حوار | الهادي بوذيب: العقل الجزائري تشكّل في سياق المقاومة ورفض الإذلال

حوار | الهادي بوذيب: العقل الجزائري تشكّل في سياق المقاومة ورفض الإذلال

الهادي بوذيب

الدكتور الهادي بوذيب، أستاذ النقد الأدبي بجامعة بجاية (260 كلم شرق الجزائر العاصمة)، اشتغل كثيرًا على الرواية الجزائرية الحديثة. في هذا الحوار، يقدّم لنا تحليلًا للحراك الشعبي في الجزائر الذي انطلق في 22 شباط/فبراير، مؤمنًا بأنّ الجزائر مقبلة على مرحلة جديدة إذا ما عرفت القوى الشعبية كيف تدير هذا الحراك بحكمة وعقلانية.


  • كيف قرأت الحراك الشعبي؟

في الظرف الحالي ونحن منخرطون في الحراك يلزم أن نقدّم قراءة رصينة ومتماسكة، فهذا الحراك من منظور سوسيولوجي، هو تحول وتغيير جذري لمجمل التشكيلات الاجتماعية، ودعوتها لإحداث التغيير ضد أدوات حكم انتهت صلاحيتها سياسيًا. فالشكل السياسي الذي حكم به حكام الجزائر، قائم على الشعبوية والوصاية المطلقة، ومصادرة إرادة الناس في حق الاختيار والتعبير عن إرادتهم. وفي المجمل هذا الحراك جاء نتيجة تراكمات تاريخية تكونت في اللاوعي الجمعي، فالعقل السياسي الجزائري من الناحية الأنثروبولوجية تشكل في سياقات المقاومة، ورفض كل أشكال الإذلال والمحو. ومن مؤشرات ذلك، يرى الجزائريون والجزائريات، أن صورة الكادر والدفع بشخص فاقد كل الأهلية السياسية والصحية، هو إهانة وضرب لكل كبريائهم أمام الشعوب الأخرى، ويضاف إليها أن يروا بلدهم يسرق أمام أعينهم، وتصادره مجموعات لا ذمة لها ولا ضمير اتجاه مكونهم الجمعي.

الهادي بوذيب: راهنت السلطة منذ الاستقلال على جامعة عمومية تتماشى مع رؤيتها السياسية

اقرأ/ي أيضًا: حوار| سمير بلكفيف: الحراك الجزائري خلق فرصة لاستعمال العقل السياسي بشجاعة

ومن المؤشرات الآنية وعلى الصعيد الرمزي، استرجع الجزائريون إرادتهم، وممارسة رأيهم بقوة، وهذا الأمر غيبته أنظمة الحكم التي حكمتهم بعقلية القطيع، وأنهم مجرد رعايا يحتاجون رعاية اجتماعية وصدقة اقتصادية.

  • هل عجزت الجامعة عن إنتاج ثقافة التغيير حتى صارت تمثل طرفًا هزيلًا في معادلة التغيير والتحول في الجزائر؟

في تصوري، لا يمكن فصل الجامعة عن باقي المؤسسات "الأجهزة" في بلورة التغيير كسيرورة تاريخية وعلمية ومعرفية؛ فقد أريد لها أن تكون جهازًا أيديولوجيًا لخدمة أطروحات السلطة. فالسلطة، منذ الاستقلال راهنت على جامعة عمومية تتماشى مع رؤيتها السياسية تخضع لرقابتها في تعيين ممثليها. أي أنّ الجامعة هي جزء من تصورات الحكم، وعلى الرغم من أنّ هذه الجامعة أنتجت أفرادًا متميزين معرفيًا وثقافيًا، لكنها كمؤسسة أكاديمية عجزت في إنتاج المعرفة وقوة اقتراح لاستشراف رؤى التغيير، فوضعت أمامها كل العقبات، وللأسف فالنخبة الحاكمة في عقلها وفي مفرداتها لا ترى في الجامعة إلاّ فضاء ومرقدًا لاحتواء كمّ هائل من الشباب، وإيهامهم أنّ المستقبل لهم. لا يمكن أن نطلب من جهاز كهذا وفي هذه الظروف أن يقدّم ثقافة التغيير، وهو تحت سلطة ترى أن كل تغيير هو تهديد لمصالحها. فنحن الآن وفي صدد دكّ بنية قديمة مترابطة ومتماسكة في قدمها، بحيث لم تعد ميكانزماتها صالحة لإنتاج التغيير. بمعنى آخر، الجامعة جزء من البنية القديمة، ومع استحداث بنية جديدة يمكننا إعادة صياغة مفهوم جامعة بالمقاييس العلمية والأكاديمية.

  • كمتتبع للشأن الأدبي والنقدي، هل بإمكان هذا الحراك الشعبي أن ينتج مستقبلًا أشكاله ومضامينه الأدبية؟

لا يمكن أن نتنبأ بأي شيء، فهذه مسألة تتعلق بقدرة وتصورات كتّاب الرواية وباقي الفنون لهذا الحراك: هل سينتفضون ضد وعيهم القديم، ويمارسون نقدًا على أنفسهم ويعيدون النظر في آلياتهم الفنية؟ وهل سيعيدون صياغة السؤال الحيوي عن دور الكتابة، ويبحثون عن عمق الأشكال الفنية التي تجيب عن الطابع الجدلي الفني والسياسي والثقافي؟ وهل مارس هذا الحراك الشامل عليهم جدية سؤال التغيير؟

الهادي بوذيب: نتمنى أن نعثر على ونقرأ نصوصًا متعالية فنيًا وجماليًا تنقل عمق التغيير وتلامس الحراك بصفته حركة تاريخية

اقرأ/ي أيضًا: الشعراء الجزائريّون والحراك الشعبي.. انتهى زمن الصّراخ

المطلوب اليوم أنّنا لا نطالب بأشكال فنية أو ريبورتاجات أدبية وتيمات وشعارات تشير أو تؤرخ لهذا الحراك، على سبيل التمثل الواقعي فقط، نحن نتمنى أن نعثر على ونقرأ نصوصًا متعالية فنيًا وجماليًا تنقل عمق التغيير وتلامس الحراك بصفته حركة تاريخية، تفرز أشكالًا عميقة تتجاوز التقاليد المتعارف عليها في أنماط الكتابة.

  • في تصورك، ماهي الرواية الجزائرية التي تصلح اليوم لمقاربة هذا الحراك؟

تجب الإشارة إلى أنّ هناك الكثير من الروايات الجزائرية سواء بالعربية أو الفرنسية أو الأمازيغية، لها تمثلات قوية في طرح سؤال التغيير من منظور جذري وليس سياسيًا فقط. وبالتالي تصعب الاشارة إلى رواية معينة بذاتها. نذكر على سبيل المثال رواية "الحوّات والقصر " للطاهر وطار، "طمبيزا" لرشيد ميموني، "جملكية أرابيا" لواسيني الاعرج، رواية "الأعظم" لإبراهيم سعدي.. وطبعًا القائمة طويلة. ولا ننس الرواية العالمية والتي طرحت سؤال الاستبداد، ومنها رواية "1984" لجورج أورويل.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:​

حوار | لينا مرواني: المقاومة تنطلق من الوعي السياسي لا من العيش بعقلية الضحية

قاسم مرواني: نحن كائنات متناقضة ومعقّدة إلى حدٍّ كبير