حملة بوتين على إدلب.. الخفايا والمآلات

حملة بوتين على إدلب.. الخفايا والمآلات

(Getty) بوتين واردوغان في مؤتمر برلين

كشفت مكالمة الفرصة الأخيرة بين أردوغان وبوتين لتجنب الانزلاق نحو صدام عسكري مباشر بين الطرفين، على خلفية العدوان الذي يشنه النظام على مناطق المعارضة بمشاركة جوية روسية فاعلة؛ عن عمق الهوة التي تفصل بين الرؤيتين الروسية والتركية لناحية تفسير بنود اتفاقية سوتشي الموقع بين الطرفين 17 أيلول/سبتمبر 2018، أو لناحية المدخل للحل السياسي في سوريا.

حين قرّر بوتين التدخل في الملف السوري وضع لنفسه سقفًا مرتفعًا، لم يكن يقنع فيه بالظهور بمظهر الرجل الباحث عن استعادة الماضي التليد للأمجاد الإمبراطورية السوفييتية

في حين يصر الموقف الروسي على التعامل مع الاتفاق كمرحلة مؤقتة في مسيرة أطول، تتعلق بتمكين النظام على بسط سيطرته وسيادته على جميع الأراضي التي كانت تحت سلطته قبل ثورة 2011 ، يصر الأتراك على التعامل معه كإقرار روسي بترسيم الحدود الفاصلة بين مناطق المعارضة والنظام، كونه يتضمن في بنده التاسع إشارة واضحة إلى التوصل إلى نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب، الأمر الذي يمنح المعارضة ومن خلفها تركيا قدرة التأثير على المفاوضات بين وفدي المعارضة والنظام وفق القرار الدولي 2254.

اقرأ/ي أيضًا: ملفات مشتركة ومصالح مختلفة.. هل تُنهي إدلب التعاون التركي – الروسي؟

بعيدًا عن المكاسب التي أمكن لتركيا تحقيقها من إتفاق سوتشي، سواء عبر إجبار الروس للأخذ بمخاوفها الأمنية كما مصالحها القومية، فإن المكسب الرئيس الذي لا يقدر بثمن الذي استطاعت انتازعه لنفسها من اللاعب الروسي، كان إقراره بشرعية التواجد العسكري لقواتها في جميع مناطق التصعيد الرابعة، الذي لم يتعدَ في بداية الأمر شكل مناطق المراقبة. إلا أن تسارع العمليات العسكرية لقوات النظام وتوجهها للسيطرة على معظم مناطق المعارضة حتى بما يتجاوز السيطرة على طريقي الـ 4M أو الـ M5 ، سمح لها بتأويل هذا الوجود الرمزي إلى وجود عسكري رادع، مستندة في ذلك إلى اتفاقية سوتشي التي محنت للأطراف الضامنة الحق في ممارسة القوة ضد الجهة التي تعمل على عرقة تنفيذ بنودها.

يأخذ الكرملن على حكومة أردوغان التي لا تكف عن مطالبته بالتقيد الكامل ببنود سوتشي تقاعسها عن الوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها في تلك الاتفاقية، خاصة البنود المتعلقة بتأمين المنطقة المنزوعة السلاح التي يتراوح عمقها بين 15 و20 كيلومترًا، سواء لناحية إفراغها من الأسلحة الثقيلة أو لناحية إفراغها من الجماعات المصنفة إرهابيًا كتحرير الشام وامتداداتها. فما الذي دفع الحكومة التركية للقبول بهذا البند الشائك مادامت لاترغب بالقيام بتنفيذه؟

تعود مناورة الحكومة التركية في التراخي عن تطبيق البند المتعلق بإفراغ المنطقة المنزوعة من مليشيا النصرة، والميليشيا المتحالفة معها، إلى معرفتها المسبقة بتحول أمر مسؤولية تلك المنطقة إلى الضامن الروسي، ومن ثم النظام السوري، الأمر الذي يعني ضمنًا تهجير أهالي تلك القرى الواقعة بين طريقي إم أربعة وإم خمسة إلى الشريط الحدودي مع تركيا، لعدم رغبتهم العيش تحت ظل حكومة مستبدة وفاسدة طالما عملوا للفكاك من طغيانها. ولو كانت السيطرة لتلك المناطق ستؤول للمسؤولية التركية والفصائل المتحالفة معها لما ترددت لحظة في التخلص من سيطرة تحرير الشام عليها. إلا أن معرفة تركيا بالشرك المنصوب لها في تلك المنطقة، وعدم ثقتها بالشريك الروسي، هو الذي جعلها تغض النظر عن سيطرة تحرير الشام وتعزيز قوتها، وذلك لرغبتها بوجود قوة عسكرية كبيرة ومنظمة مثلها (أي تحرير الشام) للتصدي لقوات النظام وحلفائه إذا ما قرّر الروس المضي في تنفيذ مخططاتهم.

تكمن مشكلة بوتين مع أردوغان في الشخص الذي حسبه مساعدًا له في حل المشاكل العالقة فإذا به يتحول إلى غريم ومنافس

يشعر القادة الأتراك، وعلى رأسهم أردوغان، بخيبة أمل شديدة من العروض التي يتقدم بها المفاوضون الروس لزملائهم الأتراك عن عمق الشريط الحدودي، الذي سيتسامحون بتركه تحت السيطرة التركية. اقرأ/ي أيضًا:

وفيما تتحدث بعض التسريبات عن عمق الخمسة كيلومترات التي تم إقرارها في واتفاقية أضنة 1998، فإن بعضها المتسامح يذهب مع اقتراح الـ 16 كيلومترًا، وهو الأمر الذي ما زال الأتراك يناورون لرفعه لحد الـ 30 كيلومترًا إذا لم يكن بدا من ذلك.

