حوار| حيدر الغزالي: غزة منحتني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب
26 يناير 2026
في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وصلَ حيدر الغزالي إلى إيطاليا قادمًا من قطاع غزة، ولأول مرةٍ يركبُ طائرةً، محققًا أمنيته بالجلوس بجانب النافذة.
بعدها بأيام، تسنّى لذي العشرين ربيعًا، وللمرة الأولى في حياته، توقيعُ مجموعةٍ شعرية لشعراء فلسطينيين كان مشاركًا فيها، وهي من أكثر كتب الشعر مبيعًا في إيطاليا، كما يقول الشاعر.
هو الذي تُرجمت نصوصه التي يكتبها على صفحته الشخصية في منصة "فيسبوك" إلى ثماني لغات، وحين سألته عن شعوره في مناسبة التوقيع المهيبة، قال: "لقد كنت أخاف من هذه اللحظة، لحظة اصطدامي بمدنٍ وحياةٍ طبيعية، لم يكن هناك أي ردّ فعل يُذكر. من المأساة أن أبدو أكثر تماسكًا عند الفرح، من المأساة أن أكون قد عشتُ اللحظة الحالية سابقًا في خيالي، بكل مشاعرها التي فقدتها الآن".
خرج الشاعر الشاب بعد شهرٍ واحد من انتهاء "إبادة قذرة"، حسب تعبيره، عاجزًا عن استعادة حيدر الذي كان، كما يقول.
لن أعودَ من الإبادةِ عاشقًا
دفنتُ أطفالاً كثُرًا
فماذا يعني الورد؟
رأيتُ بيوتًا تحترق
فماذا يعني العناق؟
جُعتُ كثيرًا
كما وددتُ أن أجوعَ للحب
لستُ عاشقًا
لكنني —إنِ التقينا—
أعرفُ طعمَ الحزنِ على خدّك
حول ما فعلته الإبادة بتجربته الشعرية والإنسانية، والآفاق التي يتطلع إليها بعد خروجه من قلب الموت نحو عالَمٍ آخر، أجرينا معه الحوار الآتي:
حمدًا لله على سلامتك يا حيدر.. ما الذي اكتشفتَ أنه تغيّر داخلك بعد أن وضعتِ الحربُ أوزارها؟
قلبي.
الحرب لم تنتهِ مطلقًا، ولو كان ذلك على مستواي الفردي؛ أنا خارج من الإبادة، لكنني أحمل منها سنتين ثقيلتين، لقد خرجتُ إلى إيطاليا بقلبٍ متعب.آخر أيامك في غزة، كيف قضيتها؟ وأيُّ حماسٍ كان سيقطع أنفاسك استعدادًا للسفر؟
على عكس توقّعي، وخلافًا للواقع الفعلي في غزة، عندما عرفتُ باقتراب سفري، أصبحت غزة جميلةً مثل سابق عهدها، تفتح ذراعيها إليّ وتشدّني إليها، تفعل ذلك عندما تكون الأسواق مليئةً، والمحالّ مضيئةً وبرّاقة. كنت أمشي في شوارعها وأشعر أنها تتحايل عليّ، تُشاكسني، تلاطفني بما لديها من حَوْلٍ وقوّة، لأبقى.
سأكذب عليكِ لو قلتُ إنني كنتُ متحمسًا. توقّعتُ أن أسافر، لذا فإن اللحظة التي عشتُها وقت السفر عشتُها في خيالي كثيرًا.بماذا كنتَ تفكّر وأنت تحزم أمتعتك؟
الحياة قاسية، تحتم علينا أن نضحّي لنأخذ. سُنّة الدنيا ألا تمتلك كلَّ الأشياء في آنٍ واحد. إن بقائي في غزة لن يخدم أحدًا، وإن سفري هذا، إن لم يخدم بلادي بأيّ شيءٍ ممكن، فإنه سيكافئني بالتجربة.قلمك بعد الحرب.. إلى أيّ حدٍّ نضج وربما أصبح أكثر شاعريةً أو وعيًا على مدار عامين؟
كنت أحلم بإقامةٍ أدبية، بشهورٍ أعيشها للشعر والكتابة فحسب، ولم يكن في غزة من يتيح هذه الفرصة، مثلما يحصل في دول العالم.
