. وكما تعلمون أن لدى هذه الطائفة المسيحية المتشددة اعتقادٌ ديني يقول: أن المسيح لن يظهر ثانيًا في فلسطين ليخلص العالم حتى يعود اليهود إلى تلك البلاد. الإنجيليون في أمريكا يمثلون خزان أصوات انتخابية مهم، إذًا ترامب عبر "صفقة القرن" يتوجه لهم كذلك لحصد أصواتهم في الانتخابات القادمة.

لكن ومع ذلك أقول إن كل هذه الحسابات خارج اهتمام أغلب الأمريكيين الآن، وأن أغلبهم يفكر في الشؤون الداخلية أكثر من الخارجية. ضف على ذلك أن الأمريكيين للأسف ليسوا على وعي تام بالسياسات الخارجية.

  • سيد دان، أوردت سابقًا في كتابك "الشعبوية الأمريكية الجديدة" أن دونالد ترامب وبيرني ساندرز من أهم نتائج تفكك الأيديولوجيا التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية. يمكنكم أن توضحوا لنا كيف وقع هذا التفكك؟

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا هي القوة المهيمنة على العالم الرأسمالي، تواجه في حرب باردة الاتحاد السوفياتي وحلفائه من الصين والمعسكر الشرقي. في ذلك الوقت كانت أمريكا تجادل أيديولوجيًا أنها تضمن السلام والرخاء باستخدام القوة. وتعلل سعيها وراء الحصول على جيش كبير، وأسلحة نووية، وقوة جوية متطورة وأساطيل بحرية موزعة في كل البحار، بحاجتها إلى كل ذلك لضمان هذا السلام والرخاء في العالم.

هذه الأيديولوجية التي طبعت مرحلة ما بعد الحرب تضمنت كذلك وعودًا بالرخاء الاقتصادي داخل أمريكا، بتوفير مناصب عمل للشعب، وأن هذه المناصب تكون دائمة وبمرتبات عالية وتضمن الحق في العمل النقابي والتغطية الصحية. وتحقق ذلك فعلًا، حيث أن ثلث الشعب كان يتوفر على هذا المكتسبات الاجتماعية، وكانت تمنح معاشات كبيرة للمتقاعدين وتهتم بالمساعدات الصحية. بتعبير آخر؛ كان لدينا عقد اجتماعي قوي بأمريكا بين النقابات العمالية ورجال الأعمال والحكومة.

مع نهاية الستينات وبداية السبعينات بدأت الأزمات الاقتصادية، ورغم حالة الانتعاش التي طبعت نهاية التسعينات إلا أن البلاد كانت تعرف مراحل أزمة طويلة ومشاكل اقتصادية عسيرة، أدت إلى الركود الكبير الذي شهدناه سنتي 2008 و2009.

هذه الظروف كانت مسؤولة عن تفكك الرخاء الاجتماعي الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب. وظهرت في الشارع حركات احتجاجية كـ "Occupy Wall Street"، وكانت إنذارًا فعليًا بأن الشعب غاضب على النموذج الاقتصادي، غاضب على ندرة فرص الشغل، على ضعف الرواتب واللامساواة بين الطبقة العاملة وأغنياء البلد. إذًا هذا ما أعنيه بالأزمة التي وقعت فيها أيديولوجيا ما بعد الحرب والعقد الاجتماعي الذي أنتجته. وعندما حدث هذا صعد نجم مرشحين جديدين في رئاسيات 2016، كلاهما منفصلان عن الخطاب السياسي القديم، وكلاهما يعدان بالحماية للشعب الأمريكي.

  • وكيف مثل هذا الواقع تربة ملائمة لصعود ترامب وساندرز؟

نتيجة لكل ما حصل، في حالة ترامب كان خطابه هو الترويج إلى أن التهديد قادم من الخارج، معينًا إياه في أن فرص العمل مهددة بغزو العمالة الأجنبية والمهاجرين، وأن البلاد تحت تهديد الإرهاب الإسلامي، وأن الاقتصاد مهدد بالمنافسة غير المتكافئة مع الصين.. وبالتالي قدم نفسه على أنه حامي الأمريكيين من كل هذا.

