حوار| المترجم عبد الجليل العربي.. في عشق القطط وساراماغو واللغة والبرتغالية

حوار| المترجم عبد الجليل العربي.. في عشق القطط وساراماغو واللغة والبرتغالية

المترجم عبد الجليل العربي

"في الكتب يوجد كل شيء، وأحيانًا كثيرة، بألوان أكثر من أصلية" عبارة من رواية "بائع الماضي" للروائي الأنغولي البرتغالي جوزيه إدواردو أغوالوزا. واحد من كتاب الأدب البرتغالي الذين نقل عوالمهم المترجم التونسي عبد الجليل العربي، الذي يؤمن أن الكتب التي نفتحها تصنع مصيرنا أيضًا. في هذا الحوار الخاص من بيته في لشبونة بحي "بنفيكا"، قريبًا من ملعب "لوش"، أي النور، ملعب فريقه المفضل نتعرف على واحد من خيول التنوير كما يسمي بوشكين المترجمين، عنه وعن رفيقته أولغا وقصة عشقه لكرة القدم، وعن حكاية رحلته إلى البرتغال باحثًا ومحاضرًا ومترجمًا لكلاسيكيات الأدب البرتغالي ونصوصه المعاصرة نلتقيه.

وعن تلك الرحلة التي بدأت في سليانة بالمكتبة العمومية بالريف التونسي، تلميذ الثانوية يقرأ بشغف رواية "غابريالا قرنفل وقرفة" للبرازيلي جورج أمادو. أوصلته الرواية إلى جامعة لشبونة الجديدة أستاذًا للأدب المعاصر ومحاضرًا في مؤسسة ساراماغو الثقافية ومهرّبًا للأرواح الأدبية البرتغالية، دار هذا الحوار النهريّ.


 

  • متى وصلت البرتغال؟ وما الذي دفعك إلى الاستقرار في هذا البلد؟

كان وصولي إلى البرتغال في أواخر 2001، تحديدًا في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر، وكان ذلك لغاية دراسة اللغة البرتغالية والتعمق فيها من أجل التخصص في الدراسات الإسلامية الإيبيرية، أو ما يسمى بالإسلام الايبيري في البرتغال، وكنت أنوي وقتها أن أسدّ فراغًا في هذه الدراسات المعرفية التي كانت حكرًا على الإسبان واللغة الإسبانية، حتى أن هذه الدراسات لا تكاد تذكر فيها اللغة البرتغالية ولا البرتغال إطلاقا ما عدا بعض الدراسات المتفرقة، ومن حسن الحظ كان حصولي على منحة من معهد كامويش للدراسات البرتغالية قد ساعدني في ملاحقة هذا الهدف الذي للأسف لم أصل للتعمق فيه، لأنه لم تكن هناك مراجع كافية ومادة متوفرة، ولا يوجد أيضًا في الجامعات البرتغالية أي تخصص أو أي بحوث أو دراسات في هذا الشأن، فاضطررت إلى تغيير وجهتي من الدراسات الثقافية إلى الدراسات الأدبية وتخصصت في الأدب المقارن بين اللغتين العربية والبرتغالية.

  • إلى أي وقت تعود معرفتك بالأدب البرتغالي؟ هل تذكر أول كتاب أدبي برتغالي قرأته في حياتك؟

يعود اطلاعي على الآداب البرتغالية إلى سنوات الدراسة الثانوية، اذ اكتشفت في البداية ترجمات للكاتب البرازيلي جورج أمادو، وكان اطلاعي أولًا على روايته "غابريالا قرنفل وقرفة". ثم بعد أن تحصل جوزيه ساراماغو على جائزة نوبل للآداب قرأت له مقالًا نشر في مجلة الكرمل وفيه شرح وعرّف وقدّم الكثير من الأدباء البرتغاليين، وبمسار الأدب البرتغالي واتجاهاته الحديثة، فترك في نفسي أثرًا. وحاولت بعد ذلك أن أجسده وقد تم ذلك بعد أن انتقلت من تونس إلى البرتغال حيث تعمقت في اللغة البرتغالية ودراسة آدابها الحديثة بصفة خاصة.

  • أين أولغا؟ في الحقيقة جئت من أجلها وأنت تحجبها عني.

أولغا أيضًا كانت تنتظر، سآتي بها فورًا (ينهض عبد الجليل إلى القطة في ركن آخر من البيت قريبًا من المكتبة، يتبادلان حركات ومداعبات قبل أن يستأنف): علاقتي بأولغا علاقة جميلة، وليس غريبًا أن القطط كانت تعبد عند المصريين القدامى وكانت لها قيمة في تاريخ الحضارات.

