حوار | آنا زيلينسكا: البشريَّة لم تستوعب بعد رسالة الجائحة

حوار | آنا زيلينسكا: البشريَّة لم تستوعب بعد رسالة الجائحة

الناشطة السياسية والأستاذة الجامعية آنا زيلينسكا (تويتر)

في مثل هذه  الأيام، قبل عام كامل، كان الرعبُ يهز أطراف العالم، مواجهًا كارثة هي الفريدة من نوعها في أزمنتنا المعاصرة. دول تسارع نحو الإغلاق، وحشودٌ تنزل كالجراد على محلات البقالة والمتاجر الكبرى، شح حاد في الأسواق بلغ فقدان ورق المراحيض بأقوى دولة في العالم. فيما من كل ناحية من الأرض ترد أخبار موت يتلو آخر، وأعداد مصابين يتلون آخرين. تسارعت الأحداث، وحجر الجميع ولبسوا الكمامة، تخاطفت الحكومات شحنات المنتجات الطبيَّة،  فقد الملايين مناصب عملهم، هوت أسعار النفط، توقفت الملاحة بكل أنواعها فتعثَّرت معها عجلة التجارة والخدمات السياحية. ضجر الناس من بيوتهم، فتظاهروا احتجاجًا على فرض الإجراءات الاحترازية، سقط رؤساء وسياسيون من مقاعدهم، وساد الجدل الاتحاد الأوروبي حول حزمة الإعانات. إلى أن بدا في آخر النفق نور مخرج التطعيم الجماعي، تدافع الجميع نحوه معلنين حربَ اللقاح.

لنقاش ما يمكن استخلاصه من الجائحة، من آثار اجتماعية وسياسية، تحل في ضياف "ألترا صوت" آنا زيلينسكا، أستاذة الفلسفة بجامعة لورين، والناشطة الفرنسية

كلُّ هذه مشاهد من سنة تحت وطأة كورونا، وطأة التي لن تنتهي قريبًا، على الأقل، والحديث يتصاعدُ حول موجة ثالثة للوباء. عودة إلى ما يمكن استخلاصه من هذه السنة، من آثار اجتماعية وسياسية. تحل في ضياف "ألترا صوت" آنا زيلينسكا، أستاذة الفلسفة بجامعة لورين، والناشطة الفرنسية. نحاورها عن كل ما سبق، وعن  الحملة التي أطلقتها مطالبة بتحرير اللقاح من احتكارية شركات الأدوية.


  • سنة على إعلان تفشي فيروس كورونا جائحة عالميَّة، ولا زال العام قابعًا تحت حجر صحي عام، يتجدد كلما قارب انتهاء مهلته. ليكن سؤالنا الأول، أستاذة زيلينسكا، ما هي وجهة نظركم حول هذا الإجراء الطارئ على تاريخ البشرية؟

الحجر الصحي العام، في نظري، هو اعترافٌ بفشل منظومة التصدي لأزمة كورونا. بطبيعة الحال، لا مجال للتشكيك في نجاعته، في مقاومة انتشار الوباء والتقليل من قتلاه، لكن كان يمكن لهذه الجائحة أن تحاصر بكيفية أخرى. إنه أشبه بعمليَّة شفط الدهون أو تقليص حجم المعدة في معالجة السمنة، قد تحقق نتائج جيدة، لكن حياة المريض بعد العمليَّة لن تعود كقبلها. ومثلَ ذلك، فالكيفية التي تقاوم بها الجائحة تركت وتترك في حياواتنا أثرًا لن نتخلَّص منها بسهولة.

اقرأ/ي أيضًا: اليمين المتطرِّف ضدَّ التطعيم.. أجندة جديدة مع استفحال أزمة اللقاح؟

  • إذًا، ما هي هذه القيم الجديدة التي فرضتها الجائحة على البشرية؟ وأي حصيلة قيمية يمكننا رصدها على بعد سنة منها؟

أظن أننا لم نصل بعد لمرحلة استخلاص حصيلة لهذا الأمر. فنحن، في فرنسا، كما أوروبا بأسرها، نعيش في حالة ما بعد الصدمة. وليس في هذا التوقيت يمكن للمرء أن يغيرَ أي شيء، بل عل العكس، ينتابني انطباع بأننا نبحث فقط عن العودة إلى ما عهدناه من قبل، بالرغم من كونه هو مَن خلق الظروف التي أوصلتنا للكارثة الحالية.  

على المستوى الفردي، أظن أننا الآن فقط أدركنا ضرورة العلاقات مع الآخرين، مهما بلغت سخافتها. لكن لا أعتقد أننا فهمنا الرسالة على قوتها وبساطتها، التي بعثت لنا بها الجائحة: ما دمنا لم نحقق، بشكل أو بآخر، الرخاء الجماعي (دول الشمال والجنوب)، فسنظل  كبشريَّة دائمًا تحت التهديد.

