حواديت خالد جلال.. تكرار مسرحي يضيء نجوم جديدة في الوسط الفني
19 نوفمبر 2025
يلقب خالد جلال داخل الوسط المسرحي بـ "جواهرجي النجوم"، وربما هو لقب يتسق بالفعل مع طبيعة ما يقدمه، حيث اللقب الملتصق بالمصوغات. تلك الجواهر اللامعة، التي لا بد أن تُوضع في مكانٍ براق كي يظهر بريقها، وذلك هو مربط الفرس، حيث يستهدف الكثير من الشباب الممثلين مركز الإبداع الفني تحديدًا – القابع بدار الأوبرا المصرية بالزمالك – كي يضيئوا على يد الجواهرجي. ومن هُنا يتضح أن جميعهم لم يتوجهوا إلى هناك كي يتعلموا فن التمثيل، بل من أجل الظهور والإشارة إليهم بأنهم موجودون وسط العشرات الذين يتبعون أساليب أخرى بين دراسة أو مكاتب الكاستنج وخلافه من الطرق المعروفة.
فلسفة مركز الإبداع
هذا لا يعني بالضرورة أن جميع الممثلين بمركز الإبداع، سواء من الدفعات التي سبق لها التخرج أو التي ما زالت تُقدم تحت مظلته، متساوون في الموهبة والأداء، ولكن المؤكد أن الكثير منهم يعلم عن فن التمثيل الكثير ومارس التمثيل المسرحي لسنوات عديدة. وربما عمل بالميديا "السينما أو التليفزيون" بعض المرات بالفعل. لكن التوجه لهذا المركز يتيح لهم جميعًا فُرصة الإشارة لوجودهم بين أوساط المخرجين والمنتجين والفنانين، الذين يتم دعوتهم لحضور العروض، كي يتحقق الغرض الرئيسي، وتتخرج دفعة جديدة يظهر أغلبها على الشاشات بعد ذلك. فسبق وتخرج من مركز الإبداع أسماء لامعة اليوم مثل محمد فراج، محمد سلام، محمد ممدوح وغيرهم الكثير.
ومن هنا تظهر طبيعة العروض التي يقدمها المركز، الذي يهتم اهتمامًا كليًا بلفت الأنظار للممثلين، لا بالحبكات الدرامية أو الإخراج القوي الذي لم يعد يحتاجه اسم معروف مثل جلال اليوم. بل تقوم كل دفعة، كما يقدمها جلال مع بداية كل عرض أثناء التدريب الذي يستغرق أكثر من سنة في الأغلب، بتقديم الكثير من "الاسكتشات" أثناء التدريب والبروفات، تحت إشراف المخرج، ثم بالبحث عن تيمة تجمع أغلب ما تم تقديمه ويصلح للعرض. ومن ثم إخراجه في صورة بسيطة تحت مظلة أو بالأحرى تيمة شاملة، حتى تضئ النجوم.
ودون الإمعان في الأسلوب المسرحي الذي يقدمه المركز، الذي ربما يحتاج إلى دراسة أعمق، تشير إلى تكرار الأسلوب نفسه مع تجديد الخطاب والتيمة الدرامية الحاكمة للعرض، إلا أن "قهوة سادة"، "بعد الليل"، "سينما مصر"، "حاجة تخوف"، وآخرهم "حواديت"، جميعها عروض تقوم على شكل الاسكتشات المتتالية ذاتها، وقيام الكثير من الممثلين بأكثر من دور بين اسكتش وآخر، لإبراز المواهب الحقيقية وبلورتها.
خطابات قديمة تقدمها أجيال جديدة!
أما عن "حواديت" الذي نحن بصدده الآن، نظرًا لأنه آخر عروض المركز الحالية وما زال يُعرض حتى اليوم، فالعرض يُفتتح، حيث جميع الممثلين جالسين على شكل دائرة، يقدمون أنفسهم في صوت واحد بأنهم شخصيات من الروايات والحكايات والأفلام المعروفة، ويقرون بأنهم سيُقدمون داخل العرض دائمًا ما وراء الحكايات، ثمة حكاية تبدو طبيعية، يظهر ما ورائها الكثير من التفاصيل المختلفة.