عبد الجليل العربي: امتلك ساراماغو الشجاعة ليعوض كرهه للكلاب في طفولته بأن يصحح ذلك الخطأ الطبيعي في أن يسند إلى الكلاب أدوارًا كبيرة في رواياته

  • هناك قطط كثيرة في تاريخ الأدب، من قطط ادغار الن بو إلى قطط موراكامي، مرورا بقطط محفوظ وقطة أجاتا كريستي. ما حكاية قطتك؟ هل هي هرة أدبية أم إكسسوار من اكسسوارات الغربة؟

 في الحقيقة أنا أعشق القطط التي صارت تنافسني كثيرًا في الاهتمام. فأغلب أصدقائي وعائلتي وكل الذين أعرفهم دائما يسألون عنها فصارت مشهورة. وحصلت لي مفاجأة مؤخرًا من الشاعرة والمترجمة الفلسطينية ريم غنايم التي ترجمت رسالة كتبها جويس إلى حفيده ستيفن بعنوان "القطّ والشيطان" وأهدتها إلى أولغا، لذلك فهذه القطة محظوظة جدًا فهناك عناية كبيرة بها مني ومن أصدقائي. ترافقني أولغا في حياتي اليومية وبيننا عشرة كبيرة، أكاد أقول إنني وصلت معها إلى مرحلة أنسنة ألفة ومشاركة للفضاء وللزمن، وليس في هذا أي تفسير آخر كما يذهب الآخرون إلى أن الوحدة هي التي تدفعهم لاختيار قط يعيش معك. الوحدة التي اخترتها هي وحدة مفيدة وأدافع عنها وليس لأولغا أي دخل في هذا الاختيار.

اقرأ/ي أيضًا: جوزيه ساراماغو.. أمثولة الكهف التي صارت حقيقةً

  • ألا تكون هذه القطط سببًا في تأجيل الزواج؟

لا أعتقد أن القطط تؤجل الزواج أو تأخره. شخصيًّا تأخرت في الزواج لأسباب أخرى وأولغا لم تمنعني من الزواج ولن تمنعني إن قررت يومًا في الارتباط.

  • طيب. الآن يحلو الحديث بوجود أولغا. انتهيت عبد الجليل من رسالة دكتوراه في الأدب المقارن حول الوجودية. هل تعتقد أن الوجودية قد اختفت كتيار أدبي فني مع روادها أم تذرت في تيارات أخرى لاحقة؟

فعلًا رسميًا نكاد نقول إن الوجودية كتيار فلسفي وأدبي وفكري قد انتهى منذ أواخر الستينات، قبل ظهور المدارس الأخرى مثل البنيوية والتفكيكية، لكن ما زال للوجودية تأثير كبير ووهج كبير، وكثير من الكتاب ما زالوا يستحضرون تلك الأفكار والمنجز الوجودي الذي قدمه التيار الوجودي والفلسفية الوجودية، خاصة في الجانب الأدبي. أنا تناولت مسألة هجرة الأفكار الوجودية في الآداب المكتوبة بالعربية والآداب المكتوبة بالبرتغالية. واكتشفت أن نفس التأثير الذي حصل لدى الكتاب العرب حصل مع الأدب البرتغالي الأفريقي إذ تأثر كتّابه بتلك الموجة. وصحيح أن التيار اختفى كمذهب أدبي أو فلسفي لكن الأفكار الوجودية ما زالت مطلوبة، وخاصة تلك الأفكار الكبيرة التي نادى بها سارتر ودعا إلى اتباع الوجودية باعتبارها مذهبًا إنسانيًا وهذا سرّ خلودها. فسنظل نردد تلك الأفكار الانسانية العظيمة، لا سيما مسألة الحرية والمسؤولية.

  • كنت أسمع نباح كلب في الخارج وأنت تجيبني. شوشني ولكنه ذكرني أيضًا بخوف ساراماغو من الكلاب.

صحيح ، ساراماغو في طفولته كان يخاف من الكلاب بصفة كبيرة، وقد ترك ذلك انطباعًا سيئًا له مع ولكنه تجاوز ذلك عندما كبر، إذ أن جوزيه ساراماغو نفسه قال إنه امتلك الشجاعة ليعوض كرهه للكلاب في طفولته بأن يصحح ذلك الخطأ الطبيعي في أن يسند إلى الكلاب أدوارًا كبيرة في رواياته، فنذكر مثلًا أنه في رواية "ثورة الأرض" كان أحد الأبطال كلبًا، وكذلك كان الأمر في رواية "العمى"، ورواية "البصيرة" التي صدرها بقوله "قال الكلب، علينا أن نعوي". أغلب روايات ساراماغو كان فيها الكلب بارز، أما في حياته الشخصية وخلال إقامته في جزيرة لانثاروتي في إسبانيا كان قد ربى ثلاثة كلاب. وكان الكلب الأخير اسمه كامويش على اسم أعظم شاعر ملحمي في تاريخ البرتغال، وحتى عندما مات ذلك الكلب سنة 2012 أبّنته بيلار وتداول خبر موته جميع وسائل الإعلام. ويروي ساراماغو في أحد كتبه أن هذا الكلب الذي ينتمي إلى فصيلة كلب الماء البرتغالية كانت إحدى بنات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد أهدي لها هذا الكلب في عيد ميلادها، فاعتبر ساراماغو أن ذلك إنجازًا وانتصارًا ديبلوماسيًا برتغاليًا كبيرًا لهذا النوع من الكلاب فقال ساخرًا: "يمكن للبرتغال أن تعتمد هذا الكلب كسفير لدى الولايات المتحدة". وهكذا تبدلت علاقة ساراماغو بالكلاب من علاقة عداوة في الطفولة إلى علاقة صداقة حميمة في الكبر.

