حوار| أمل بوشارب: لا وجود لأدب مهجر معاصر

حوار| أمل بوشارب: لا وجود لأدب مهجر معاصر

الكاتبة أمل بوشارب

على هامش التجهيز لهذا الحوار الممتع، على حد وصف ضيفته، دارت بيننا دردشة جانبية. عملتُ فيها على استفزاز المحَاورة، ملتزمًا في ذلك براءة متطرفة وبلا هدف غير الغوص في معرفة شخصية أمل بوشارب أكثر.

هكذا، وبطلاقة روحها الجزائرية، تخبرني: "هنالك من حاول حصري في خانة الأدب النسوي، كما حاولوا مرارًا وضعي في خندق أدب المهجر. لكن أنا غير كل هذا، ولا أحب أن أدرج تحت أي إطار أو تصور قبلي".

من هذه النقطة، ومع أنها حدث في مساحة من المفترض ألا يعرفها القارئ، أنطلق لتعريف ضيفتنا اليوم. أمل بوشارب، أو الأديبة الجزائرية التي تنفلت من كل الإطارات، كاتبة ومترجمة وسمت الساحة في السنوات الأخيرة. لها أربع أعمال لحد الآن، تتراوح بين الرواية والقصة، مستهدفة جمهور القراء على اختلاف أجناسهم وأعمارهم. باكورتها هي المجموعة القصصية "عليها ثلاثة عشر" (2014)، تليها "سكرات نجمة" (2015)، ثم رواية "من كل قلبي" (2016) التي تندرج ضمن أدب اليافعين، انتهاء بعملها الأخير "ثابت الظلمة".

من خلال هذا الحوار، تخرج علينا أمل بوشارب متحدثة عن روايتها الأخيرة، العلاقات بين الشمال والجنوب، اللحظة التاريخية في جزائر اليوم وأشياء أخرى.


  • أولًا، وفي خضم اللحظة التاريخية حيث الجزائر تخلقُ الحدث العالمي، كيف تراقب أمل بوشارب، وهي الأديبة الجزائرية المغتربة، الوضع في أرضها الأم؟

في الواقع، وسائل التواصل الاجتماعي جعلتنا جميعًا نعيش هذه اللحظات المفصلية من تاريخ الجزائر دون فوارق زمنية ولا وجدانية مع من يعيشها على الأرض، خصوصًا أن المشاعر التي صنعت هذه الحراك يتقاسمها كل جزائري يدرك حجم التحديات التي يواجهها وطننا في ظل الفساد الذي ضرب أطنابه في البلاد وعمّ كل القطاعات على نحو مؤسف.

أمل بوشارب: بمجرد جلوسنا أمام شاشات الكمبيوتر ننتقل حرفيًا للعيش في عالم واحد، لكن كل منا على حدة

أما اليوم وأنا أشاهد صور شوارع وجادات وساحات يعرف كل حجر فيها وقع خطواتي منذ سنوات الطفولة، إلى أيام الدراسة الجامعية والعمل، وهي تتلحف الراية الوطنية وتنضح بالأمل، حيث يحذو الجميع إرادة واحدة لصنع جزائر أفضل، هو فعلًا أمر لا يوصف. ساحة البريد المركزي، موريس أودان، شارع ديدوش، جادة تليملي.. هذه ليست مجرد أسماء لأماكن كان لها نصيب كبير من ذكرياتي الحميمة وكتاباتي، وإنما فضاءات تضج بالتطلعات وينبوع طاقات لا تنضب لجزائر حية وحيوية، أصحو كل يوم على صور لشبيبتها المشرقة وقد أصبحت أجمل من أي وقت مضى.