بيرني ساندرز بدوره تحدث عن هذه المسائل، لكنه حمل مسؤولية ما وقع لطبقة المليارديرات، قائلًا: نحن بحاجة إلى ثورة سياسية لاستعادة السلطة من هؤلاء المليارديرات وإعادتها إلى الطبقة العاملة. متعهدًا أن يناضل من أجل رفع قيمة الرواتب، تعميم التغطية الصحية لأن هناك عشرات الملايين من الأمريكيين ليس لديهم تغطية صحية وبالتالي لا يستفيدون من التطبيب، وإعادة المجانية إلى التعليم الجامعي. لأن التعليم في السابق كان مجانيًا، وأنا بنفسي استفدت من تلك المجانية في أيام دراستي بكاليفورنيا. إذًا كلاهما تجاوب مع وضعية الأزمة تلك، وكلاهما قدم من وجهة نظره برنامج لحماية الشعب الأمريكي منها.

  • هناك نقاش بين المتابعين لشخصية بيرني ساندرز. ثمة من يصف برنامجه بـ "الاشتراكي"، وهنالك من يشبهه بـ "نيو ديل" روزفيلت في الثلاثينات. ما هو في نظركم الوصف الصحيح لهذا البرنامج؟

إثر ترشحه الأول للرئاسيات، قدم بيرني ساندرز نفسه على أنه "اشتراكي". وهذا أمر عظيم، لأنه فتح نقاشًا عامًا حول الاشتراكية، حيث العديد من الناس الذين كانوا يجهلون معنى هذا المصطلح، ولما بحثوا عنه قالوا: آه يبدو هذا جميلًا! إذًا نحن معه. لكن من ناحية أخرى، هذا يجرنا إلى نقاش مهم عن تصورنا للاشتراكية، وما هو التعريف الدقيق لها؟ وعن أي علاقة تنبني بين الاشتراكية والديموقراطية؟

فإذا نظرنا إلى بيرني ساندرز وهو شاب، نجده ينادي بتأميم الصناعات الكبرى للبلاد، وتقزيم دور البنوك في الاقتصاد الأمريكي. لكن في 2016 وهو مرشح للرئاسيات قال: اشتراكيّتي مشابهة لصفقة فرانكلين روزفيلت. وتغاضى تمامًا عن فكرة تأميم أي صناعات.

في نظري الشخصي، لا أظن أن تأميم الصناعات دائمًا مرتبط بالاشتراكية، فقد أقدمت على ذلك عدة دول من قبل، ولم يحدث ذلك أي تحسن في شروط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، كما يمكن للأمر أن يكون في دول أخرى خطوة نحو الاشتراكية. بيرني رفض ذلك، وتحدث عن برنامج أشبه بالـ"نيو ديل"؛ أي تقنين صارم للاقتصاد من طرف الدولة، وأن الدولة تتدخل كذلك لتأمين الخدمات الأساسية للشعب كالتطبيب والأدوية بأسعار في متناول الجميع. وهذا ما أراده بيرني.

على العموم، لا زلت لا أظن أنه يمكننا اعتبار بيرني "اشتراكيًا"، بل هو "نيو ديلي" ديموقراطي، لكن حتى في هذا الخيار فهو منحاز أكثر إلى يسار الطيف السياسي الأمريكي، وهذا حقًا تغيير كبير في المجتمع الأمريكي.

  • هل يمكننا القول بأن اليسار في أمريكا غدا أكثر شعبية بفضل بيرني ساندرز؟

ما سأقوله هو أن بيرني ساندرز أحدث تغييرًا رائعًا في المجتمع الأمريكي. لأنه  في شبابي مثلًا لم نكن قادرين نهائيًا على الحديث عن الاشتراكية، كانت هذه الكلمة محرمة داخل المجتمع، لأنها كانت تحيل في ذلك الوقت إلى الديكتاتورية والتوتاليتارية السوفياتية.

الآن نجد أن سيناتور فيرمونت الذي يعرف نفسه اشتراكيًا يحظى بقاعدة صلبة تمثل 25 في المئة من الناخبين الأمريكيين. وهذه نسبة مهمة وسط مجتمع يعرف استقطابًا كبيرًا، حيث تبلغ فيه قاعدة مناصري سياسات ترامب المحافظة والعنصرية الـ 40 في المئة. في نظري الآن أصبح لدينا يسار أكبر في أمريكا.