  • في الحقيقة أنا ما زلت أخاف الكلاب ولم يتغير موقفي منها على الرغم من وجودها في بقوة في كتاباتي، وأنت كيف كانت قصتك مع الكلاب والحيوان عمومًا والخوف؟

أنا أيضا كنت أخاف من الكلاب في طفولتي مثل بقية الأطفال، ولكن تبدد الآن ذلك الخوف خاصة مع الكلاب الأليفة. ولكن أعتقد أن خوفي ربما يعود لو واجهت كلاب الأرياف، خاصة كلاب الحراسة فهي كلاب شرسة جدًا، ولكن الحيوانات التي أكرهها أكثر هي الزواحف. أنا لا أحب كثيرًا الثعابين والأفاعي وغيرها من تلك الزواحف ولا أحبها أطلاقًا بل أكرهها.

  • طيب. سنعود إلى الزواحف في موقع آخر من الحوار. لن أنسى ذلك. ما دمت ذهبت بنا إلى الطفولة. أنت عاشق كبير لكرة القدم الآن. هل لعبت كرة القدم في طفولتك؟ هل كنت لاعبًا جيدًا؟

طبعًا لعبت كرة القدم في صغري. ومن لم يلعب كرة القدم؟ في بداية الثمانيات لعبت كرة القدم في فضائين؛ أولًا في الفضاء الريفي مع أولاد عمي، ولعبت أيضًا في المدينة في الأحياء مع الأصدقاء ولكن للأسف كنت دائمًا لاعبًا فاشلًا ولم أكن في يوم من الأيام لاعب كرة قدم جيدًا.

عبد الجليل العربي: قال ساراماغو للويس فيغو "السيئ في الانتصارات أنها ليست دائمة والأحسن في الخسارات أنها ليست دائمة أيضًا"

  • لو خيروك بين العيش مع امرأة تكره الأدب أو امراة تكره كرة القدم، وليس هناك خيار آخر من ستفضل؟

هذا سؤال طريف، وسأجيب بكل صراحة، لو خيروني بين امرأة لا تحب الأدب وامرأة لا تحب كرة القدم فحتمًا سأختار امرأة لا تحب الأدب. مستحيل أن أعيش مع امرأة لا تحب كرة القدم.

اقرأ/ي أيضًا: في زمن كورونا.. العمى بين ساراماغو ونبيل سليمان

  • ساراماغو هل كان يحب كرة القدم؟

في حدود علمي لم يكن جوزيه ساراماغو محبًّا كبيرًا لكرة القدم، إنما كان والده متعصبًا لهذه الرياضة وخاصة لفريق بنفيكا. وفي طفولته تابع ساراماغو قليلًا كرة القدم قبل أن يهجرها ويتخلى نهائيًا عن مشاهدة المباريات، ولكن الطريف أنه قال مرة قولة شهيرة تكاد تكون فلسفية فقد تحدث مع لويس فيغو اللاعب البرتغالي المشهور قائلًا "السيئ في الانتصارات أنها ليست دائمة والأحسن في الخسارات أنها ليست دائمة أيضًا"، فهو وإن لم يكن محبًا كبيرًا لكرة القدم فهو قد ترك لنا قولة جميلة جدًا عن مفهوم الخسارات والانتصارات.

  • طيب فلنتدارك قليلًا، كيف يقدم عبد الجليل العربي لنا جوزيه ساراماغو باختصار؟

الكاتب البرتغالي الوحيد الفائز بجائزة نوبل للآداب، والكاتب الوحيد من الكتاب اللغة البرتغالية الفائز بها. لم يكتب فقط في الرواية، بل كتب في أجناس أدبية أخرى كالشعر والمسرح واليوميات والمقالات الفكرية والسياسية بحكم توجهه السياسي والنضالي. وكان ناشطًا سياسيًا إذ قاوم الاستبداد والدكتاتورية في البرتغال قبل ثورة القرنفل 1974، وكان من أشد المساندين للقضية الفلسطينية، علاوة على شغله منصب الرئيس الشرفي لمنظمة الدفاع عن القضية الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط ، وما لا يعرفه الكثيرون مثلًا عن ساراماغو ربما أنه كان مترجمًا بارعًا ومترجمًا كبيرًا، قبل أن يظهر روائيًا، فقد ترجم لهيغل وترجم لتولستوي وبودلير وغيرهم من المفكرين والكتاب في جميع أنحاء العالم في تلك الفترة.

