حملات توقيف ممنهجة ونفي رسمي.. ماذا يحدث للسودانيين في مصر؟
16 فبراير 2026
في الثالث عشر من شباط/ فبراير الجاري، أثارت الدكتورة أماني الطويل، المتخصصة في الشأن السوداني ومديرة البرنامج الأفريقي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المجلس المصري للشؤون الأفريقية، نقاشًا واسعًا بعد تدوينة نشرتها عبر فيسبوك تناولت فيها ما يتردد حول أوضاع عدد من اللاجئين السودانيين داخل بعض أقسام الشرطة.
الطويل أشارت إلى روايات متداولة بين أسر محتجزين تتحدث عن حالتي وفاة، إحداهما لمسن والأخرى لشاب، في قسمي الشروق وبدر، مطالبةً بفتح تحقيق يوضح ملابسات ما جرى، وطرحت تساؤلات مباشرة حول أسباب احتجاز أشخاص يملكون، بحسب ما يقال، أوراقًا ثبوتية وإقامات أو تسجيلات رسمية، داعيةً إلى فهم ما يحدث وتقديم إجابات واضحة للرأي العام.
ولم يكن هذا الطرح الأول من نوعه للأكاديمية المصرية، ففي منشور سابق بتاريخ الثالث من الشهر نفسه، قارنت بين ما وصفته بجهود السياسة الخارجية المصرية في دعم الشعب السوداني وتطلعه إلى مستقبل آمن، وبين ما اعتبرته غموضًا في بعض الممارسات المتعلقة بملف اللاجئين داخل البلاد.
وأكدت أنها تتلقى بصورة يومية شكاوى عن احتجاز أشخاص يحملون وثائق قانونية، معتبرة أن غياب المعلومات الدقيقة يفتح الباب أمام الشائعات ويزيد منسوب القلق بين الأسر، مشددة على أن المصريين بحاجة إلى سياسات معلنة وشفافة، وإلى سردية رسمية تشرح ما يجري، محذّرة من أن الخوف والهلع داخل العائلات السودانية قد يخلّفان كلفة سياسية وإنسانية تمس المصالح المشتركة للشعبين.
هذه التصريحات لامست حالة قلق حقيقية تسود بين كثير من السودانيين المقيمين في مصر، خاصة في ظل تداول قصص فردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن توقيفات أو احتجازات، في مقابل نفي الجهات الرسمية المصرية في أكثر من مناسبة لوجود أي استهداف ممنهج لجنسية بعينها، مؤكدة أن الإجراءات المتخذة تخضع للأطر القانونية المنظمة لوجود الأجانب.
وثقت "منصة اللاجئين في مصر" حالات احتجاز لسودانيين بين نيسان/أبريل وآب/ أغسطس 2025 في القاهرة الكبرى والإسكندرية ومطروح، معتبرة أن نهاية 2025 شهدت أوسع الحملات من حيث العدد
يأتي الجدل في سياق أوسع يرتبط بحجم الوجود الأجنبي في مصر وطبيعة التحديات التي يفرضها، فبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف البلاد أكثر من 914 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين من 61 جنسية.
في المقابل، تقدم الحكومة المصرية تقديرات بالأضعاف، تذهب إلى استضافة مصر قرابة تسعة ملايين شخص، تبلغ كلفتهم السنوية عشرة مليارات دولار، تتحملها الحكومة المصرية بالكامل، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية معقدة.
بين هذين المستويين من السرد — سرد الحقوق والاعتبارات الإنسانية من جهة، وسرد الأعباء والإمكانات من جهة أخرى — تتشكل مساحة النقاش الحالية، فالمطالبات بالتحقيق والشفافية التي ترفعها أصوات أكاديمية وسياسية، مثل الطويل، تعكس رغبة في تبديد الغموض واحتواء التوتر المجتمعي، بينما ترى الحكومة أن إدارة الملف تتطلب موازنة دقيقة بين احترام القانون والحفاظ على الاستقرار الداخلي وتحمّل كلفة الاستضافة.
وفق هذا المنطلق لم تعد قضية ما يحدث للاجئين السودانيين مجرد وقائع فردية، بل تحولت إلى موضوع رأي عام يرتبط بصورة مصر الإقليمية، وبعلاقتها التاريخية مع السودان، وبقدرتها على إدارة واحد من أعقد ملفات المنطقة في السنوات الأخيرة، ملف اللجوء والهجرة المختلطة.