قررت غزة أن تمنحني أصعبَ إقامةٍ أدبية في الحرب، تمكّنتُ بواسطتها من اختبار أدواتٍ شعرية جديدة، بطاقةٍ شعريةٍ لحوحة. على المستوى الأدبي، كانت الإبادة تصقل قلبي، لغتي، وأدواتي الإبداعية.وأنت تحلّق في السماء بينما كان شريط حياتك يتسلّل بين الغيوم.. إلى أيّ حدٍّ احتدم صراع المشاعر؟
كنت أخاف أن أشتاق إلى شيءٍ لم يعد موجودًا، كلما تذكّرت غزة.
هل عساني أكون قادرًا على رؤية عائلتي مرةً أخرى؟ عودتي لغزة تشبه العودة إلى الفراغ، وخروج عائلتي تشبه صعوبة فرصتي، التي تشبه ولادةً قيصرية.بعد رحيلك.. ما أهمّ التفاصيل اليومية التي تُشفق بشأنها على عائلتك؟
أشياء كثيرة. في سكني أمتلك موقدًا كهربائيًا لطهي الطعام، إنني لا أرى النار في حياتي اليومية، بينما أمي لا تزال تختنق من دخان الرماد. أنا سيئ."إن الجسد الماثل أمامكم قد خرج لتوّه من إبادةٍ قذرة، ستلاحق قلبه كلما خطر في باله كلمة: عائلة/ بيت/ شارع/ بناية/ طعام/ طحين/ عاشق/ وداع/ سرير/ مشفى/ ماء/ سقف/ حقيبة/ نار/ ومذياع".
أما يزال هذا الشعور القاتل يهاجمك بوحشية.. أم أن الدنيا تقنعك بأنها ستعيدك حيًّا من بعد موتتك؟
لهذا السؤال إجاباتٌ في سياقاتٍ مختلفة. في السياق الجمعي، يُخيّل إليّ أن الضرورة تحتم البقاء في ذاكرةٍ نقية، واعية في الطرح، صادقة مع التاريخ.
وفي سياقٍ آخر، نحن الفلسطينيين في السياق الجمعي المشترك المتعاون نُصدّر الفشل لا سواه. يجنح بعضنا نحو نجاةٍ فردية مع الذاكرة، يحاول مجرّد محاولةٍ أن يختلقَ الحياة، وينسى، وينسابَ كليًا مع الفطرة، منتصرًا بأرقّ ثمار النسيان.أصبحت غزة بدايةَ الأشياء. يمتلكون في إيطاليا جبالًا مليئةً بالأشجار، وحقولًا ملأى بالخُضرة، ليس فيها شجرةُ "بونسيانا" واحدة. تلك الحقول ينقصها شجرةُ بونسيانا واحدة، وكان في غزة كثيرٌ منها.
إنني أحيل كلَّ شيءٍ إلى غزة؛ البنايات الجميلة تذكّرني بالبيوت المهدّمة، الشوارع المرتّبة تذكّرني بشوارع غزة التي اختفت، الخُضرة تذكّرني بالسواد الذي أكل المدينة. كلُّ جمالٍ أراه هنا يذكّرني بغزة المهدومة.
صِف لنا شعورك آخر يومٍ في الحرب، يومَ أُعلن وقفُ إطلاق النار؟
لا أعتقد أنني الشخص الأنسب للإجابة عن هذا السؤال، ولعلّي أنقذتُ شيئًا من حالتي النفسية والذهنية بتوقّع الأسوأ.