  • عن عملك الروائي الأخير "ثابت الظلمة"، مقاربتك للعلاقة بين الشمال والجنوب تبدو خاصة ومختلفة عما هو سائد. ما العلاقة التي تربط الشمال بالجنوب؟

بالنسبة لي ثنائية الشمال والجنوب في "ثابت الظلمة" مثلها مثل الغرب والشرق في "سكرات نجمة"، ليست إلا إحدى تمظهرات الفكر الميتافيزيقي الذي ينطوي على افتراض جنسين من الوجود، أولهما جنس أسمى يطلق عليه اسم "المثال" وهو يتميز بالثبات، وثانيهما جنس باطل متغير تشوبه الكثرة ويطرأ عليه العدم، وقد بشر هذا الفكر برفض العالم الزائل وعدم الثقة به بوصفه عالمًا فاسدًا وغير ذي شأن، واعتبار "عالم الحقائق" المثال عالمًا قيميًا مطلقًا.

ونحن إن نظرنا في الفكر الغربي من خلال تطور أسسه الميتافيزيقية وجدناه في مرحلة ما قبل البنيوية ينزع إلى تكريس مفاهيم متعالية، ويقوم أثناءها بتعتيم المفاهيم التي قد تقابلها ليضع مفهوم "الأصل" المتعالي لديه في محرق تركيزه، أو ما يطلق عليه جاك دريدا اسم "ميتافيزيقا الحضور". ولعل الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر، إذن أنا موجود" يعد أوضح مثال في الفكر الغربي لما تنطوي عليه هذه الفكرة، إذ يعتبر الأنا تلك الذات المتعالية خارج مجال الشك لأنها حاضرة لنفسها في فعل التفكير.

اقرأ/ي أيضًا: حوار | لينا مرواني: المقاومة تنطلق من الوعي السياسي لا من العيش بعقلية الضحية

هذه الفكرة يتمثلها الكثير من الكتاب العرب بالنزوع إلى الشعرية المطلقة من جهة، أو الغرق في فكرة "المحلية" من جهة أخرى، دون استحضار الآخر أو أية عوالم خارجية لاقتناعهم التام بأن فعل الكتابة لا يستقيم إلا من داخل هذه الأنا المحلية وأي كتابة خارج هذه الحدود قد تضعك خارج الأدب.

إلا أن مفهوم المركزية النابع من التراث الميتافيزيقي التقليدي هذا قد تزعزع أمام قدوم بنيوية فرديناند دوسوسير في اللسانيات، والتي تحوّلت فيما بعد إلى منهج اعتبر ثورة في الفكر الغربي لاستقدامه منظومة الثنائيات الضدية، والذي تم فيه إحياء الطرف المُقصي أو المغيّب داخل نظم الفكر المركزية التقليدية، لتطل علينا البنيوية في أول حضور لها بثنائية الكلام/اللسان، وتتوالى بعدها ثنائيات أخرى. غير أن المتتبع لأعمال البنيويين المختلفة يلاحظ ثنائية خفية حينًا وجلية حينًا، يسمو فيها دومًا طرف على الآخر، لتظهر بذلك البنيوية كمدرسة تعيد رسكلة الأفكار الميتافيزيقية ذاتها، وهذا ما تجسد لدى جزء هام من الأدباء العرب في سرديات نيوكولونيالية صريحة وأخرى خفية قائمة على تقسيم الوجود إلى عالم الأنا الفاسد وعالم الآخر السامي، وهو ما أسعى لتفكيكه في أدبي، مع الحرص على عدم السقوط في خلق ثنائية تراتبية هرمية أخرى للقيم.

  • في "ثابت الظلمة" نجد تعددًا في الأصوات، وفي نفس الوقت كل صوت منها يعيش مساره لوحده، وبقلق، مشترك بين العالمين: شمال وجنوب حوض البحر الأبيض المتوسط. أهكذا عملت أمل بوشارب من خلال أدبها على تخطي هذه النظرة الثنائية؟

فعلًا، في "ثابت الظلمة" عملت على عدة ثنائيات كان أبرزها ثنائية شمال/جنوب يتفرع عنها ثنائيات هرمية متعددة تعكس صميم الفكر البنيوي، والسلطة/الشعب حيث تفرع عن الأولى ثنائية السياسي/العسكري، وعن الثانية الشعبي والنخبوي ومن داخل كل ثنائية تناسلت ثنائيات فرعية وهكذا...

