حوار| حفصة أمبركاب: ستُكتب النجاة للغة النوبية

حوار| حفصة أمبركاب: ستُكتب النجاة للغة النوبية

حفصة أمبركاب

لم تلفت اللغة النوبية أنظار العالم كلغة غامضة إلا في أعقاب حرب عام 1973، حين قيل إنها استُخدمت كلغة إشارة مبهمة بالنسبة للعدو لنقل معلومات حساسة إبان الحرب. كانت النوبية وقتها بالنسبة للمصري الذي قد لا  يعرفها لغة غامضة، يعرف أهلها التحدث بها ولا توجد وثائق معروفة تحكي عن كتابة واضحة للحرف النوبي. لكنك تكتشف – بعد قليل من البحث- أن من بين الباحثين الذين تحدثوا عن الحرف النوبي كانت الباحثة النمساوية آنا هوهينفارت التي وصلت أسوان إبان إطلاق منظمة اليونسكو نداء لتوثيق تراث النوبة، قامت على إثره الباحثة بالتوجه إلى تلك الأراضي وعمل العديد من الدراسات هدفها التوثيق والتدوين، نتج عنه كتاب أصدره مجلس توثيق التراث الحضاري والإسلامي وهو كتاب أيام نوبية، يوثق بالصورة باللغة النوبية إلى جانب العربية رحلة الباحثة.

اللغة النوبية: حكاية مثيرة للاهتمام

لمن لا يعرف فإن أهل النوبة ينقسمون إلى فرعين ثنين، فرع يسمون الكنوز، وهؤلاء يتحدثون ما  يُسمى بـ"أوشكر"، ويتحدث بها أيضا أهل "دنقلة"، و"نوبين" ويتحدث بها أهل الفاديجا والمحس والسكوت وحلفا. والحروف التي كُتبت بها اللغة النوبية هي الحروف التي سبق تدوين الأناجيل بها في القرن الثامن الميلادي حسبما أورد الباحثون في كتاب أيام نوبية، وقد وُجدت اللغة في برديات محفوظة في متحف برلين استنبطها المرحوم الدكتور مختار خليل، وكان نوبيًا وأستاذًا بكلية الآثار جامعة القاهرة، أعد رسالته لنيل الدكتوراه من ألمانيا عن البرديات المصرية، ونالها بامتياز مع مرتبة الشرف وأنتج مجهوده كتاب: "اللغة النوبية كيف نكبتها" عام 1977.

كوما تعني الحكاية، أو الحدوتة باللهجة المصرية، و"وايدي" تعني قديمة، هكذا شرحت لنا حفصة أمبركاب حكايتها مع مبادرة كوما وايدي لتوثيق وتدوين التراث واللغة النوبية التي أثمرت عن أول قاموس للغة النوبية، سبقته مجموعة من الأفلام الوثائقية التي تناولت الحياة النوبية، بالإضافة إلى قاموس يحوي أكثر من مائتي كلمة نوبية وترجمتها إلى عدة لغات، من بينها العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية، ليتحول إلى كتيب مرشد عن اللغة يشكل تفردًا وتميزًا عن تناول غيره من المغتربين عن الأرض، وهي الميزة الأهم في الجهد من هذا النوع سنعرفها من خلال الحوار الذي أجراه "الترا صوت" مع حفصة أمبركاب واحدة من وجوه المبادرة الأساسية البارزة.

  • قاموس للغة النوبية.. من أين أتتكم الفكرة؟

الحقيقة أنني من فترة حضرت تدريبًا في القاهرة على كيفية عمل فيلم وثائقي بأقل الإمكانيات الممكنة، وقد علمني التدريب كيف يمكن للمرء أن يقوم بفيلم جيد فقط من خلال موبايل وحكاية متماسكة، كان مشروع التخرج للدورة التدريية التي استمرت ثمانية أشهر عبارة عن فيلم أحدهما له علاقة بالجندر والآخر فكرة تراثية، فقمت بتصوير فيلم قصير عن الكف النوبي، وهو عبارة عن فن يختص به أهل النوبة دون غيرهم، ومن خلال البحث لتجميع المادة أتت لي فكرة توثيق الحرف النوبي لأنني أعرف الحديث باللغة النوبية، وتعتبر أمي أحد مراجعي المهمة، حيث استعنت بها لترجمة الكثير مما عجزت عن فهمه، كون اللغة اختلفت.