  • بين ساراماغو والشاعر الفلسطيني محمود درويش علاقة صداقة كبيرة وكان ساراماغو يعتبره من كبار الشعراء في العالم. لو تحدثنا عن هذه العلاقة بين هذين العملاقين.

توطدت العلاقة خاصة بعد زيارة جوزيه ساراماغو مع جملة من الكتاب والمفكرين الأجانب لرام الله بعد حصار الضفة الغربية عام 2002، وكانت بدعوة خاصة من محمود درويش. يتحدث ساراماغو عن هذه العلاقة ويتذكر ذلك اللقاء وحسن الضيافة التي تلقاها من درويش بشكل خاص، والنقاشات إلى جانب قراءات الشعر. في تلك الزيارة التي عرفت بتلك التصريحات المثيرة التي صرح بها ساراماغو وتشبيهه لمعاناة الفلسطينيين من الاحتلال الإسرائيلي بمعاناة اليهود من النازية. وقد لاقت تلك التصريحات استنكارًا كبيرًا من الجانب الإسرائيلي، وفي لقاء صحفي في البرتغال لم يتراجع ساراماغو عن مواقفه، وحتى عندما سألوه عن قرائه في العالم العربي وفي "اسرائيل " وكيف تضحي بمستقبلك الأدبي وتنتصر للفلسطينيين وتجافي الاسرائيليين وكتبك تباع أكثر في "إسرائيل"؟ أجاب ساخرًا بأن الاسرائيليين لهم الكثير من الأموال وليس وضع الفلسطينيين المادي كذلك، وعلى أي حال كتبي مترجمة إلى العربية وعلى الأرجح أن هناك منها تحت أنقاض القصف الإسرائيلي في مدينة جنين.

كتب جوزيه ساراماغو 2009 في مدونته يشيد بمحمود درويش، ووصفه بأوصاف كبيرة ووازى بينه وبين بابلو نيرودا في القيمة الشعرية، واعتبر أن الشكل الفني لدى محمود درويش جعل قصائده إنسانية خالدة، وأن محمود درويش من أعظم شعراء هذا العصر لأنه أنجز شعرًا جميلًا ورائعًا، وثانيًا لأنه عبر عن معاناة شعبه الفلسطيني في صراعه ضد الاحتلال الإسرائيلي. واللقاء بين درويش وساراماغو كان من خلال الالتقاء النضالي وانتمائهما إلى الخط اليساري، إلى جانب اللقاء الأدبي وارتباط درويش بصفة خاصة بكونية الشعر ورسالته الإنسانية، وكذلك سخّر ساراماغو تجربته الروائية لذات الأفكار الكونية.

عبد الجليل العربي: توطدت الصداقة بين ساراماغو محمود درويش بعد زيارته التضامنية بعد حصار الضفة الغربية عام 2002

نعم، يقول ساراماغو في التدوينة تشير إليها بتاريخ 1 نيسان/أبريل 2009: "قراءة محمود درويش إضافة إلى كونها تجربة جمالية لا تنسى، هي الركوب على متن via dallor على امتداد الطرق المنكسرة للظلم والسلوك المخزي، عبر الأراضي الفلسطينية التي عانت بوحشية على أيدي الإسرائيليين، فإسرائيل هي جلاد هنا، الذي يصفه الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان، في لحظة الحقيقة، بأنه غريب عن كل شفقة".

اقرأ/ي أيضًا: رواية "الحلم الألماني".. هزلية عن الديمقراطية الغربية وأوهامها

  • كانت فعلًا يومية مؤثرة إلى مستوى الشهادة. ولكن رغم قربك من عوالم ساراماغو لكن كان آخر من ترجمت حدثتا عن هذا المشروع لماذا الآن تترجم ساراماغو؟ هل بسبب حقوق التأليف؟

صحيح أنه على الرغم من قربي لعوالم ساراماغو إلا أنني تأخرت كثيرًا في ترجمته، ويعود السبب إلى أن أغلب روايات ساراماغو قد ترجمت إلى اللغة العربية، ولحسن الحظ عندما اتصل بي خالد معالي صاحب دار الجمل واقترح علي ترجمة رواية لساراماغو.