والحقيقة أن التركيبة السوسيوسياسية الجزائرية سمحت بحبك رواية قائمة على هذه المنظومة الفكرية بكل أريحية ودون إشعار القارئ بافتعال أي حالة فلسفية.

أمل بوشارب: الأدب المهجري أدب انساني تجاوز فكرة الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وانعجن بفكرة الوجود الكلي

وبالتركيز على الشمال والجنوب حاولت تفكيك هذه الثنائية الضدية على عدة مستويات، من خلال محو الحد الفاصل بين الشمال والجنوب على الصعيد الظاهري أولً،ا وذلك من خلال الاقتصار على الحد الأدنى من الوصف الخارجي لعوالم الشخصيات القادمة من الشمال والجنوب، وإن حصل ذلك فلاستدعاء أوجه الشبه بين الطرفين وصل حد الامتزاج الكلي للصور في أماكن معينة، لا من أجل خلق حالة تباين بين العالمين. لذلك فقد نسجت جزءًا كبيرًا من الحبكة ضمن عالم رقمي، ذلك أننا جميعًا بمجرد جلوسنا أمام شاشات الكمبيوتر ننتقل حرفيًا للعيش في عالم واحد، لكن كل منا على حدة.

اقرأ/ي أيضًا: حوار | الهادي بوذيب: العقل الجزائري تشكّل في سياق المقاومة ورفض الإذلال

وقد حاولت تكثيف هذه الفكرة من خلال الانتقال بين الفصول دون وضع حدود مشهدية صارمة، في أماكن محددة، على نحو من شأنه خلق حالة من الإرباك الفني للقارئ قبل أن يحدد كينونة الشخصية التي يتناولها الفصل و"مصدرها"، بالرغم من أن الأمر يتعلق بشخصيات قادمة مما يفترض أنه الثنائية الضدية للشمال والجنوب، إلا أن ذلك يشير أيضًا أن السمات النفسية للشخصيات ـ أيًا كانت جنسيتها ـ من شأنها أن تنصهر هي الأخرى ببعضها البعض إن كانت الدوافع الداخلية التي تحركها واحدة.

على صعيد آخر، حرصت على أن تتعدد شخصيات الشمال وتتنافر أيضًا، مثله مثل الجنوب المتعدد بطبعه، فلم يمثل هذ العالم في الرواية شخصًا واحدًا يختزل صفات الكمال، إذ أن لكل شمالٍ شمالٌ، فشابت هذا العالم أيضًا الكثرة وحكمت العلاقات بينه الصراع، فغدا هذا "المطلق" بحسب العرف الميتافيزيقي أو "الجوهر" متزعزعًا هو الآخر لا يعرف الثبات، ولذلك قامت الحبكة بالأساس على فكرة علمية لأن العلم ينطوي على التغير المستمر بالرغم من أنه ممسوك للمفارقة من الشمال، وفي المقابل الجنس الباطل (هنا الجنوب) والذي يمثل "المظهر" فهو يخزن في باطنه مكنونات غير مرئية شكلت جوهر العملية السردية في الرواية، وهو بذلك لم يتسم بعيب خلقي لذاته بل كان يحيل إلى ذلك العالم الآبق و"المثالي" الذي ذكره أفلاطون في "محاورة كريتياس". ويظهر هنا العمل على ثنائية الحضور/الغياب من داخل المحاورة نفسها التي لم يكمل أفلاطون كتابتها والتي تعد جزءًا من ثلاثية "غاب" جزؤها الثالث "هيرموكراتيس" والذي يعتقد أن الفيلسوف لم يكتبها أصلًا... ليتماهي هذا اللاموجود (الغائب) لدى أحد أهم صناع الفلسفة الغربية مع اللاموجود (الخفي) لقبيلة قل السوف في المخيلة الطارقية والعربية، مع أنه يفترض أننا بصدد العمل على ضدين.