لا أصدّق أيَّ انتهاءٍ للإبادة، لا أصدّقهم حتى لو زرعوا الأرض كلها ورودًا. إن خطة السلام الوحيدة التي أصدّقها هي القادرة على إعادة أحبابنا من المقابر.ذلك البيت الذي نشأتَ فيه بريْحانته التي تحبّها.. كم كان له الفضل في أن يُهندس أبياتك منذ الطفولة؟
عشتُ في بيتٍ صغير مع عائلتي طوال حياتي، سقفه من الصفيح. أنا مدينٌ لذلك البيت بالدفء، بالأمان والسكينة، وبالطريقة التي كوّنني فيها إنسانيًا.
وعندما أقول بيتًا، فإنني أقصد العائلة، التي لا تزال حضنًا وافر الرقة. هناك قلتُ جملتي الشعرية الأولى. ولكِ أن تتخيّلي ماهية البيت الذي يجعل من طفلٍ عمره خمسُ سنوات شاعرًا.هل طاوعتك الكتابة في أرجاء الخيمة وقت النزوح أم أنها كانت عصيّة؟
لم تمرّ عليّ لحظةٌ في الإبادة دون الكتابة، ودون التفكير في لغةٍ وفكرةٍ وتركيب النص القادم، أياً كان الظرفُ والتوقيت.
لقد كتبتُ واحداً من أجمل نصوصي وأقربها إلى قلبي في الخيمة، نصّاً بعيدًا كلَّ البعد عن ماهية اللحظة التي كُتب فيها – الواقعية على الأقل – من يدري ماهية قلبي!
وإن سألتِني عن وحي الإلهام، سأقول لكِ إنني لا أؤمن بأيّ إلهام؛ فعلى أيّ كاتبٍ أن يكون لديه إيمانٌ عميق بأنه يحمل مشروعاً كتابيًا ينبغي أن يطوّره باستمرار.وسط فظائع الموت وأهواله.. من أين لكَ القدرة على أن تبعث حسَّ الرومانسية في قصائدك؟
لا أتعامل مع الكتابة البعيدة عن معجم الإبادة تعاملًا عشوائيًا أُشبع فيه رغبةً ما. إن الكتابة عن كل ما هو حياة هي محاولةٌ لتفكيك الربط الدائم بين النصّ الفلسطيني والموت والمعاناة، وإنني بذلك أجرّد ذاتي من صورة الضحية التي فرضتها الإبادة عليّ.أيُّ بيتٍ كتبته وقت الحرب وكان مرآةً لك على نحوٍ مدهش، بل ومخيف؟
"سأسميكِ حزني، علّنا لا نفترق"
لقد كان الحزنُ بدايةَ كل شيء، وموجودًا في أيّ تجربة. تمنّيتُ أن يصير من أحبّهم حزنًا، وكأنه تحايلٌ على الدنيا التي تُورِد الحزن وتُبقيه.ليالٍ صعبة كثيرة مرّت.. أخبرنا عن ليلةٍ تتمنّى أن تُمحى من ذاكرتك لتتشافى منها؟
في بداية الحرب، لم أنزح إلى جنوب القطاع. تنقّلتُ بين بيوتٍ مختلفة داخل مدينة غزة، تبعًا للظرف الميداني والأمني المعقّد. كنت نازحًا في بيت جدّي، في البلدة القديمة، عندما اقتحم جيشُ الاحتلال حيَّ الشجاعية، على بُعد أقلّ من كيلومترٍ واحد من مكان نزوحي.
وقتها استيقظنا من النوم، نزلنا إلى الطابق الأرضي، وتجمّع فيه ما يقارب الخمسين شخصًا في صالة بيتٍ واحدة، في طابقٍ أرضي. إحدى القذائف ألقت شظاياها على إحدى النوافذ، وبمعجزةٍ لم تقتل أحدًا.
"أكثر من خمسين شخصًا، والجيش سيدمّر العمارة فوق رؤوسنا ولن يُخرجنا أحد". هذه الجملة أشعر بقسوتها إلى هذه اللحظة.شاعرٌ واعد في مطلع العشرين، تحطّمت حياته كما بقية شعبه، وفجأةً ظهر النور في آخر النفق. إلى ماذا تتطلّع على المستوى الأدبي وكذلك التعليمي؟
المستقبل السياسي في فلسطين يبدو ضبابيًا، وهو نِتاجٌ لكلّ المؤسسة السياسية المتهالكة، رسميًا وشعبيًا.