فرحت كثيرًا أولًا لأني سأترجم ساراماغو، وثانيًا لأن إحدى أبرز روايات ساراماغو لم تترجم إلى العربية وهي رواية "نصب الدير التذكاري"، فبدأت مغامرتي مع هذه الترجمة وكانت فعلًا مغامرة شاقة وقد أتعبني هذا الكتاب جدا الذي آمل أن يصدر قريبًا. وأبوح لك بسر بخصوص هذا الكتاب العظيم أنه عند وفاة جوزيه ساراماغو، وبطلب من إدواردو لورنسو، أعظم مفكري القرن العشرين والذي كان حاضرا في جنازة ساراماغو حمل معه هذه الرواية وقدمها إلى بيلار، أرملته، وقال لها: "في هذا الكتاب كل شيء ضعيه مع جثمان ساراماغو في التابوت". وقالت بيلار إنها أوفت بتلك الوصية ووضعت كتاب نصب الدير التذكاري في التابوت مع جثة ساراماغو وأحرقا معًا. جميل جدًا أن ينهي كاتب حياته مع أجمل كتاب كتبه بشهادة أكبر المختصين في هذا الشأن وأنا سعيد جدًا بأنني نقلته إلى العربية.

  • نبقى في عوالم الرواية البرتغالية ولن نذهب بعيدًا عن ساراماجو فقط سنطرق باب صديقه البرازيلي جورج أمادو. كيف تعرف لنا باختصار صاحب رواية "باهيا"؟

لم يكتب جورج أمادو الرواية فقط، وإنما كتب القصة والمسرح وأدب الطفل والمقالات السياسية والرسائل وهذا كان الاكتشاف الأخير، حيث نعرف أن جورج أمادو ترك ما يفوق الـ4000 صفحة من الرسائل تبادلها مع العديد من الشخصيات في العالم، ليس المفكرين والكتاب فقط، وإنما قادة سياسيين ومناضلين خاصة بين أغلب التيارات الإشتراكية في كل أنحاء العالم، وربما الكتاب الذي صدر مؤخرًا عن تلك الرسائل المتبادلة بين جورج أمادو و جوزيه ساراماغو تعتبر الأشهر الآن إذ كشفت عن ذلك الجانب الحميمي الذي يجمع بين جورج أمادو وجوزيه ساراماجو، خاصة ذكرياتهما عن جائزة نوبل فقد كان كل واحد منهما ينتظر أن يفوز الآخر بها.

وكان جورج أمادو متزوجًا أيضا بكاتبة هي زاليا غاتاي، وأنا في هذه المدة مهتم حقيقة بهذا الجانب الجديد من حياة جورج أمادو، ومن جهة أخرى بكتابات زوجته، ومن مشاريعي المستقبلية هو دراسة علاقة الكاتب وزوجته.

  • هذا يقودنا إلى العلاقة الشهيرة وقصة الحب الكبيرة بين جوزيه ساراماغو وبيلار. فلنتحدث قليلًا عن هذه العلاقة وكيف نشأت؟

تذكر بيلار دال ريو أن معرفتها بساراماغو بدأت أدبية، وأن الانجذاب الأول كان أدبيًا، خاصة بعد قراءتها لرواية "سنة موت ريكاردو ريس" سنة 1986 تقريبًا، وعندما وصلت إلى إلى الصفحتين الأخيرتين من الرواية ترددت في إكمالها لأنها لم تكن تريد لها أن تنتهي. وبعد ذلك قررت أن تسافر إلى لشبونة للتعرف على المدينة التي احتفى بها ساراماغو جيدًا في تلك الرواية، حتى أن بيلار قالت: لو تدمر لشبونة فإنه يمكن إعادة تركيبها ومعرفة جوانب الحياة فيها من خلال تلك الرواية تمامًا كما الشأن مع رواية عوليس لجويس، وهناك تعرفت على ساراماجو، ومن وقتها بدأت قصة الحب والصداقة وتلك العلاقة القوية التي جمعت بينهما.

كانت بيلار كل شيء بالنسبة إلى ساراماغو، فقد كانت الزوجة وكانت الحبيبة والرفيقة في النضال السياسي والفكر، وكانت القارئة الأولى لساراماغو والمترجمة والسكرتيرة، ثم في مرحلة متأخرة قامت بانجاز شيء مهم جدًا للشبونة وهو إنشاء مؤسسة ساراماغو، هذه المؤسسة التي ترأسها بيلار لها نشاطات أدبية وفكرية متنوعة، وقد بعثت جائزة أدبية باسم جوزيه ساراماغو تمنح كل سنتين لأفضل رواية مكتوبة بالبرتغالية كتبها شاب في عمر يقل عن 35 سنة.