حفصة أمبركاب: كل ما كُتب عن النوبية من قبل الباحثين الأجانب أو المصريين مهم، لكنه يتحدث من الخارج إلى الداخل

  • تقصدين تطورت؟

لا أقصد أنها اختلفت بمعنى أن تغيرت فتُركت مصطلحات بها بسبب اختلاف البيئة، فمثلًا كان هناك مصطلح اسمه "القيف"، وهي عبارة عن جزيرة الطمي، والطمي كان يظهر في النيل بعد ارتفاع منسوب النيل، ومن ثم انخفاضه، وكانوا يسمونه أيضًا "أوبول"، ولكن اختفى هذا المصطلح حين اختفى الفيضان، واختفى الطمي نفسه أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: أهالي النوبة.. متهمون بالغناء ومحرومون من الأرض

  • ما هي العقبات التي واجهتكم؟

العقبات الأساسية كانت في تنظيم الأفكار وترتيبها والتخطيط لها.

  • ما الفارق الجوهري بين تجربتكم وأي تجربة أخرى حكت عن الحرف النوبي والحكاية النوبية ووثقتها؟

كل ما كُتب عن النوبية من قبل الباحثين الأجانب أو المصريين مهم، لكنه يتحدث من الخارج إلى الداخل، ويتعامل مع المجتمع بوصفه أداة للبحث من الخارج، لكن الفارق بين من ينقل الحكاية أو الصورة وهو من أهل البلد أن حواجز لتواصل مع أهل البلد، سواء على مستوى اللغة، أو على مستوى التواصل الإنساني العادي غير موجودة، ولأعطيكِ مثالًا، إذا ذهبتِ للتحدث مع أحد من أهل البلد، خاصة من كبار السن باللغة المصرية العادية فإنه سيتحدث ولكنه سيكون حريصًا على انتقاء الكلام والحكاية، ولكن حين تكون من أهل البلاد يفتح الباب على مصرعيه للأريحية في الحكايات والكلمات والألفاظ، لذا فعندما أتحدث مع أحد من أهل البلد لا يكون في يدي ورقة وقلم لأحضر سؤالًا وإجابة، بل أترك له العنان ليتحدث عما يشاء، وتكون النتيجة في أغلب الأمر مذهلة فأخرج بحكايات وقصص لم تخطر على بالي، ناهيك عن كونها غير تقليدية، وهو تحديدًا ما حدث في فيلم "حراس النيل" الذي أنتجته خاصة في طقس السبوع النوبي، حيث تركت أمي تتولى التصرف على حريتها، فأخذت الطفل، ونزلت به إلى النيل دون ترتيب مني، ودعت له بالنوبية وغسلت وجهه في النيل، وهي طقوس كان أقصى طموحاتي فقط أن تشرحها دون أن تقوم بها بالفعل.

الاستفادة الحقيقية تأتي من كونك داخل المجتمع تحكي القصة الحقيقية، الحكاية من شهودها العيان، قد تقرأ مثلًا عن أكلة نوبية، لكنك لا تستطيع تطبيقها لأنك لا تعرف مقاديرها على وجه التحديد، فتدعوك واحدة من السيدات الكبار إلى بيتها لتريك كيف تعملها دون أن تُشعرها أنك تقوم بتصويرها لأجل شيء ما، لتتصرف على طبيعتها.

حفصة أمبركاب: أهل النوبة يسمون الطمي "أوبول"، ولكن المصطلح اختفى مع اختفاء الفيضان، واختفى الطمي نفسه

  • هل يوجد مستوى آخر بعد الكتيّب يمكن أن تذهب إليه مبدرة كوما وايدي؟

يجري الآن مهرجان الدولي السينمائي وقد أخذنا المبادرة إليه وقمنا بتوزيع الكتيب على الفنانين والسائحين، إذ إن الكتيب مترجم إلى خمس لغات، وحدثناهم عن التجربة.

اقرأ/ي أيضًا: الزواج النوبي.. التزام بالجذور والذاكرة

  • كيف تأكدتم من صحة توثيق عملكم؟

بالطبع من كبار السن، ومن أمي التي تعد واحدة ممن يتحدثون اللغة، كما سافرنا إلى عدة قرى، صحيح أننا لم نستطع أن نزور الـ44 قرية نوبية، لكننا زرنا عشر قرى وجزيرة هيسا وقريتي أمبركاب، وسيكون مشروعنا القادم عن توثيق الأغاني القديمة. ويبدو أنه بمبادرة مثل كوما وايدي وغيرها سيُكتب للغة النوبية النجاة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أعراف الحياة والموت لدى التقليد النوبي في مصر

مانفستو الديك النوبي.. قراءة لعنة التاريخ