الصادق وقمر الدين يفجران ينابيع القلق
شهدت أوساط الجالية السودانية في مصر تصاعدًا ملحوظًا في القلق عقب تداول قضيتين اعتُبرتا رمزيتين لما يحيط بملف التوقيفات من غموض.
الأولى تتعلق بالمراهق السوداني النذير الصادق، الذي تحدثت منصات إعلامية عن توقيفه في 18 كانون الثاني/يناير من أمام محل إقامته في القاهرة، مع تأكيد أسرته أنه كان يحمل أوراقًا تثبت وضعه القانوني، من بينها بطاقة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
ووفق الروايات المتداولة، أودِع الصادق في قسم شرطة بمدينة بدر لنحو 25 يومًا، قبل أن يُعلن عن وفاته، ما أثار موجة غضب واسعة بين السودانيين.
الشاب، الذي كان يدرس في المرحلة المتوسطة في الخرطوم، كان قد غادر بلاده عام 2023 هربًا من الحرب، غير أن عائلته تقول إن رحلة البحث عن الأمان انتهت بوفاته داخل محبسه، مشيرةً إلى أنه كان يعاني من متاعب صحية.
أما الواقعة الثانية فسبقت ذلك بأيام، وتمثلت في وفاة المواطن السوداني مبارك قمر الدين مجزوب عبد الله، البالغ 67 عامًا، داخل قسم شرطة الشروق بعد نحو تسعة أيام من الاحتجاز.
وبحسب تقارير متداولة، كان الرجل يحمل بطاقة ملتمس لجوء صادرة عن المفوضية في مصر، تمنحه وضعًا قانونيًا معروفًا وحماية يفترض أن تصونه من الاحتجاز التعسفي المرتبط بصفة الهجرة أو اللجوء.
وبينما لم تصدر روايات رسمية مفصلة تحسم ملابسات الحالتين، فقد أسهم تداولهما بكثافة في تعميق المخاوف، ودفع قطاعات من السودانيين للمطالبة بإجابات واضحة وإجراءات تحقق شفافة تبدد الشكوك.
حملات توقيف
في الإطار ذاته، أشارت "منصة اللاجئين في مصر"، وهي مبادرة مدنية تتابع أوضاع اللاجئين، في أحد تقاريرها إلى ما وصفته بزيادة ملحوظة في وتيرة إجراءات التوقيف والاحتجاز والترحيل، قائلة إن نطاقها – وفق ما رصدته المنصة – امتد من مناطق العبور الحدودية إلى عدد من المدن الكبرى خلال عام 2024 والنصف الأول من 2025، مع حديث عن ارتفاع إضافي في النصف الثاني من العام نفسه ومطلع 2026.
وذكرت المنصة أنها وثقت حالات احتجاز لسودانيين بين نيسان/أبريل وآب/ أغسطس 2025 في القاهرة الكبرى والإسكندرية ومطروح، معتبرة أن نهاية 2025 شهدت أوسع الحملات من حيث العدد، بحسب توصيفها.
ومن جهتها، رأت الحقوقية السودانية مروة حجازي، المتطوعة المتعاونة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في متابعة أوضاع بعض المحتجزين، أن التحركات الأمنية الأخيرة في مناطق تجمع غير المصريين تحمل طابعًا "غير مسبوق" قياسًا بما كان يجري في السابق.
وفي تصريحات صحفية منسوبة إليها، قالت إن الإجراءات بدت – من وجهة نظرها – واسعة النطاق وطالت فئات مختلفة، معتبرة أن ما كان يُفهم سابقًا بوصفه حملات محدودة أو موسمية أصبح أكثر استمرارية.
كما أشارت إلى أن هذا التقدير، بحسب رأيها، يثير تساؤلات تتصل بالتزامات الحماية الدولية، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو طرح يبقى في إطار تقييمات حقوقية غير رسمية بانتظار ما قد يصدر من توضيحات من الجهات المعنية.
مخالفة قانونية لا استهداف ممنهج
في المقابل، نقل موقع "مدى مصر" عن مصدر أمني مشارك في بعض الحملات الأخيرة قوله إن الإدارة المختصة بالجوازات والهجرة تصدر بصورة دورية تكليفات بتنفيذ ما يُعرف إداريًا بـ"حملة أجانب".