مع ذلك، فقد بدأ هذا الخطاب بالاشتغال الآن. وعدا النشطاء والمناضلين، على الباحثين في كل مشارب العلوم، ورجال السياسة والفنون، أن يمدوا لنا يد العون لبناء تصوُّر عن هذا التضامن الضروري. علينا خلق مخيال جمعي مختلف  عن الذي أملته علينا ستوديوهات هوليوود. ولقد كان من المفرح، مع كل المتاعب التي أتت بها سنة 2020، أن نراها تفنِّد كل السيناريوهات الكارثية التي صاغتها أفلام الجوائح الوبائية. ومن هنا أقول للسيد ستيفن سودربرغ، نفس الذي أخبر به طلبتي منذ سنوات حينما أعلق على فيلمك، Contagion: لقد كنت على خطأ!

  • هذا الحديث يحيلنا إلى سؤال لطالما شغل فكري: كيف يمكننا أن نقرأ سياسيًا إجراء الحجر الصحي العام؟

لقد نزلت هذه الكارثة على رؤوسنا في أحلك لحظات تاريخنا السياسي - ومن هذا المشترك لطالما تمَّ ربطها بالإنفلونزا الإسبانية ( 1918) التي ضربت البشرية المنهكة وقتها من ويلات الحرب العالمية الأولى- متزامنة هذه المرة ودخول السباق الانتخابي الأمريكي، بداية الحملات الانتخابية في فرنسا التي لم تعر وزيرة صحتها آنذاك اهتمامًا بالإشارات التحذيرية القادمة من الصين، وبريطانيا التي كانت تحضّرُ للطلاق الأوروبي في الـ 31 كانون الثاني/ يناير 2020. كلّ هذا تسببَ في حالة عمى عام في العالم إزاء تفشي الوباء، ربما، في ظروف أخرى، كان ليلتف سريعًا حول خطة مشتركة في مواجهة الكارثة.

وعدا سباق الظروف ذاك، لا ننسى بأن فرنسا على سبيل المثال، خلال الشهور القليلة التي سبقت الأزمة، عرفت إضرابات عامة لشغيلة الوظيفة العمومية، عرَّت رغبة الحكومة في الإجهازَ على القطاع العام، وقطاع الصحة العمومية بشكل خاص. هذا التصعيد العمالي الذي ثار رافضًا الإصلاحات الجديدة في نظام التقاعد، حمل في عمقه رضًا سياسيًا للنهج النيوليبرالي الذي يسيّر الأجندة الفرنسية والأوروبية ككل.

بشكل أبسط: لم نكن جاهزين للأزمة التي نواجهها الآن. والإنكار الذي سادَ في أولها، كان بالكبر الذي جعلَ من إجراءات احترازية أقلَّ صرامة، وأكثر نجاعة لو اتخذت في توقيتها الصحيح، لا أن يتمَّ تجاهلها. بالنسبة لي، كانت اللحظات الأكثرُ إزعاجًا، تلك النقاشات المهينة حول عدم جدوى ارتداء الكمامات التي دارت عندنا بفرنسا.

  • لنتحدَّث قليلًا عن نشاطكم في ما يخص موضوع التطعيم الجماعي ضد فيروس كورونا. فأنتم، أستاذة زيلينسكا، من بين النشطاء الذين خطُّوا عريضة المناداة بـ "تحرير اللقاح". ولعلَّ قرَّائنا الآن يتساءلون: تحريره من ماذا؟

عن نفسي، فأنا من المشجعين للقاح، وتتبعت منذ نيسان/ أبريل 2020 بحماس التطوارات القادمة من مركز جينر للأبحاث التابع لجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة. انطباعي كان أن النجاعة النظرية التي ظهرت مباشرة بعد تطويره ستجعل منه عقارًا واعدًا في عمليةالتطعيم الجماعي. وبهذا كانت عندي الثقة الكاملة، وصولًا إلى خريف 2020، وبالرغم من دخول الشركات الدوائية الكبرى على الخط، والمعروفة بجشعها الكبير، كانت الأمور في نظري تسير في منحى جيِّد.

أما القلق، فقد أخذ في التصاعد  كذلك مع حلول الخريف. حيث، وبشكل غريب، بدأ الإعلام الفرنسي في بث رسائل مشكِّكة في اللقاحات. ما يدعو للتساؤل: كيف يمكن للسلطات الصحيَّة أن تجهز لعمليَّة التطعيم الجماعية وسط كل هذا الزخم؟ الآن نعلم أنهم لم يجهزوا لذلك نهائيًا، بل انتظروا أن يأتي الحل من القطاع الخاص، بتملص رهيب من المسؤوليَّة.

