حملة اعتقالات تطال رؤساء كبرى البلديات في تركيا: تفكيك للمعارضة أم حرب على الفساد؟
5 يوليو 2025
واصلت السلطات التركية حملتها ضد شخصيات المعارضة، حيث اعتقلت، صباح السبت، ثلاثة رؤساء بلديات ينتمون إلى حزب الشعب الجمهوري (CHP) في جنوب البلاد بتهم الفساد، وفقًا لما أوردته وكالة "الأناضول" الرسمية.
وأعلنت الوكالة أن كلًا من رئيس بلدية أديامان، عبد الرحمن توتديري، ورئيس بلدية أضنة، وزيدان قرالر، وهما من كبار مسؤولي الحزب المعارض، قد تم توقيفهما خلال مداهمات فجرًا، أحدهما في أنقرة والآخر قرب إسطنبول، وذلك في إطار تحقيقات تتعلق بالرشوة والجريمة المنظمة وتلاعب في المناقصات.
التورط في إدارة تنظيم "إجرامي"
قال مكتب المدعي العام في إسطنبول إنه تقرر احتجاز رئيسي بلديتي أضنة وأديامان، وهما من كبريات المدن في جنوب البلاد، بتهم تتعلق بالكسب غير المشروع، إلى جانب ثمانية أشخاص آخرين.
أوقفت السلطات التركية رئيسي بلديتي أديامان وأضنة، وهما من كبار مسؤولي المعارضة، بتهم تتعلق بالرشوة والجريمة المنظمة وتلاعب في المناقصات
كما أوضحت النيابة أن التحقيق يستند إلى أقوال رجل أعمال موقوف، أقرّ بتورطه في إدارة تنظيم إجرامي ودفع رشاوى مقابل تسهيلات حكومية. وأضافت أن "رؤساء البلديات طلبوا منافع مالية غير مستحقة من شركات متعاقدة مع البلديات".
وأشار البيان إلى أن إجمالي عدد المعتقلين في القضية بلغ عشرة أشخاص، بينهم عبد الرحمن توتديري وزيدان قرالر، بينما نفّذت الشرطة عمليات تفتيش في مقرات البلديات في أديامان وأضنة.
موجة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة
وفي مدينة أنطاليا، تم أيضًا توقيف رئيس بلديتها محيي الدين بوجك، وهو عضو آخر في حزب الشعب الجمهوري، في سياق تحقيق منفصل بشأن قضايا فساد ورشوة، وفق ما أفادت النيابة العامة في أنطاليا.
في السياق نفسه، أفادت وكالة "الأناضول" بأن رئيس بلدية مانافغات السياحية، و34 آخرين، قد تم توقيفهم الجمعة على خلفية قضايا فساد مشابهة.
كما شهد الأسبوع الماضي اعتقال 137 موظفًا ومسؤولًا من بلدية إزمير، ثالث أكبر مدن البلاد، إلى جانب توقيف رئيس البلدية السابق تونتش سوير، في قضية فساد وتلاعب في المناقصات.
وقد أُحيل سوير و59 آخرون إلى الحبس الاحتياطي أمس الجمعة، بانتظار المحاكمة، في قرار وصفه محاموه بأنه "جائر وسياسي بامتياز".
تحقيقات "منسّقة" واتهامات بتسييس القضاء
أثارت هذه الموجة من الاعتقالات ردود فعل حادة داخل حزب الشعب الجمهوري، إذ دعا زعيم الحزب، أوزغور أوزل، إلى اجتماع طارئ لقيادة الحزب، في حين تساءل رئيس بلدية أنقرة، منصور يافاش، في منشور عبر منصة "إكس"، عن سبب اقتصار التحقيقات القضائية على مسؤولي المعارضة، في وقت تغيب فيه المساءلة عن البلديات الخاضعة لسيطرة حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وقال يافاش: "في نظام تُلوى فيه القوانين لأغراض سياسية، وتُطبّق العدالة على فريق وتُستثنى من آخر، لا يُمكن أن نثق بسيادة القانون أو نؤمن بوجود عدالة حقيقية".
وأكد: "حين يصبح القانون أداة بيد السلطة، تُستخدم ضد المعارضين وتُغضّ الطرف عن الموالين، فلا ينبغي لأحد أن يطلب منا الإيمان بالعدالة".
وختم بالتشديد على "رفضهم للظلم، وغياب القانون، وكل أشكال التلاعب السياسي"، على حد تعبيره.
إمام أوغلو .. لائحة اتهام جديدة
في تطوّر جديد ضمن حملة الملاحقات القضائية التي تستهدف شخصيات المعارضة، أعلنت النيابة العامة التركية، أمس الجمعة، توجيه تهمة جديدة إلى رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المسجون منذ 23 آذار/مارس الماضي على خلفية اتهامات بالفساد.
وتتعلق التهمة الجديدة بتزوير شهادة جامعية، وذلك بعد أن أعلنت جامعة إسطنبول، في مارس الماضي، إلغاء الشهادة التي كان إمام أوغلو قد حصل عليها سابقًا، وفقًا لما ذكرته وكالة "رويترز".
ووفق ما نقلته صحيفة "ميليت" المقربة من الحكومة، تطالب لائحة الاتهام الجديدة بإنزال عقوبة السجن بحق إمام أوغلو لمدة قد تصل إلى ثماني سنوات وتسعة أشهر، في حال إدانته.
وجهت النيابة التركية تهمة جديدة لرئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المسجون منذ 23 آذار/مارس بتهم فساد
تصعيد أمني قبل الانتخابات الرئاسية؟
تأتي هذه الاعتقالات الجديدة بعد أربعة أشهر من اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان، بتهم تتعلق بالفساد. وكانت تلك الخطوة قد فجّرت احتجاجات جماهيرية وُصفت بأنها الأكبر في البلاد منذ أكثر من عقد.
اللافت أن التصعيد ضد رؤساء البلديات من المعارضة يأتي بعد عام من تحقيق حزب الشعب الجمهوري مكاسب كبيرة في الانتخابات المحلية، خاصة في مدن كانت تُعد معاقل لحزب العدالة والتنمية، مثل أديامان التي تضررت بشدة جراء زلزال 2023.
وكان حزب الشعب الجمهوري قد رشّح أكرم إمام أوغلو رسميًا ليكون مرشحه الرئاسي المقبل عقب اعتقاله، رغم أن الانتخابات العامة المقبلة مقررة في عام 2028، إلا أن مراقبين لا يستبعدون أن تُعقد في وقت أقرب.
وتوكد الحكومة التركية على أن القضايا المرفوعة ضد شخصيات المعارضة لا تحمل أي أبعاد سياسية، في حين تؤكد المعارضة أن هذه الاتهامات "مصطنعة ومُخطط لها مسبقًا بهدف إبقاء الرئيس رجب طيب أردوغان في السلطة".