  • أعلم أن لك علاقة بهذه المؤسسة ووصلنا أن بينك وبينها تعاون قادم. هل هذا صحيح؟

من حسن الحظ أن علاقتي مع مؤسسة ساراماغو ومع بعض المشرفين عليها كانت متميزة. وخلال زيارتي لها منذ مدة اتفقنا على أن أبدأ في السنة القادمة بتقديم أول درس عن الأدب العربي المعاصر في المؤسسة، وأعتقد أنها ستكون فرصة جيدة لي كباحث ومترجم وفرصة مهمة لمؤسسة ساراماغو لتقديم الأدب العربي ونشره والتعريف به في في البرتغال.

عبد الجليل العربي: كانت بيلار كل شيء بالنسبة إلى ساراماغو، فقد كانت الزوجة وكانت الحبيبة والرفيقة في النضال السياسي والفكر

  • كيف بدأت علاقتك المعرفية بجورج أمادو؟ وكيف فكرت في ترجمته؟

كانت علاقتي بجورج أمادو علاقة قارئ، كما ذكرت سابقًا وقلت، وكانت عبر قراءة روايات "غابريالا قرنفل وقرفة"، إلا أنني في البرتغال اكتشفت متعة أخرى، وهي أن أقرأ جورج أمادو بلغته الأصلية البرتغالية، فأعدت قراءة نفس الرواية إلى جانب أني شاهدتها في مسلسل برازيلي عرض في القنوات التلفزيونية البرتغالية، وهذا الحب لجورج أمادو هو الذي قادني بعد ذلك إلى التفكير في ترجمته. ولكني لم أبدأ في هذه المغامرة إلا بعد أن اتصل بي الناشر شوقي العنيزي صاحب، دار مسكلياني، وطلب مني أن أترجم "ميتتان لرجل واحد". طبعا قبلت لأنها كانت فرصة جيدة لي لترجمة هذه الرواية بالذات وكانت التجربة الأولى صعبة وشائكة ولكنها ممتعة في آن.

اقرأ/ي أيضًا: العمى و"كورونا" والفقر.. رسائل الخوف

  • أي مشاكل تعرضت إليها في هذه الترجمة مع أنها كانت مترجمة ترجمة سيئة قبل ذلك بعنوان آخر؟

بدأت المشاكل، فعلًا، في اختيار العنوان، كما أنني وجد صعوبة في الحصول على الكتاب هنا في البرتغال بحكم أن دار النشر التي نشرت الرواية كانت قد أفلست، إلى جانب أنني عندما وصلت إلى ترجمة نصف الرواية فقدتها من جهاز الكومبيوتر، فشعرت بالخيبة فأعدت بعد ذلك ترجمة الرواية من جديد، وقد ظللت أيامًا دون أن أفعل شيئًا وبعدها أعدت مشاهدة فيلم برازيلي مقتبس عنها بحثًا عن محفز جديد لأعود إلى الترجمة، وعدت، وطبعًا كانت بها بعض المشاكل، ذلك طبيعي مع التجربة الأولى، ولحسن الحظ كان شوقي العنيزي قد تكفل بمراجعتها فظهرت في طبعة أولى وطبعة ثانية. وما زلت أعتبرها أقرب الترجمات إلى قلبي، لكونها الأولى ولكونها ترجمة لكاتب أحبه، ولأنها نشرت في دار نشر تونسية.

  • توجهت نحو الرواية البرتغالية المعاصرة من خلال ترجمة عدد من التجارب الجديدة مثل تجربة أفونسو كروش؟ ما الذي شدك في تجربته؟

أفونسو كروش من أهم الكتاب البرتغاليين الشبان، وإلى جانب كونه كاتبًا هو شاعر ورسام وموسيقي، وقد استطاع في مجمل أعماله أن يوظف كل هذه المهارات. اتجه خصوصًا إلى كتابة الرواية الثقافية منها الموجه إلى الطفل، ومنها الموجه إلى الكبار والذي يهدف خاصة إلى إبراز قيمة الثقافة ومناصرة المسائل الثقافية مثل الرسم والموسيقى والشعر. كان قد فاز بالعديد من الجوائز هنا في البرتغال، وتعد رواياته من أكثر الروايات ترجمة إلى لغات أخرى، وخاصة ترجماتها الآن إلى اللغة العربية.

  • كنت أول من عرف بأفونسو كروش عندما ترجمت روايته "هيا نشرت شاعرًا". كيف استقبل القارئ العربي هذه الرواية النوفيلا؟

صحيح ، ومن حسن الحظ، أنني كنت أول من عرف به وأول من نقل أعماله إلى العربية، وذلك يعود إلى جملة من الأسباب، أولًا لأن هذا الكاتب مجهول في العالم العربي، وثانيًا لأنه كاتب شاب وكاتب متميز وصوت متعدد في الكتابة بشكل عام.