وبالتزامن مع تأخر برنامج التلقيح الأوروبي، في كانون الأول والثاني، أتت الإعلانات الفارغة عن مبادرة كوفاكس، الصندوق الذي أنشأته منظَّمة الصحة العالمية من أجل التوزيع العادل للقاحات؛ صحيح أنها تحوي الكثير من حسن النيَّة، لكنها تبقى في الأخير مبادرة رمزيَّة.  وهذا مردُّه إلى سياسة احتكار حقوق اللقاح، والتي تحصر عمليَّة إنتاجه في معامل تعد على رؤوس الأصابع، وللصَّالح المباشر لملَّاك تلك الحقوق. بينما عدد من الدول – كالهند، البرازيل وجنوب إفريقيا-  قادرة على إنتاجه بنفسها.

بالمقابل، اكتشفتُ أن منظمة التجارة الدوليَّة، ومنذ عدة أشهر، رفضت مقترحًا للهند وجنوب إفريقيا يطالب بالتحرير المؤقت لحقوق  الأدوية واللقاحات المضادة لفيروس كورونا من احتكارية شركات الأدوية، وطبعًا مرَّ  ذلك القرار  بمساندة أصوات أوروبية. فيما، آخر رفض لذلك المقترح  يعود إلى اجتماع الـ 10- 11 آذار/ مارس الجاري،  تزامنًا والذكرى السنوية الأولى لإعلان كورونا جائحة عالمية.

  • هل هذا ينطبق كذلك على الحلول المطروحة من أجل تدارك تأخر البرنامج الأوروبي للتلقيح؟

كيف يمكن تفسير قدرة مؤسسة سيروم الهندية على ضبط عجلة إنتاجها بشكل أسرع من أجل إنتاج اللقاح الأكسفوردي، فيما عجزت أكبر الشركات الفرنسية على ذلك؟ طبعًا مسألة الحقوق ليست السبب الوحيد فيما يحصل، بل ينضاف إليها غياب التحضير المسبق لعمليَّة التطعيم. لكن الآن، وتداركًا للفوضى الأوروبية في هذا الصدد، كما قوميَّة اللقاح الأمريكية المتفهَّمة في جزء منا، وما أحدثه هذان العاملين من تضخيم لوطأة الجائحة في البلاد، لا يجب علينا أن نحمِّل  العالم بأسره مسؤوليَّة أخطاء في عمليَّة إنتاج اللقاح وتوزيعه بأوروبا.

ولسخرية القدر، وبينما نحن نتحدَّث الآن، فرنسا لم تطعم إلا نسبة أقلَّ من 9% من مواطينيها بالجرعات الأولى من اللقاح، فيما لقَّح المغرب حوالي 12% من مواطنيه. وهنا، فالسياسة التطوُّعية للمغرب، الذي سبق إلى إنشاء خطوط تواصل مع شركة سينوفارم الصينية، آتت أكلها بشكل رائع، هذا بالرغم من النظرة المتعالية التي رمقته بها وسائل الإعلام الغربيَّة. ومع ذلك فالمغرب، هو الآخر، ليس في منئى عن النقص العالمي الحاد في اللقاحات.

  • من هنا إذًا انطلقت عريضتكم؟

نعم،  فمن أجل التفكير في مخرج من الجائحة الحالية، والجوائح التي ستهدد البشرية في المستقبل، علينا إعادة النظر في السياسة الدولية للقاحات. ومن الصَّعب علينا الآن أن نجد تبريرات مقنعة للتنازل عن إدارة الصحَّة العمومية لصالح المختبرات الخاصة. كما أن حقوق الملكية الفكرية يمكن تبريرها في عدة سياقات، لكن ليس في كل السياقات (وما نعيشه الآن أحد تلك السياقات التي لا يمكننا أن نبررها فيها). ضف على ذلك، أن الحكومات هنا موجودة لمكافأة العمل الذي أجري من أجل تطوير اللقاحات، وتوفير بنى تحتية لتجربتها.

فلقد كان عدم القدرة على إنجاز اختبارات سريرية بوتيرة أسرع، هو الذي دفع مركز جينر إلى التوجه نحو الشركات الدوائية التي لها خبرة في إنجازها. وهذا ما جعل المفاوضات الجارية الآن من أجل اللقاح تشبه إلى حد كبير صفقات الاتجار بالمخدرات، منها إلى إجراءات سياسية مسؤولة. وبالتالي، فرفع الاحتكار عن حقوق اللقاح، ولو بشكل مؤقت، سيمنح نفسًا جديدًا لعملية التطعيم الجماعي. في انتظار إعادة النظر، التي تحدثت عنها، في السياسات الصحة العمومية على المستوى الدولي.