وكما تعلم، أنا عضو ناشط داخل منظمة "الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون" (DSA)، وهي الآن أكبر منظمة يسارية في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تضم حوالي 60 ألف منخرط. قبل حملة بيرني الأولى في الـ 2016، لم نكن بهذا الحجم والقوة، أعضاؤنا لا يتعدون الـ 5 آلاف أكثرهم كهول وأغلبهم فقط أعضاء على الورق.

هذه هي الثورة الكبيرة التي أحدثها بيرني ساندرز في المجتمع الأمريكي، هي أنه دفع الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي اليساري، وأن يعود اليسار توجهًا رائجًا في أوساط هذه الفئة.

  • صحيح، صعود الحركة الاشتراكية الجذرية في أمريكا مثل لنا مفاجأة كبيرة، ما تفسيركم لهذا الصعود الآن؟

كل هذا بدأ مع بيرني ساندرز. وعودة إلى السنوات الأولى التي بدأ النشاط فيها داخل منظمة "الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين"، كان ساندرز هو الذي يتحدث عن الاشتراكية، وكان هو الاشتراكي الذي ينادي ببرنامج اجتماعي واقتصادي يقف إلى جانب الطبقة العاملة: تعليم جامعي مجاني، تغطية صحية عامة ورواتب عالية للعمال.. والكثير من الناس أحبوا ذلك وتحمسوا له، فأقبلوا على الانخراط في المنظمة. هناك أمر ثانٍ، هو عندما انتخب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، اعتبر العديد من الأمريكيين أن ذلك كان أمرًا فظيعًا، وبالتالي عليهم التحرك لإنهاء هذا الكابوس. هنا عرف الإقبال على الـ DSA انفجاره الثاني.

إذًا لدينا حدثان مهمان سببا صعود هذه الحركة اليسارية الجذرية. ومع صعودها ظهرت لنا ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وهي في نظري قيادية شابة يسارية رائعة وسياسية ذات شعبية عظيمة. تمثل الخط التقدمي داخل الحزب الديموقراطي، ولا تكل في انتقاده من الداخل.

هناك سبب ثالث، هو أن الشارع الأمريكي خلال العقد الأخير كان حافلًا بالحركات الاحتجاجية، من حركةOccupy Wall Street إلى حركة Black Lives Matter  وصولًا إلى Me Too. كان هنالك الآلاف من العمال والنساء والأمريكيين الأفارقة واللاتينين يحتجون ضد السياسات الاقتصادية والعنصرية والتحرش. في نظري كل هذه الظروف مثلت وعاء اختمرت داخله الحركة الاشتراكية الجذرية التي نشهد صعودها الآن في أمريكا.

  • عودة للسباق الانتخابي، ما حظوظ بيرني ساندرز لربح هذا السباق الانتخابي، التمهيدي داخل الحزب؟

فوز بيرني ساندرز ليس بالأمر المستحيل، لكن مسار تحققه صعب وسيكون محفوفًا بصراعات كثيرة وعلى عدة أصعدة: على رأسها، معارضة مؤسسة الحزب الديمقراطي الشرسة له. مؤسسة الحزب الديمقراطي أعني بها حفنة سياسيي قمة الحزب في تحالفهم المبني على المصالح الاقتصادية مع البنوك الكبرى وشركات التأمين، ومع شركات الإعلام المرتبطة بالحزب وضباط الجيش كذلك. هذه المؤسسة التي يسيطر عليها الطابع النيوليبيرالي، تقف ضد بيرني ساندرز الآن لأن البرنامج الذي وعد به، ولنأخذ على سبيل المثال التغطية الصحية للجميع، تهدد أرباح شركات الأدوية والتأمينات، وبالتالي تتعارض ومصالح ممولي الحزب ومؤسسته.

إذًا، فهذه المؤسسة لا تريد بيرني ساندرز، ولا أصحاب الشركات والبنوك الكبرى يريدونه، ولا الجيش يريده أن يفوز. هؤلاء في نظري هم الخطر الأكبر على حملة بيرني ساندرز، وأضيف لهم الإعلام. لأن الإعلام كذلك يخوض حملة مسعورة ضده، نرى ما تنشره الآن جريدة كبيرة في أمريكا كـ "نيويورك تايمز" بشكل يومي، المقالات تلو المقالات تقول فيها إن بيرني ساندرز سيكون خيارًا سيئًا لإسقاط ترامب. وتكيل لسيناتور فيرمونت الهجومات والانتقادات. بالمقابل تدعم غريمه جو بايدن كـ"بديل صالح" حسب ما تروج له.