أدرس القانون الدولي، أغربَ شيءٍ يمكن أن يدرسه ناجٍ من الإبادة عَرَف لتوّه أنها قوانين غير فعّالة. على المستوى الشعري، أريد أن أكتب قلبي بلا مواربة، بلا طموحٍ لأيّ شيء؛ هكذا تأتي أحلامنا الأدبية.حين وجدتَ قصيدةً مترجمةً لك على باب أحد المتاجر في إيطاليا.. كيف قرأتها عينُك هذه المرّة؟
الطفلةُ التي قُتل أبوها
وهو يحمل
كيسَ طحين
على ظهره
ستبقى تتذوّق دمَ أبيها
في كلّ كسرةِ خبز
قد يبدو هذا المشهد متخيَّلًا، لكن فرص حصوله كبيرةٌ جدًا، ولن يحصل أن يتحدّث عنها أحد.
شعرتُ بأن هذا النصّ على وجه الخصوص سينتشر، كوني أعطيتُ صوتًا إضافياً لكلّ الذين ينام الحزن في أفكارهم ومخيّلاتهم دون أن يجدوا لغةً
تعبّر عنهم. إنني أصرخ عن كلّ الذين لم تسمح لهم اللحظة بالصراخ.
أيها الشاعر، برأيك ما هو العامل الأهمّ الذي ساهم في صناعة اسمك؟
لا أنكر أن الإبادة صقلت النصوص على مستوى الطرح، وكانت بمثابة انطلاقةٍ جادّة نحو نصٍّ متطوّر نسبيًا في عرضه ولغته. إن توجّب عليَّ أن أقول شيئًا محدّدًا، فإنني أقول: "الصدق"؛ الصدق مع الذات ومع المرحلة التاريخية والنفسية.
مرةً أخرى؛ لا أنتظر أيَّ شيءٍ من الكتابة، وهكذا أحصل على كلّ شيء.في "جنّة الله على الأرض".. أيُّ المشاهد تعيدك إلى غزة التي ما فتئ كلُّ ما فيها قاتمًا؟
أضحكني السؤال، ربما لأنني تذكّرت الأغنية التي تقول: "كل شي حولي بذكّرني بشي"، وهذا تمامًا ما يحصل.
أنا لا أرى إيطاليا بمعزلٍ عن الماضي. عندما أرى عائلةً في مطعم أتذكّر كلّ اليتامى، وعندما أرى حديقةً أتذكّر كلّ الرماد الذي في غزة.
لقد خرجتُ إلى بلادٍ ساحرة، لكن ذلك الماضي الذي أحمله يُصرّ على أن يُحيل الجمال وجعاً خالصًا؛ لا فِرار منه.
إنني أرى إيطاليا من منظور غزة المليء بالحسرة. أشدّ ما فيها جمالًا يُذكّرني بمدينتي الغارقة في رمادها. الشجر على امتداد البصر يذكّرني بكلّ شجرةٍ حُرقت، والبيوت الملوّنة تذكّرني بكلّ نافذةٍ لم تعد موجودة.كيف تؤثّر فيك الشهادات الأدبية التي قيلت بحقك؟
لاقَيتُ دعمًا معنويًا من شعراء وكتّاب أثنوا على القدرة الإبداعية في نصّي، مما أثقل المسؤولية عليّ، وهنا أودّ أن أشكر كلّ من ساندني.
لا أنظر إلى هذه الشهادات بكامل الانبهار؛ إن شخصًا في عمري يمكن أن تُحيله مثل هذه الشهادات إلى دائرة الكسل ووهم الوصول.أخيرًا.. ماذا يمكن أن تهمس لملهمتك الأولى "أمك" وأنت بعيدٌ عنها، لعلّك تُهوّن عليها؟
أنتِ بعيدةٌ الآن
وأنا في غرفةٍ باردة
أضعُ كلمةَ "ماما" بجانبي لأنام.