لذلك أتى اختيار أفلاطون وتوظيف الكثير من مقاطع محاورته "تيمايوس" في الرواية محوريًا، ليس لأنه الفيلسوف الوحيد الذي تحدث عن الأسطورة/التاريخ التي صنعت الخيط المحرك للأحداث فحسب، لكن لأن فلسفة الطبيعيين الأولين، بحسب نيتشه، ولا سيما فلسفة أفلاطون ومحاورته هذه بالتحديد شكلت مرجعًا للفلاسفة الغربيين ليقيموا عليها افتراضهم القائم على المنطق الميتافيزيقي المقسّم للأشياء إلى صنفين فقط، والهرميات التي تولّدها مثل تلك التمييزات.

  • لننقل الحديث إلى ناحية النظرية. أو بلغة أخرى هل هذا النفي المحدث، أقصد من المنظور التاريخي والأدبي وحتى التقني، لثنائيات الغرب/الشرق، الشمال/الجنوب، ينفي معه وجود أدب مهجر معاصر؟ أقصد بما هو قائم في جوهره على الثنائيات الآنف ذكرها؟

مبدئيًا "الأدب المهجري" كتيار عرفناه من خلال أدباء بلاد الشام، الذين رحلوا عن أوطانهم في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، هو أدب انساني تجاوز فكرة الشرق والغرب والشمال والجنوب وانعجن بفكرة الوجود الكلي، وبقيت فيه لحظة الحنين إلى الوطن قوية لارتباطها برمزية الرحم الأولى للحياة. وهو أدب صنعته ظروف الهجرة إلى الأمريكيتين آنذاك، والتي كانت تنطوي بشكل أو بآخر على فكرة اللاعودة، حيث كانت تتمزق كل الوشائج المادية مع الوطن بمجرد رسو الباخرة في أحد موانئ العالم الجديد، حيث لا يبقى للأديب سوى ذكريات قصيّة عن وطنه الأم وحروف يحاول من خلالها الإبقاء على الخيط الروحي الذي يربطه بتاريخه الشخصي.

أمل بوشارب: يمكننا أن نقرأ أدب "منفى" محليًا يجسّد كل معاني الاغتراب الداخلي في أصدق صورة

اقرأ/ي أيضًا: حوار| سمير بلكفيف: الحراك الجزائري خلق فرصة لاستعمال العقل السياسي بشجاعة

أما في الوقت الحالي، وفي ضوء التقدم التكنولوجي الحاصل وما انجر عنه من اختزال للمسافات بالصوت والصورة بين مختلف أصقاع العالم، يصبح الحديث عن أدب مهجر معاصر قائم على فكرة الاغتراب المطلق مفتعلة نوعًا ما. في المقابل يمكننا أن نقرأ أدب "منفى" محليًا يجسّد كل معاني الاغتراب الداخلي في أصدق صورة، وعليه يصبح هنا مقر إقامة الكاتب مجرد قشرة خارجية ليست هي ما يصنع جوهر الأدب. ذلك أن الاغتراب، هو حالة نفسية، أكثر منها جسدية، لا أرى نفسي فيها شخصيًا، كوني أنتمي إلى فكرة التواصل الحميم مع نفسي ومع الآخر، وهي المقاربة التي تشبه صميم ما أقدمه من أدب.

  • ما الدور المنوط بالأديب المغترب في هذه الحالة؟

تمامًا مثل الدور المنوط بأي أديب بالمطلق، أن يكون متفردًا مختلفًا، وألا يصطف سوى وراء فكرة الإبداع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| زياد عيتاني: الوطن هو الناس الذين يشبهوننا

قاسم مرواني: نحن كائنات متناقضة ومعقّدة إلى حدٍّ كبير