حوار | أطباء بلا حدود: موريا في 2020 جحيمٌ متعدد الوجوه

حوار | أطباء بلا حدود: موريا في 2020 جحيمٌ متعدد الوجوه

وضع مأساوي عرفه اللاجئون في مخيم موريا في العام المنصرم (رويترز)

سنة مريرة هي التي قضاها اللاجئون في مخيّمات الاستقبال أو داخل مراكز الإيواء على الحدود الأوروبية، فيما زادت 2020 من صعوبة أوضاعهم، مع تفشي الوباء، وحريق ضخم في موريا، وقمع متزايد، كان أبرزه على أيدي شرطة باريس.

هكذا حفرت السنة التي نودّع علاماتها على ظهور من فروا من آلام بلدانهم الأصل، ولم تنته المأساة إلا برصاصة رحمة عنوانها "الاتفاق الجديد للهجرة واللجوء"

هكذا حفرت السنة التي نودّع علاماتها على ظهور من فروا من آلام بلدانهم الأصل، ولم تنته المأساة إلا برصاصة رحمة عنوانها "الاتفاق الجديد للهجرة واللجوء"، ذاك الذي أطلقته المفوضية الأوروبية، في صفقة لحل الخلافات الأوروبية حول القضية، تقضي بضرورة معيرة وترتيب اللاجئين لترحيلهم إذا لم يوافقوا على تلك المعايير، وكذلك بإمكانية تعويض قبول طلبات اللجوء باحتواء اللاجئين في بلد ثالث قد يكون خارج حدود الاتحاد، فيما التضامن عاد اختياريًا حسب الصيغة التي ترضي كلّ بلد على حدة.

بداية التفصيل من قلب الحدث، مخيّم موريا، "المسلخ البشري" القائم على الحدود اليونانية، في جزيرة لسبوس بالضبط، حيث الجوع والعطش عنوان الأيام العادية للمقيمين داخله، زادهم الحريق تشردًا وجوعًا وعطشًا. لرسم صورة أوضح عن 2020 داخل موريا، يستضيف "ألترا صوت" ثيودورا فانجي، المسؤولة الإعلامية لمنظمة "أطباء بلا حدود" بذات المخيّم.


  • قبل الحريق، سيدة دورا، هلّا وصفت لنا الوضعية داخلَ مخيم موريَا طوال سنة 2020؟

أقل ما يمكننا أن نصف به الوضعية داخلَ المخيّم كونها جحيمية. فلدى منظمة "أطباء بلا حدود" عيادة أطفال بالمخيّم، وكل ما شهدناه من خلال عملنا فيه، طوال السنوات الأربع الماضية وهذه السنة، كان مأساويًا للغاية. ولكي أضعكم في الصورة يمكنني أن أمنحكم بعض الأرقام: قبل الحريق كان حوالي 15 ألف لاجئ، متكوّمين في مخيّم لا تفوق طاقته الاستيعابية الـ 3 آلاف، داخل خيَمٍ يتناوبون للنوم فيها، معرّضة لكل تغيرات الجو، تحت الشمس الحارقة صيفًا وتحت الصقيع والمطر في الشتاء. وبين هؤلاء من يعانون من مشاكل صحية خطيرة، مزمنة ومعقدة للغاية. هذا إضافة إلى أن 40% من المقيمين بالمخيم كانوا أطفالًا. إذًا هي حقًا وضعية لا يمكن تحملها، حيث اللاجئون محرومون من المياه الصالحة للشرب، محرومون من المرافق الصحية والحمامات النظيفة، ووسائل النظافة الشخصية شبه منعدمة داخلَ المخيمات.

اقرأ/ي أيضًا: حريق مخيم موريا يسلط الضوء على نهج أوروبا المتشدد في قضية اللاجئين

  • مع تفشي وياء كورونا، كيف تعاملتم كمنظمة "أطباء بلا حدود" مع هذا الواقع الجديد، وكيف كان أثر الإجراءات الاحترازية على سكان المخيم؟

 التعاملُ مع تفشي وباء كوفيد-19 هو في يد الحكومة اليونانية وسلطاتها، لذا ليس لدينا لحد الساعة مشروع مخصص في هذا الصدد. لكن، ومع فرض الحكومة اليونانية إجراءاتها الاحترازية لكبح انتشار الوباء، تحوّلت الوضعية داخل المخيم بشكل متسارع من سيئ إلى أسوأ.