حملت لاءات بوتين الثلاث التي ألقاها على مسامع شريكه أردوغان؛ لا لتوقف النظام السوري عن معركة استعادة سيادته على جميع أراضي دولته، لا لتراجع النظام إلى الحدود التي أقرتها اتفاقية سوتشي، لا لأي عمل عسكري ضد النظام لإجباره على ذلك؛ حملت تحديدًا لطبيعة الدور التركي الذي يمكن للسيد بوتين القبول به، والذي يصر فيه على حرمان تركيا من لعب الضامن الفاعل، القادر على الاحتفاظ بجزء من الأراضي السورية وإدارتها على طريقة مناطقه في نبع السلام وغصن الزيتون.

حين قرّر بوتين التدخل في الملف السوري وضع لنفسه سقفًا مرتفعًا، لم يكن يقنع فيه بالظهور بمظهر الرجل الباحث عن استعادة الماضي التليد للأمجاد الإمبراطورية السوفييتية وحسب، وإنما كان يجاهد لتغيير صورته النمطية في أعين كارهيه من الأمريكان والأوروبيين التي ترسخت في صورة الغازي والبلطجي، الذي لا يتوانى عن العبث بحدود الدول، كما في حادثة ضمه لجزيرة القرم، إلى صورة الرجل صاحب البصيرة والقوة، الذي لا يتوانى عن التضحية في جلب السلام لبلد مزقته الحرب الأهلية التي لا تزال أثارها الجانبة المتمثلة بموجات اللاجئين تعصف بدول الإقليم والمناطق المحيطة به. لذا نراه منفتحًا براغماتيًا في مصافحة اليد الممدودة من السيد أردوغان، بعد أن ظلت لمدة تقارب من العام رمزًا للخيانة والغدر إثر حادثة إسقاط المقاتلات التركية لإحدى المقاتلات الروسية ومقتل طياريها، وما كل تلك الحفاوة إلا لأنه وجد في السيد أردوغان الرجل الذي قد يعينه في الوصول إلى المهمة الجليلة التي وضعها لنفسه.

تكمن مشكلة بوتين مع أردوغان في الشخص الذي حسبه مساعدًا له في حل المشاكل العالقة فإذا به يتحول إلى غريم ومنافس، فبدلًا من أن يتناغم معه في الوجود الروسي في ليبيا، نراه يتحداه على نحو علني وسافر، مرة عبر إرسال الأسلحة والجنود، ومرة أخرى عبر إصراره على ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط. وبدلًا من مساعدته في بسط سلطة الأسد على جميع الأراضي المعروفة رسميًا بحدود الدولة السورية، نراه يصر على الاحتفاظ بإدارة جزء منها بناء على التفويض الممنوح له من قبل إتفاق سوتشي.

لسان حال بوتين بوتين: إما أن تقبلوا بتحمل أعباء إعادة إعمار ما دمرته آلاتي العسكرية، وإما أن تتحملوا أعباء طوفان بشري من اللاجئين!

لا يمكن فهم طبيعة الدوافع التي تقف وراء قرار بوتين بالتخلص من اتفاقية سوتشي، التي تحمل في ثناياها إقرارًا بالشراكة مع نظيره التركي، إلا بفهم إحساس الرجل الغامر الذي يشعر بتآمر الجميع على منجزاته، يستوي في ذلك الأمريكان والأوروبيون والأتراك. ففي حين كان يعول على الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات ليتمكن من الحصول على جائزة الترضية (آبار النفط) التي حلم بها جراء الدخول في معمان الحرب السورية، نراهم يسدون الطريق عليه بكل السبل الممكنة حدّ الإذلال. وفي حين كان يعول على الموقف الأوروبي في التخفيف من العقوبات الاقتصادية على النظام، كان الأوربيون يسارعون للانصياع للرغبة الأمريكية عبر إدراج المزيد من الكيانات الاقتصادية على قائمة العقوبات. وفي حين ظل يمني النفس بانفتاح سياسي من أردوغان على الأسد أملًا بحصول انفتاح إقتصادي عليه، ظل أردوغان ينأى بنفسه عن الأسد واقتصاده المتهاوي حد الانهيار.

اقرأ/ي أيضًا: شمال شرق سوريا.. تنافس ثلاثي على ترسيم حدود السيطرة

في ظل العزلة التي وجد فيها بوتين نفسه، تارة عبر تحميله لوزر العمليات الإجرامية التي قام بها ضد المدنيين العزل، وتارة أخرى عبر تحميله لتكلفة إعمار ما دمرته آلاته العسكرية الجبارة، لم يجد الرجل في طريقه من وسيلة تذكر لمعاقبة الجميع وابتزازهم سوى قضية اللاجئين. فإما أن يرضخ أردوغان لابتزاز بوتين في تسويقه لنظام الأسد وإعادة العافية لاقتصاده المتهاوي، وإما أن يتحمل عبء آلاف اللاجئين الذي يصر السيد بوتين على حشرهم في شريط معزول وضيق لا يتعدى في عمقه الخمسة كيلومترات.

هذا هو لسان بوتين اليوم في وجه الجميع: إما أن تقبلوا بتحمل أعباء إعادة إعمار ما دمرته آلاتيّ العسكرية، وإما أن تتحملوا أعباء طوفان بشري من اللاجئين!

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف تصبح أحضان الأشرار ملاذًا؟

ديستوبيا الواقع الفلسطينيّ: ليس هناك أيُّ صوتٍ بعد