نتحدث دائمًا عن خيانة المترجم لكن دائمًا كنا نقصد النص وطرق نقله، إلا أنه يبدو أنك خنت حرفيًا أفونسو كروش وتركته إلى مصيره العربي في الترجمة فأصبحنا نرى رواياته في العربية بمترجمين آخرين؟

فعلا تركت أفونسو كروش لمصيره العربي كما قلت، لكن تركته أيضًا في أياد أمينة ومترجمين كبار من الذين ترجموا رواياته بعدي، لكن أعتقد أنني لن أتركه وسأعود قريبًا إليه لترجمة رواية جديدة له وهي رواية تسلط الضوء على الموسيقى بعنوان "ليست الحيتان كلها تطير"، وفيها اشتغال على الموسيقى وتوظيف الموسيقى السياسي.

عبد الجليل العربي: يتميز أسلوب جوزيه إدواردو اغوالوزا بالبساطة ويمزج بين أسلوب الرواية الأفريقي الفنطازي والعجائبي وبين أسلوب الرواية الغربية البرتغالية الأوروبية 

  • بدأنا نعرف أسلوبك. أنت تترجم نصًا لكاتب وتتركه. من هو المترجم الجيد حسب رأيك هل هو صاحب المشروع الذي قد يكون مدونة كاتب بعينه؟ أم هو ذاك الذي يتنقل كالنحلة يجمع خريف الأزهار من كل بستان لينتج العسل ذلك المنجز المتعدد العطر المشكل؟

لا أستطيع أن أجزم أو أحدد من هو المترجم الجيد. هل هو المختص في كاتب معين أم المتنقل؟ لكني أعتقد فعلًا أنني من الصنف الثاني المتنقل بين كاتب وآخر، ولا ألتزم بمشروع روائي واحد، وهذا نابع من ميزات شخصية ومزاج شخصي، لا أريد أن أترجم مدونة واحدة. أريد دائمًا اكتشاف كتاب جدد وتجارب جديدة.

اقرأ/ي أيضًا: اغتيال المحرر الأدبي.. أين اختفى المخبر السري الذي يكرهه الكتاب؟

  • ذهبت لترجمة الرواية البرتغالية المعاصرة من الكتاب الوافدين على الثقافة البرتغالية كالأفارقة هل هناك ما يميز الكتابة الروائية عند البرتغاليين الأفارقة على بقية الكتاب البرتغاليين في مستوى التيمات والأشكال الفنية؟

فعلًا اتجهت في مجال الترجمة إلى الرواية المكتوبة باللغة البرتغالية، وكانت تجربتي قد بدأت بترجمة لرواية "بائع الماضي" للكاتب جوزيه ادواردو أغوالوزا التي صدرت عن دار نون، وما يميز هذا المنجز الروائي الأفريقي عن الرواية البرتغالية هو اختلاف كبير، فالرواية الأفريقية المكتوبة بالبرتغالية لا تبتعد كثيرًا في تيماتها عن عوالم الرواية الأفريقية الأخرى المكتوبة بالفرنسية والإنجليزية، وحتى المكتوبة بالعربية فما يميزها في جانبها الفني، حسب رأيي، هو اعتمادها الكبير على الجانب الشفوي فأغلب الحضارات الأفريقية تراثها تراث شفوي، وقد تمكن الكتاب الأفارقة من توظيف ذلك الجانب في رواياتهم المكتوبة أما المواضيع فهي في غالبها أسئلة الإنسان الأفريقي مثل قضية الزنوجة والعبودية ومعاودة مساءلة هذه المسألة والاستعمار، وما بعد الاستعمار وإعادة تشكيل الهويات الافريقية الجديدة.

  • طيب كيف يمكن أن نتعرف على جوزيه إدواردو اغوالوزا؟

جوزيه إدواردو اغوالوزا كاتب وصحفي أنغولي، يعد اليوم من أشهر الكتاب باللغة البرتغالية، نشر العديد من الروايات والتي ترجمت إلى لغات كثيرة منها العربية "بائع الماضي" ورواية "زوجات أبي"، و"الملكة جينغا" و"نظرية عامة للنسيان". يتميز أسلوبها بالبساطة ويمزج بين أسلوب الرواية الأفريقي الفنطازي والعجائبي وبين أسلوب الرواية الغربية البرتغالية الأوروبية .

  • أنا لم أنس أنك بداية الحوار قلت لي أنك تخاف الزواحف، لكنك ترجمت رواية "بائع الماضي" وواحد من أبطالها وزغة تحتل المكان، نكتشف أنها كانت رجلًا ومسخ وزغة. حدثنا عن هذه الرواية لاغوالوزا وهل هذا الأسلوب السحري يأتي من الثقافة اللاتينية أم من الأفريقية؟

صحيح أن بطل الرواية هو وزغة واسمها أولاليو. كان هذا الأسلوب السحري الذي وضفه جوزيه ادواردو اغوالوزا تتناول فترة ما بعد الاستقلال في أنغولا، وظهور البرجوازية الجديدة وصعودها في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وكانت تحتاج إلى ماض جميل وماض نزيه فاختلق فيليكس فنتورا بطل الرواية فكرة طريفة تتمثل في فتح مكتب لبيع الحكايات والسير والماضي للشخصيات التي تبحث عن ماضي مجيد وسير مشرفة.

