حمد عبود بالألمانية: الموت يصنع كعكة الميلاد

حمد عبود بالألمانية: الموت يصنع كعكة الميلاد

الشاعر حمد عبود

استضاف "مهرجان الأدب في لوتسيرن"، الذي جرت فعالياته بين التاسع والثاني عشر من الشهر الجاري، في عاصمة كانتون لوتسيرن التي تحمل نفس الاسم في سويسرا، الكاتب والشاعر السوري المقيم لاجئًا في النمسا حمد عبود، وذلك بمناسبة صدور كتابه "الموت يصنع كعكة الميلاد" عن دار Pudelundpinscher السويسرية بطبعة ثنائية اللغة عربية-ألمانية ترجمت نصوصها المُترجِمة الألمانية لاريسا بندر.

حمد عبود: نحمل مشاكل بعضنا بعضًا، ونلبس مشاكل بعضنا بعضًا

قبل الافتتاح الرسمي للمهرجان الذي جرى مساء10.03.2017 بحضور رئيس حكومة مدينة لوتسيرن (العاصمة) السيد بيت تسوسلي، والسيدة ليسلي شنيدر مديرة المهرجان ومفوضة الكانتون لشؤون المكتبات العامة وتشجيع القراءة، كان كتاب عبود قد قُدِّمَ إلى الجمهور السويسري والعربي في لقاءٍ نظمته إدارة المهرجان مساء 09.03.2017 في مركز التقاء اللاجئين Hello Welcome بحضور مُديرَي دار النشر؛ الكاتب السويسري أندرياس ﮔروستس وزوجته الفنانة بياتريكه ماريتس، إلى جانب عدد كبير من العاملين في الحقل الثقافي والقرّاء السويسريين والعرب.

اقرأ/ي أيضًا: أديب كمال.. الهوس بالحروف

قرأ عبود خلال اللقاء بالعربية "أنا مقبرة جماعية قديمة" و"ماذا حلّ بالطيور اللاجئة؟" و"الموت ينفرد بنا كما انفرد مارادونا بالمرمى سنة 1986"، بينما قرأها الناشر أندرياس ﮔروستس بالألمانية.

بعد ظهر يوم السبت، الحادي عشر من آذار/مارس، كان روّاد المهرجان على موعدٍ مع الكاتب السوري ليستمعوا منه إلى شيءٍ جديد من نصوص الكتاب وليطرحوا عليه ما شاؤوا من الأسئلة: "تاريخنا الملبوس"، كان عنوان النص الذي قرأ حمد عبود ترجمته الألمانية، وجاء فيه: "لستُ أكتب التالي لأنني اشتريتُ الأسبوع الفائت قمصانًا داخليةً لأول مرة في حياتي (...) بل لأني بردانٌ، وتكسوني ملابسٌ جديدةٌ لا أعرف صاحبها ولا تحمل جيوبُها ذكرياتٍ وقصاصاتٍ وأوراقًا ثبوتيةً (...) في البلاد البعيدة الباردة، تعيد تكوين نفسك وتعيد تقييمها أيضًا (...) أنت أكثر عرضة لنزلات البرد لأنك لا ترتدي قميص أخيك الداخلي الذي يعرف كيف يلتصق بك ويداري غربتك (...) فنحن نحمل مشاكل بعضنا بعضًا، ونلبس مشاكل بعضنا بعضًا، كما نلبس ذكريات بعضنا بعضًا، ونتناقلها من جيل إلى آخر (...) أنا من ذلك الشعب، بتاريخه الملبوس الذي لا يحب الأبيض في كل شيء، من الشعبِ الذي يشرب اللبن مخلوطا بالثوم ومائلًا للصفرة. أنا من ذلك الشعب، الذي يشتري كل شيء جديدًا، ولكنه يُفضّل أن يكون قميصه الداخلي سماويًّا مثقوبًا، وعليه ذكرياته العائلية".

بعد ذلك أدارت الكاتبة والصحافية ريناتا ميتسـﮔر-برايتنفيلنر حوارًا بين الكاتب والجمهور تخلله العديد من الأسئلة والنقاشات حول أسلوب الكاتب ومضمون كتابه، فقال في ردٍّ على سؤال حول غرابة العنوان والاجتماع غير المتخيل بين الموت وكعكة الميلاد: "خلال المحرقة التي يعيشها السوريون في سوريا ونعيشها ونسمع أخبارها ونحن بعيدون في دول اللجوء المتفرقة، أفكر دون انقطاع بالموت والخسارات الفادحة التي تكبدناها ويتجرعها الجميع بشكل يومي، وبالعدد المَهُول من الأصدقاء الذين نخسرهم كل يوم على يد النظام المجرم، لذا خطر ببالي بأن الموت الآن لديه الكثير من الأصدقاء السوريين الجدد، ولا بد أنه سعيد جدًا بهم وبالوافدين عليه كل يوم، وعليه فإنه يحتفل بأصدقائه ويصنع له ولهم كعكة عيد ميلاد كبيرة جدًا".