على سبيل المثال لا الحصر، تسرد إحداهن أنها كانت ممنوعة من الخروج إلى البحر في قريتها، حتى لا يؤذيها المجذوب، الذي توالت عنه الأقاويل بين كونه مسحورًا أو تندهه الندّاهة. تبدو حكاية عادية للغاية، إلى أن يظهر ما وراء الحكاية وهو مُمثل نشاهده من وجهة نظر المجذوب ذاته، المفتون بحبيبته التي غرقت في البحر منذ أعوام، وما زال متعلقًا بها ويتخيلها كل ليلة. وهكذا لنعيش مع الماورائيات الكثيرة، بين الحب وذكريات الطفولة، والعلاقات الزوجية، وعلاقة الآباء بالأبناء وغيرها من الأمثلة التي لا يمكن حصرها من خلال عرض يتجاوز الساعتين، ولا يمكن توقع نهايته، لأنه من الممكن أن يستمر عدد ساعات أطول، ومن الممكن أيضًا أن يكون أقصر، لأنه لم يسر على وتيرة التدرج الدرامي المعهودة من بداية ووسط ونهاية، بل إنه مواقف مجمعة تُحكى إلى ما لا نهاية.
تظهر طبيعة العروض التي يقدمها المركز، الذي يهتم اهتمامًا كليًا بلفت الأنظار للممثلين، لا بالحبكات الدرامية أو الإخراج القوي الذي لم يعد يحتاجه اسم معروف مثل جلال اليوم
يظهر الغرض من العرض بعد عدد محدد من الحكايات، حيث لا حقيقة مطلقة وراء أي حكاية، وجميع الحكايات لها وجهات نظر مختلفة دائمًا، ولكن المختلف هي المضامين الموجودة في البعض منها.
حكاية الممثلة التي قررت أن تتبع خط سير مختلف عن أستاذها، والتي تظهر فيها الممثلة تترجى أستاذها في طلب السماح، فقط لأنها تركت مسرحه الذي يدربها فيه على الفن الجيّد "كما تم الوصف بالعرض"، وذهبت للشُهرة السريعة عن طريق وسائل التواصل الحالية، بتتابع يؤكد على أن أي وسيلة أخرى يمكن أن يأخذها شباب اليوم وفقًا لآلية جيلهم فهي وسيلة سيئة، والفن الجيّد هو الذي لا يحضره إلا النخبة، مع ترديد الأغاني القديمة، وتُغلق الحدوتة على إدانة الفتاة.
ودون الحكم على أي وجهة نظر يقدمها العرض، يأتي سؤال أهم: هل هذه العروض موجهة فقط للصناع الذين يأتون للمركز كي يكتشفوا المواهب، أم للجمهور أيضًا؟ وإن كانت للجمهور فمن هو ومن أي جيل يحاول العرض أن يستقطب شرائحه بتقديمه لفكرة مثل هذه؟
وسط الجمهور خطوة بخطوة
عادة ما أحب بشدة ألا أحاول الحصول على دعوة خاصة للعروض المسرحية، كي التحم التحامًا كُليًّا بالجمهور منذ بداية الوقوف على شباك التذاكر، وصولًا للجلوس بينهم كتفًا إلى كتف، دون أن أجلس في الصفوف الأمامية معزولة عنهم، أو داخل مكتب كبار الزوار دون الاشتباك الحقيقي معهم، أحاول الحصول على إجابات لمثل هذه الأسئلة.
عند وقوفي هذه المرة قُرابة الساعتين بين شباك التذاكر ومحاولات الدخول وصولًا إلى الكرسي، وجدت أن العدد الأكبر من الحضور يمثل جمهورًا عامًا، بينما عدد المدعوين من قِبل المخرج أو الممثلين لم يتجاوز الصفين فقط في المقدمة. إذًا يتابع الجمهور بحرص شديد إنتاجات المركز، بل وسمعت الكثير منهم أثناء وقوفنا في الخارج يحكي عن العروض السابقة التي شاهدها في المكان نفسه. وبالتالي فبريق الممثلين لم يكن فقط لاكتشافهم، بل لتحقيق المتعة للجمهور العام أيضًا؛ ذلك الجمهور الذي يضم الكثير من الشباب والكبار أيضًا وبعض الأطفال. إذًا عن أي وسائل تواصل نتحدث وندين اليوم، في ظل وجود هذا الكم من التنوع بين الجمهور من أجيال وأوساط مختلفة؟
وعلى غرار الخطابات النمطية، يقدم العرض حكايتين عن "بِر الأهل". ثمة حكايات توضح تدخل الأهل في خصوصيات الأبناء، ثم استقطاب شخصية أخرى وحيدة تستدر العطف وتتمنى أن تكون داخل عائلة، حتى يدرك العاق لأهله الذي يمقت ذلك التدخل أنه في نعمة كبيرة. وهو الحال ذاته مع الحكاية الثانية، حيث تدخل الأب الضاغط، الذي لم يُدن لحظة واحدة، بل يقدم للعاق الجديد حكاية تشعره بأهمية وجود الأب ودعم ذلك التدخل، ومحو فكرة الخصوصية، والتأكيد على أن الأبناء ملكية حقيقية لآبائهم. ليظهر السؤال ذاته مرة أخرى، دون النظر إلى هذا الكم الهائل من الرسائل الوعظية وراء كل حكاية، تدعم مثل هذه الأفكار أو غيرها مثل أن الفقر مع راحة البال أجمل من الغنى الفاحش الذي يصحبه عدم راحة البال، على غرار أفلام الأبيض والأسود التي طالما صورت المجتمع الثري بصورة فاسدة. تلك الخطابات التي تكرّس لتمسك كل شخص بطبقته. خطابات مسرحية وعظية يتخللها توجه مجتمعي وسياسي واضح. لكن الأهم أنها تخاطب شريحة بعينها ربما تكون هذه الخطابات محببة لها، وذلك في مقابل آخرين متجاوزين لهذه النوعية من الأفكار والإرشادات المدرسية.