فمنذُ اكتشاف حالة الإصابة الأولى داخل التراب اليوناني، فرضت الحكومة تضييقًا على التنقل، من وإلى المخيّمات، في الجزر اليونانية، ومنع الناس من الدخول والخروج من وإلى المخيمات، إلا في ساعات محددة من النهار، كذلك اقتصر هذا الامتياز على عدد ضئيل من الناس بفرض وثائق استثنائية للتنقل والسماح فقط لفرد واحد من كلّ عائلة بذلك. بالتالي، وأمام هذا الواقع، زاد حرمان سكان المخيّم من التزوّد بأبسط احتياجاتهم الضرورية كالغذاء والكساء. أصبح الأمرُ غيرَ محتملٍ أكثر، وزاد الوباء والإجراءات الاحترازية معاناة اللاجئين ألمًا. وزادت كذلك من حدة التوترات التي غالبًا ما شاهدناها داخل المخيم.

أسابيع قليلة قبل الحريق، تمّ اكتشاف أول حالة إصابة بكوفيد-19، سريعًا الحالة المؤكدة أصبحت حالتين، عشرة حالات، ثم أكثر. حينها حدث الحريق، ليضاعف معاناة الناس أكثرَ فأكثر.

  • هل يمكن لك أن تصفي لنا الأجواء داخل المخيم ساعة الحريق؟

لقد اندلعت فوضى عارمة، تدافع الناس عند المداخل، والكل يحاول النجاة بنفسه من الموت احتراقًا أو اختناقًا، محاولين لملمة أغراضهم، ما استطاعوا إنقاذه منها، كي لا يواجهوا برد ليالي ليسبوس بأجساد عارية. كان الخوف سيّد اللحظة، كما تعلم، مشاهدة قسم كبير من المخيّم تأكله النيران، وحده كان مشهدًا صادمًا. حتى وإن كانت حياتهم قبل ذاك عبارة عن معاناة يومية، إلا أن المخيّم على الأقل وفّرَ لهم سقفًا يقيهم تقلبات الجو القاسية.

بعدَ الحريق، هام اللاجئون لأكثر من أسبوع بين أزقة الجزيرة، يقضون يومهم تحت شمس الصيف الحارقة، دون أي خدمات صحية أو خدمات النظافة الشخصية، هاربين من ملاحقات الشرطة التي كانت تجبرهم على البقاء في محيط ما تبقى من المخيم. حقًا وضعية لا تحتمل، كانت مفروضة عليهم قسرًا دون أن تترك لهم أي اختيار. في الليل، كان أغلبهم يبيتون في العراء، غالبًا جانبَ البحر، وبعضهم يعود إلى بعض الخيام القليلة المتبقية في المخيم، قبل أن يقضي الحريق الثاني على ما تبقى منه ويترك الجميع لنفس المصير.

  • وكيف تعاملتم أنتم، كـ "أطباء بلا حدود"، مع تبعات الحريق؟

دعني أخبرك بهذا أولًا، في الأيام العشرة الأولى بعدَ الحريق، قامت الحكومة اليونانية بإنشاء مخيّم جديد في منطقة باناجيودا (على الساحل الشرقي لجزيرة ليسبوس). في ذلك الوقت، وبما أن أغلب اللاجئين كانوا هائمين في العراء، معرّضين لكل أنواع الخطر، هكذا كان أكبر همّ لنا هو إعادة إسكانهم في المخيم الجديد. ضف على ذلك مرضانا الذين أخذوا في التواصل معنا للاستفسار عن مآل علاجاتهم، وأين يمكن لهم الحصول على الأدوية والاستشارات الطبية. عدا ذلك، ومباشرة بعدَ الحريق، كنّا قد أنشأنا مستشفى ميدانيًا قرب المخيم الأول، لتقديم المساعدات الأولية للاجئين الهائمين في الطرقات.