ووفق الرواية المنسوبة للمصدر، تُوجَّه هذه الحملات عادة إلى المناطق ذات الكثافة الأعلى من المقيمين غير المصريين، ومن بينها أحياء في الجيزة ومدينة نصر، موضحًا أن تحديد التوقيت وعدد المرات يخضع لتقديرات القيادات المعنية، فقد تُنظَّم مرة أو أكثر شهريًا، وربما تزيد وتيرتها أو تتراجع تبعًا لاعتبارات تنظيمية وأمنية.
المصدر ذاته أشار إلى أن الإجراءات، بحسب وصفه، لا تقوم على استهداف جنسية محددة، بل تعتمد على الاشتباه وفحص المستندات، بحيث يُخلى سبيل من تثبت سلامة أوراقه، بينما تُتخذ خطوات قانونية بحق من يواجه نقصًا أو مخالفة.
وأضاف أن من بين هذه الخطوات مناقشة سبل تقنين الوضع، بما في ذلك استكمال الإقامة أو سداد الرسوم المقررة، وفي حال تعذر ذلك يُبحث ما إذا كان هناك من يتكفل بالسداد، أما الحالات التي يتبين فيها طول فترة المخالفة أو الدخول إلى البلاد بطرق غير نظامية، فتُحال – وفق ما ذكر – إلى مسارات الترحيل المنصوص عليها في القوانين واللوائح المنظمة.
محل تقدير من القيادة السياسية
في خضم الجدل الدائر وتصاعد المخاوف داخل قطاعات من الجالية السودانية، كشفت الدكتورة أماني الطويل في منشور بتاريخ الرابع من الشهر الجاري أنها تلقت اتصالًا هاتفيًا من وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، تناول ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن أوضاع اللاجئين السودانيين في مصر.
تعكس الشهادات التي تتناقلها منصات متعددة حالة من التوجس داخل أوساط من السودانيين المقيمين في مصر حيال ما يُثار عن توقيفات متكررة وإجراءات ترحيل، وهو ما دفع بعضهم إلى تقليل حركتهم والبقاء في مقار إقامتهم خشية التعرض لمواقف غير متوقعة.
ووفق ما نقلته، جاء الاتصال في إطار الحرص على متابعة النقاش العام وتوضيح الموقف الرسمي تجاه التطورات المثارة.
وبحسب الطويل، شدد الوزير خلال حديثه على أن مصر، حكومةً وشعبًا، تولي اهتمامًا بالغًا بالسودان وبمواطنيه على امتداد جغرافيته، مؤكدًا أن السودانيين الموجودين في البلاد محل ترحيب ورعاية إلى حين عودتهم الآمنة إلى وطنهم.
كما أشار – وفق روايتها – إلى المواقف المعلنة والمتكررة التي عبّر عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في هذا السياق، والتي تؤكد دعم مصر للشعب السوداني ووقوفها إلى جانبه في هذه المرحلة.
الرعب يخيم على أسر اللاجئين
في المحصلة، تعكس الشهادات التي تتناقلها منصات متعددة حالة من التوجس داخل أوساط من السودانيين المقيمين في مصر حيال ما يُثار عن توقيفات متكررة وإجراءات ترحيل، وهو ما دفع بعضهم – وفق ما يروونه – إلى تقليل حركتهم والبقاء في مقار إقامتهم خشية التعرض لمواقف غير متوقعة.
عدد ممن تحدثوا إلى "الترا صوت" عبّروا عن أن القلق يتزايد بفعل غياب المعلومات الحاسمة، حتى لدى من يحملون وثائق وإقامات سارية، مطالبين بإيضاحات رسمية تشرح طبيعة ما يجري وتبدد مساحة الشائعات.
وفي الوقت نفسه، شدد المتحدثون على عمق الروابط التي تجمعهم بالمجتمع المصري، مؤكدين تقديرهم لما يلقونه من معاملة كريمة، ومستبعدين أن تكون هناك نية لاستهدافهم بصورة ممنهجة.
غير أنهم دعوا، بالتوازي مع ذلك، إلى ضمانات عملية للعدل والحماية، وإلى مراعاة التعقيدات الإنسانية التي تجعل العودة الفورية إلى السودان أمرًا بالغ الصعوبة في الظرف الراهن، بما يحقق التوازن بين تطبيق القانون وصون أمن الأفراد وكرامتهم.