الأداءات بين الطاقة والانفلات
أما عن الأداءات التمثيلية، فربما يعد "حواديت" هو العرض الأضعف تمثيليًا بين العروض السابقة بمركز الإبداع، بداية من الصوت العالي للغاية لكثير من الممثلين والممثلات، والوصول إلى الانفعال المبالغ فيه، وكأنه لا يوجد توجيه إخراجي حقيقي للممثل. وربما يعد المشهد الأبرز لهذا المثال هو مشهد الممثلة نادين خالد، وهي تقدم مونولوجًا بالعربية الفصحى لأستاذها بعد أن تركت جنته الفنية القديمة واتبعت وسائل حديثة للشهرة، والبدء من انفعال وصل بها في النهاية عند تدرج الجُمل بالمونولوج لدرجة أنها لم تعد قادرة على التحكم في طبقة الصوت وتصرخ لأنها بدأت من المنطقة الأعلى التي لم يتطلبها المونولوج في البداية، في المقابل لها نلاحظ صلاح الدالي الذي قدم العديد من حواديت العرض بالكثير من "الهزار" لدرجة نسيان بعض الجُمل الحوارية، وكأنه لم يتدرب بشكل كافٍ.
لكن هذا لا ينفي اجتهاد نادين في اسكتشات أخرى كثيرة، نظرًا لتقديمها عددًا كبيرًا من الحواديت، تتنقل فيه بين الأعمار والشخصيات. وكذلك الممثل المقدم لأغاني الراب في العرض، والذي يتضح بشدة اجتهاده في التمثيل والغناء معًا وتأليف كلمات الأغنية أيضًا، في ظل عرض لم يحتوِ على أغانٍ أو استعراضات كثيرة، بل يبلور بقوة الممثل بين حكاية وأخرى.
الممثل أهم عنصر على المسرح
لم يكن بالعرض عناصر مسرحية يمكن تحليل دلالاتها لتتسق مع الدراما، فكما تم الذكر، التركيز الأكبر يكون مع الممثلين للعرض المذكور في المقدمة. فقد جاء العرض عبر مستويين داخل رقعة مسرح مركز الإبداع الصغيرة، وبعض من الكراسي البسيطة وتكوينات على شكل كتبٍ للجلوس عليها "لم يكن لها أي دلالة"، هي فقط وسيلة للجلوس بالإضافة إلى الإضاءة التي اعتمدت على الإنارة وبعض البؤر والإظلام واللون الأحمر وهكذا لخدمة الحدوتة بشكل بسيط، لا يحمل همه الدرامي بين ثناياه.
ختامًا، يظل "حواديت" علامة جديدة من علامات مشروع مركز الإبداع الذي يقدّم طاقاته بوصفها الهدف قبل أن يكون العرض غاية فنية مكتملة. ورغم تكرار الصيغة، يحتفظ العرض بقدر من الحيوية مصدره الممثلين الشباب وجمهوره المتنوّع، لا من بنتيه الدرامية. ومع كل حدوتة تُروى، يصبح واضحًا أن التجربة تحتاج إلى تطوير في رؤيتها أكثر مما تحتاج إلى تجميل تفاصيلها. ولكن الأهم هو طرح السؤال: ما الذي يحتاجه الجمهور العام اليوم حقًا من المسرح، الرسالة الجاهزة أم المساحة التي تسمح لهم بأن يعثروا على صوتهم حتى وإن كانوا من أجيال وبيئات مختلفة؟