  • لكن بايدن يخسر السباق لحد الآن، فهل لا زال يشكل خطرًا على حملة بيرني؟

صحيح لقد خسر في نيو هامبشاير وأيوا، لكن هذه ولايات صغيرة. لكن من المحتمل جدًا أن يعود بشكل أقوى في المراحل القادمة، فهو مدعوم بملايين الدولارات من أثرياء الحزب الديموقراطي.

كما أن هناك عامل آخر يمكن لبايدن أن يستغله، هو أن المؤسسة الديموقراطية وعلى مر سنوات بنت علاقة وطيدة مع رؤساء الجاليات والطوائف الدينية، وكذلك مع قادة مجتمعات وكنائس وأخويات السود في أمريكا. وبالتالي هؤلاء الآن سلاح في يد بايدم، قد يمكنه مستقبلًا من العودة بقوة وحصد الفوز في ولايات ككارولينا الجنوبية. إذن يمكننا أن نشهد استفاقة لبايدن في الأيام القادمة.

  • وإذًا لم يستفق بايدن؟

سيحصل سباق بين المرشحين الثلاثة الآخرين حول من يحصل على رضا مؤسسة الحزب الديموقراطي. ولقد رأينا ذلك المرشح الشاب المغمور، بيتر بوتجيج، وما فعله في ولاية أيوا. وكذلك السيناتورة آمي كلابوشار، وما حققته في نيو هامبشاير. كلا المرشحين لديهم برنامج يعارض المحافظين، لكنهما يعارضان بيرني ساندرز كذلك ويعتبرانه راديكاليًا.

كذلك هناك هذا المرشح الجديد، مايك بلومبرغ، الملياردير عمدة نيويورك السابق، هو الآن حرفيًا يضخ مئات ملايين الدولارات ليصبح بالنسبة للديمقراطيين "جو بايدن الجديد". المثير في الأمر هو شهرة الرجل، الذي ولسنتين فقط كان منتميًا للحزب الجمهوري. وكان أثناء حكمه لنيويورك عراب مشروع "أوقف وفتش" العنصري، الذي يتيح لشرطة المدينة ودون أي سبب توقيف أي شخص وإخضاعه للتفتيش عن السلاح، هذا التفتيش كان يستهدف تحديدًا الأقليات السوداء واللاتينية بالولاية. لديه كذلك سوابق في الاستغلال الجنسي للعاملات في شركاته، اللائي وإن كان بريئًا من فعل استغلالهن، كان يجبرهن على توقيع التزامات بعدم التبليغ عن تلك القضايا.

بلومبرغ يود الآن شراء كرسي الرئاسة بأي ثمن، لا أعلم إن كان سيحظى بدعم المجتمعات الأمريكية السوداء، ولا أعلم إن كان سيحظى بقبول الحركات النسوية. لكن وجود فكرة إمكانية شراء صفة المنافس الرسمي لساندرز وكذلك الكرسي الرئاسي في مخيلته، تدفعه إلى الارتماء في هذه المغامرة.

بالمقابل، بيرني ساندرز يتصدر استطلاعات الرأي الآن، لكن لا زالت القاعدة الانتخابية لكل هؤلاء المرشحين الديموقراطيين مجتمعة تفوقه، وبالتالي هم قادرون على حرمانه مرة أخرى من الترشيح إذا ما تم تفويتها لخصم له قد يظهر في الأيام القادمة. وما أود إضافته، أنه في هذا الأمر يشترك كل من ساندرز وترامب، فكلاهما لديهما قاعدة كبيرة لكن للفوز في الانتخابات عليهما التوجه إلى الناخبين الصامتين، أقصد أولئك المستقلين الذين لا يشاركون برأيهم علانية.