  • أبطال الروايات التي ترجمتها كلهم ذكور، الشاعر وبائع الماضي والرجل الذي مات مرتين والرياضي الراكض. هل الأدب حسب رأيك نشاط ذكوري؟ وما الذي يجعل منه كذلك؟

بالفعل أبطال الروايات التي ترجمتها كانوا ذكورًا أو رجالًا، ولكن هذا لم يكن مقصودًا، ولكن عمومًا هذا صحيح أيضًا، فأغلب الروايات يكتبها رجال وأغلب الأنشطة كذلك على مر التاريخ ، ولكني لا أعتقد أن الأدب نشاط ذكوري، وإنما الرجال أتيحت لهم الفرص أكثر للكتابة وللإبداع بشكل عام وفتحت لهم الكثير من المجالات، وربما في المستقبل ستكون المساواة حاضرة بينهما في الإنتاج الأدبي إذا توفرت الظروف الجيدة للنساء أكثر خاصة في مجال الحريات.

عبد الجليل العربي: قال بيسوا "لا توجد حركة برتغالية عميقة إن لم تكن في الأصل عربية، لأنّ الروح العربية هي أصل الروح البرتغالية"

  • ترجمت فرناندو بيسوا هذا الكاتب الغريب صاحب الأسماء الكثيرة والمزاجي... ما الذي يجعل من من بيسوا عبقريًّا حسب رأيك؟

هي أول ترجمة لي للشعر بصفة عامة، وهي ترجمة للديوان الوحيد الذي نشره بيسوا في حياته، وسينشر قريبًا في البرتغال عن دار نشر برتغالية عريقة. وفعلًا بيسوا يعتبر أعظم شعراء البرتغال في كل العصور وهو شاعر عبقري، أما لماذا يعتبر عبقريًا، فهذا أمر يطول شرحه، ليس فقط لأنه أبدع في اكتشاف الأبدال والشخصيات التي نحتها ونذكر منها ريكاردو رييش، ألبرتو كاييرو، برناردو سواريش، ألفارو دي كامبوش. إلا أن قائمة أبداله تضمنت اسمًا عربيًا هو القُصّار نسب له رباعيات كان بيسوا قد نظمها، وهو شخصية عربية من وحي خياله نتيجة تأثره بالشعر العربي الإسلامي في العصور الوسطى، فقد كان مهتمًا بأشعار عمر الخيام وجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي، ويذكر ذلك بنظريته في الثقافة البرتغالية ومستقبلها، فحسب رأيه لكي تتكون ثقافة عصرية عليها أن تعود إلى تاريخها العربي الإسلامي، وليس إلى الإرث اليوناني أو الروماني كما ذهب غيره من الكتاب والمفكرين الأوروبيين إذ قال مرة : "لا توجد حركة برتغالية عميقة إن لم تكن في الأصل عربية، لأنّ الروح العربية هي أصل الروح البرتغالية".

اقرأ/ي أيضًا: الرواية البرتغاليّة وأفونسو كروش في بيت الرواية التونسي

  • في ختام هذا الحوار، إذا حدث وعدت يومًا إلى تونس عودة نهائية، لا ندري متى، قد تكون بعد خمسين سنة، وطلب منك أن تأخذ من البرتغال تذكارًا عملًا أثريًّا تمثالًا بيتًا حيوانًا. ماذا ستحمل معك؟

هذا سؤال صعب، فحياتي في البرتغال مرتبطة بأشياء كثيرة، ولكن لو شاءت الأقدار أن أعود إلى تونس بشكل نهائي لسبب من الأسباب سآخذ معي قهوة وماكينة قهوة. مثل ماكينات المقاهي في البرتغال، لأن أفضل ما يوجد في البرتغال هو القهوة، وأفضل قهوة في العالم هي القهوة البرتغالية، خاصة أنها مرتبطة بأول وصولي إلى لشبونة يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر 2001 فقد أخذني صديقي إلى كافيه برازيلايرا المشهورة في البرتغال حيث شربت أول قهوة هناك، ومنذ ذلك الوقت تعلقت بالقهوة البرتغالية ولا أجد أفضل منها لأحملها معي إلى تونس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشاعر الذي كتب بعد وفاته.. الشاعر الذي لا يزال يكتب

"يوميات" بيسوا.. أن تعيش حياة شخص آخر