عريضتي، الموقعة من قبل مفكرين، رجال قانون وسياسيين رائعين، تهدف للقول بأن: هذه الوضعية غير مقبولة. وأنها انتحارية سياسية وأخلاقية، يمكن تفاديها من الناحية القانونية، وأننا جاهزون – بوصفنا أهلُ اختصاص– لصياغة تصوُّر جديد لها. وسنكون دائمًا بجانب إعادة النظر تلك، مع أنه، وللغرابة، تعد مجالات تخصصنا من غير المرحَّب بها. لكننا نصر على الاستمرار  في العمل من أجل تحقيق مطالبنا، بمعية المنظَّمات والعرائض المجتمعة حول نداء باريس (ائتلاف الفعاليات المدنية والسياسية الفرنسية المناهضة لاحتكار ملكية حقوق لقاحات كورونا).

  • من جانب آخر، هل ترون أن أزمة اللقاح الحاصلة ستقوي صعود اليمين الشعبوي الفرنسي، خصوصًا وأن البلاد على بُعد أحد عشر شهرًا من انتخاباتها الرئاسية؟  

الواضح هو أن موجات الهلع المتتالية، إضافة إلى غياب الحوار الديموقراطي (مع ممثلي المجتمع المدني، المنظمات غير الحكومية، إلخ) حول الإجراءات المتَّخذة، يدعم السمة التيقنوقراطية للحكومة في المخيال العام. والتصويت لصالح اليمين الشعوي، في شق منه، مدفوع برفض الحكومة على أساس الأرقام (في حالتنا: أرقام ضحايا كورونا)، دون التحقق منها. وقد كانت هنالك أيضا تغييرات طالت تدبير الجائحة، ومرة أخرى، مرفوقة برسائل متناقضة.

وما أخشاه حقيقة، هو أن يقول بعض الناخبين: في كلِّ الأحوال، إذا كان كل ما سنحصل عليه هو حكومة ذات نزعات سلطوية، فلماذا نترك إذًا الحكم للنخب الباريسية؟ ثم ينضافون إلى الكتلة الناخبة التي استمالها قبلًا اليمين المتطرِّف. أيًا يكون موقفنا من كلِّ هذا، فغياب النقاش العام فيما يخص إدارة الأزمة الصحية، يُكسبُ اليمين المتطرِّف المزيد من الأصوات. فيما يخص اللقاح، الارتباك الحاصل إزاءه – والذي ليس له، في نظري، أي مبرر سوى الفوضى التواصلية والقصور العام – لن يكون له وقع كبير ، على حد تقديري.

  • في نظرك، بعد موجة التعليق التي طالت استخذام لقاح أسترازينيكا، والشكوك حول تسببه بتجلُّط الدم المؤدي للوفاة، كيف يمكننا إعادة ثقة الساكنة في عملية التطعيم؟

هنا، في نظري، يقع  العنصر الرئيسي الذي علينا من أجله إنهاء احتكار الشركات الخاصة إنتاجَ اللقاح. فتاريخ الأخطاء والفضائح الذي يحيط الصناعة الدوائية، هو ما يفقد الناس الثقة في اللقاحات. فيما هذه الأخيرة عائلة خاصة من المنتجات العلاجية: أثرها العلاجي مرتبط بالتطعيم الجماعي (لا بالفرد). وهذا لا يمكن أن ينجح إلا وسط مجتمعات لها حس الانتماء، والتي لا يعاني أفرادها الاغتراب. فبالتالي العمل على إعادة الثقة في اللقاح، يحتاج الوقت، وأن لا يكون بمعزل عن الإدماج السياسي، الاجتماعي والاقتصادي للشعوب.

 الهم المطروح الآن هو توفير اللقاح، قبل طرح مشكلة الثقة فيه من عدمها. إذًا فليست مسألة الثقة مستعجلة، وفي جميع الأحوال، سيتم حلُّها عندما تصبح المفاوضات بين الحكومات والشركات شفافة

في ما يخص فيروس كورونا، الهم المطروح الآن هو توفير اللقاح، قبل طرح مشكلة الثقة فيه من عدمها. إذًا فليست مسألة الثقة مستعجلة، وفي جميع الأحوال، سيتم حلُّها عندما تصبح المفاوضات بين الحكومات والشركات شفافة، وعنما تضيق رقعة أسطورة حقوق ملكية اللقاح. أقول: يمكن التسامحُ مع وجودها، لكن دون دعمها من قبل الدولة.