  • إذا ما حرم ساندرز من الترشح عن الحزب الديمقراطي، ما هي حظوظه في الفوز إذا ما قرر الاستمرار في السباق كمستقل؟

صراحة لا أرجح وقوع هذا الأمر، وساندرز ذات نفسه خلال الانتخابات السابقة حافظ على وعده: أنه سيدعم أي مرشح يختاره الحزب الديموقراطي. وأكد هذا الوعد مرّة أخرى في الانتخابات الجارية الآن، مثبتًا وفاءه للحزب الديمقراطي، بالرغم من الحرب الشرسة التي يشنها عليه ذات الحزب.

لكن ربما إذا ما وقعت فظاعات كبيرة ضده، وحرم عمدًا وبشكل ممنهج، أقول ربما هذا قد يشكل طلاقًا بينه وبين الحزب، ويدفعه إلى إعادة التفكير في ترشحه كمستقل. لكن ومع ذلك لا أظن أن هذا سيحصل.

هناك سبب آخر، هو أنه في أمريكا وخارج ثنائية الديموقراطيين والجمهوريين، ليس عندنا حزب اشتراكي أو حزب عمالي، أو أي حزب يمثل قاعدة سياسية للعمل النضالي النقابي. لدينا فقط حزب يدعى الحزب الأخضر، وهو لا يقدم نفسه كحزب اشتراكي لكنه ذا ميلان واضح إلى اليسار، لكن أقصى أدائه الانتخابي هو 2.7 في المئة  من الأصوات حاز عليها مرشحه رالف نادر خلال رئاسيات سنة 2000. في الـ 2016 كذلك ترشحت عن الحزب الأخضر جيل شتاين، فلم يكون نصيبها من الأصوات إلا 1.1 في المئة، أي نسبة صغيرة جدًا. ما يعني أنه ليس هناك حزب قوي يدعم بيرني ساندرز حتى وإن قرر الترشح خارج الحزب الديموقراطي.

  • إذًا ترشح برني كمستقل فكرة سيئة؟

لا أقول فكرة سيئة، لكنني أحكي ما وقع فعلًا. لنقل إن بيرني قرر الترشح كمستقل، إليك ما سيقع: الآن لديه 25 في المئة كقاعدة انتخابية، إذا رحل عن الحزب سيخسر حتمًا بعضًا منها. لنقل يظل عنده 15 أو 20 في المئة كقاعدة، هذا الرقم لن يمكنه من الفوز في الرئاسيات. بل أكثر من ذلك سيقسم أصوات الحزب، ويكفي لكي يفوز ترامب بولاية ثانية، وسيكون بيرني ساندرز هو الملام على ذلك. إلا إذا كان الهدف من خروجه هو صناعة حزب يساري جديد في أمريكا، وحتى هذا يبدو لي خيارًا صعبًا وإشكاليًا.

اقرأ/ي أيضًا: رهانات بيرني ساندرز الصعبة.. هل يمكن تفتيت غرور ترامب؟

  • وما هي حظوظ ساندرز في الفوز على ترامب كمرشح عن الحزب الديموقراطي؟

هذا سؤال صعب الإجابة، فبعض استطلاعات الرأي تظهر أن ساندرز قادر على دحر ترامب، بينما استطلاعات أخرى تظهر أن أي مرشح ديمقراطي قادر على دحر ترامب. لأن ما يروج هو أن ترامب فقد بعضًا من شعبيته نتيجة لسياساته الاقتصادية، وبعض قراراته التي رأى حتى أنصاره سابقًا من الجمهوريون فيها تطرفًا. لكن ما فاجأني في استطلاع أخير أن شعبية ترامب زادت من 40 في المئة إلى 47 في المئة، وهذا أمر مربك.

دان لابوتز لـ"ألترا صوت": الثورة الكبيرة التي أحدثها بيرني ساندرز في المجتمع الأمريكي، هي أنه دفع الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي اليساري، وأن يعود اليسار توجهًا رائجًا في أوساط هذه الفئة

بالنسبة لإمكانية ساندرز بالفوز عليه، نعم هناك العديد من يؤمن بذلك، فيما العديد كذلك يرى فيه متطرفًا يساريًا. وهذا يذكرني برئاسيات ترامب الأولى حيث وصف بأنه غريب الأطوار، لكن بعد فوزه بالترشيح اصطف كل الحزب الجمهوري إلى جانبه. لا أعرف حقًا إذا ما سيكون ذلك الحال بالنسبة لبيرني ساندرز كذلك، والأيام القادمة حتمًا ستوضح لنا الأمور أكثر.