وتوضيحًا لتساؤلٍ من قارئٍ سويسري متابع للكاتب ووجد في نصوص الكتاب "سخريةً ثقيلةً سوداءَ" أثارت لديه الشك في جلب الابتسامة إلى القارئ كما يتوخى عبود وكما يذكر دائمًا بأنه "يكتب ليجعل محيطه من السوريين يضحكون على الحرب والموت"، قال: "كان حافزي الأول هو أن أجد طريقة أفهم فيها الحرب وأن أتناول جرعة كبيرة من الموت أو أن أنظر في عينيه وألّا أخاف منه لأنه أصبح جزءًا من المكونات اليومية لحياتنا؛ وبالكتابة عنه آمل أن أجعل الحياة أسهل بقليل مما هي عليه، وعندما اكتشفت بعد المحاولات الأولى بأن قارئي يرحب بأسلوبي الجديد أخذتُ بالتعمق أكثر وأكثر في هذا الأسلوب الذي بدأت باستعماله في العام 2012 في مصر. أعرف من تجربتي واحتكاكي مع محيطي بأن الحديث عن الحرب والسخرية منها ومن مجرياتها، والتنفيس عما يجول في القلب من صراعات وآلام، يجعل الحياة محتملة بشكل من الأشكال. في إحدى الأمسيات اكتشفت بأن أحد النصوص قد أجبر أحد الحضور على البكاء. كان ذلك مخيفًا جدًا، إلا أنني فكرت بأن النص الذي يجعل أحد المتضررين من الحرب يبكي، هو نص مفيد أيضًا؛ لأن هناك الكثير من السوريين الذين يعيشون آلامهم ويحتاجون إلى هذه المساحة من الأدب الذي يجعلهم يتقدمون خطوة إلى الأمام؛ وإن كان ذلك عن طريق الضحك أو البكاء".

جسدت نصوص حمد عبود تداعيات الهروب، وانطباعاتٍ عن الفقدان والتدمير الذي تخلفه الحرب

ولاحظ أحد المتابعين العرب أن عبود كان يكتب نصوصًا متنوعة عن ثقافته يتناول فيها تفاصيل عائلية حميمة، لكنه بدأ مؤخرًا يكتب عن الحياة في مجتمعٍ أجنبي ذي لغةٍ وثقافة مختلفة عمّا تربى عليه هو في سوريا. بعد هذه الملاحظة سأله المتابع العربي: "ما الذي تريد أن تحققه من ذلك التوجه؟"، فأجاب: "تغيرت وظيفة الأدب بالنسبة لي بعد مغادرتي سوريا وبعد لجوئي. أتذكر الآن مجموعتي الشعرية الأولى وما كنتُ أكتبه في سوريا وأعتبره رفاهية، أو نصوصًا شخصية متمحورة حول الأنا وتجاربها المحدودة. أنا مقتنع بأن الأدب يتغير بحسب متطلبات المرحلة وبحسب ما يستحقه القارئ من الكاتب الملتزم. خلال إقامتي في النمسا وتنقلي بعد ذلك بشكل مستمر بين الدول الناطقة بالألمانية لمستُ الأثر الناتج عن رواية جزء صغير من التفاصيل اليومية عن حياتنا كلاجئين قادمين من ثقافة أخرى. أسعى لخلق مساحة من التفاهم مبنية على المعرفة المتبادلة بالثقافة الأخرى. المتلقي الأوروبي بشكل عام لديه فضول كبير للمعرفة ولديه فضول خاص لمعرفة أشياء تخصه وتخص مجتمعه في عيون الوافدين الجدد".

اقرأ/ي أيضًا: شعراء من العالم في "أسفي" المغربية

 

[[{"attributes":{},"fields":{}}]]

وختم عبود إجابته بالقول: "ما أكتبه مزيج من الرؤى والمشاهدات التي أطرحها في النص ليكون الأدب فعّالًا بحق ويحدث النتيجة المرجوة من تسامح وتفاهم بين المجتمعين المتقابلين، وأيضا كنوع من الرد على الميديا التي قد تشوّه الحقائق لأجندة سياسية تختلف بحسب انتماء كل قناة وكل مجلة".

صحيفة "لوتسيرنر تسايتنگ" تناولت مشاركة الكاتب السوري في مقالٍ كتبته الصحافية جوليا ستيفان، وصفت فيه نصوص الكتاب بأنها "ترتدي حُلّة قصائدَ الشعر المطوَّلة"، وقالت بأنها "تجسد تداعيات الهروب وانطباعاتٍ عن الفقدان والتدمير الذي تخلفه الحرب"، ونوّهت بالجهود التي بذلتها المترجمة لاريسا بندر "لإظهار الترجمة بنص ألماني مكافئ للنص العربي".

جدير بالذكر أن حمد عبود سبق له أن قدّم قراءات كثيرة في سويسرا وشارك في فعاليات ونشاطات أدبية في العديد من المدن السويسرية، وهو من مواليد العام 1987 في دير الزور شرق سوريا. درس هندسة الاتصالات في جامعة حلب وتخرج فيها. في العام 2012 صدرت باكورة أعماله الشعرية "مطر الغيمة الأولى". في العام 2015 وصل إلى أوروبا لاجئًا ونال في العام نفسه منحة جان جاك روسو للكتابة الإبداعية، التي تقدمها "أكاديمية شلوس سوليتود" في شتوتغارت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية

تريد أن تقتل بضمير مرتاح؟ كونيسا يجيبك