  • في علاقة بتبعات الحريق، كيف تطورت وضعية تفشي جائحة كورونا بين اللاجئين؟

ما حدثَ بعدَ الحريق، وبعد إنشاء المخيّم الجديد، أنه تم إخضاع الجميع إلى فحص الكشف عن كوفيد-19، ومن تأكدت إصابته كان يوضع في عزل، هو ليس إلا خيمة بحجم الخيام الأخرى. في هذه اللحظة هناك 240 إصابة مؤكدة بكورونا داخلَ المخيّم (إلى حدود إجراء الحوار)، حيث يعيش لحدّ الآن أزيد من 10 لاجئ، 600 محتشدون داخل خيمة العزل في ظروف أقل ما يقال عنها إنها لا إنسانية.

  • في نظرك، هل هناك أي حل يلوح في الأفق تحمله السياسات الأوروبية الحالية في التعامل مع قضية اللاجئين؟

على العموم، ما يمكنني قوله هو أنني لا أرى أي نيّة في تقديم حل ناجع لهذه الوضعية المأساوية، وهذا رأي "أطباء بلا حدود" كذلك، أن الإجراءات المقدّمة على أنها حلول تخالف رؤيتنا للوضع، فكل ما نحصل عليه هو تكرار سياسات الردع واحتواء الظاهرة في معزل عن جانبها الإنساني، وهذه ليست بحلول للقضية. ما نودّ رؤيته حقيقة، هو حلول على المدى المتوسط والبعيد، من طينة تقديم مسلك قانوني سهل لمنح اللجوء وولوج طالبيه إلى المساعدة التي هم في أمس الحاجة لها.

ما يقدمونه عوض ذلك لن يعود بأي نفع على من هم في وضعية صعبة داخلَ المخيمات، بل يزيد تأزيم وضعيتهم، وهذا ما رأينا على طول السنوات الماضية لاشتغالنا في الميدان، وما عايناه من فشل تام لهذه السياسات، وأثرها على الأشخاص العالقين بمخيمات كموريا وغيره. وكما تعلم، هم الآن يرددون: نحن لا نريد أن يكون هناك موريا ثاني على الأراضي الأوروبية، لكن الحقيقة هو وجود "موريات" أخرى على مختلف الجزر اليونانية، والوضعية داخلها مماثلة لما كانت عليه في موريا، إن لم أقل أسوأ.

رأي "أطباء بلا حدود" أن الإجراءات المقدّمة على أنها حلول تخالف رؤيتنا للوضع، فكل ما نحصل عليه هو تكرار سياسات الردع واحتواء لظاهرة اللجوء في معزل عن جانبها الإنساني

على سبيل المثال، تحدثنا عن الوضعية الوبائية، هناك أزيد من 60 حالة كورونا بمخيم فاسي، وهو ما يدقّ ناقوس الخطر أمام كارثة إنسانية أخرى، لأن نفس الإهمال موجود في الرعاية الصحية العامة، وليس فقط في مكافحة الوباء. يُضاف إلى ذلك تجدد التوترات داخل المخيّم. من جانبنا لم نتوقف عن رفع مطالبنا للسلطات اليونانية، من أجل ترحيل اللاجئين العالقين في الجزر وتقسيمهم على دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، ولحد الآن لم نتلق أي استجابة على طلباتنا وتحذيراتنا. كل ما يقومون به هو درّ الرماد على العيون، بالقيام، من وقت إلى آخر، بترحيل عدد ضئيل من الأشخاص، خاصة الأطفال، إلى بلدان أوروبية تاركين البقية في نفس الوضعية الكارثية التي يعيشون فيها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فظائع الجرائم ضد اللاجئين والمهاجرين.. متى تُحاسب عليها "الجنائية الدولية"؟

 "طلبكم مرفوض".. هل انتهى ربيع اللاجئين في أوروبا؟